تحميل كتاب صائد الارواح

صائد الارواح

صائد الأرواح

 قبل أن أعرف اسمي

الطفل الذي كان يسمع الضجيج

لا أعرف متى بدأت الحكاية بالضبط، لأنني لم أكن قد عرفت اسمي بعد،  ولم أكن أعرف أن هناك أشياء يمكن للإنسان أن يراها أو يسمعها ثم يظل عاجزًا عن شرحها لمن حوله . كل ما أعرفه أنني كنت أعيش أشياء لا أعرف كيف أقولها ، وأشعر بأشياء أحيانًا قبل أن أعرف أنها موجودة أصلًا ، ثم أكتشف بعد ذلك أن ما قلته أو شعرت به كان له مكان في الواقع.

بعض ذكرياتي ترجع إلى عمر سنة ونصف تقريبًا. كنت أتذكر مواقف لم أكن أعرف كيف يمكن لطفل في هذا العمر أن يتذكرها، وكنت أشعر أن عقلي كان يسجل كل شيء حولي بطريقة لا أفهمها. لم تكن الحياة بالنسبة لي مجرد ما تراه عين طفل صغير ثم ينساه، كان هناك شيء آخر يحدث في داخلي، شيء يجعل بعض الأشياء تمر بي وهي أكبر من سني، وأكبر من قدرتي على الكلام عنها.

كنت أعيش في مكان بسيط، في بيئة لها أخلاقها ومبادئها، وفي بيت تعلمت فيه أشياء كثيرة قبل أن أفهم لماذا أتعلمها. لكن البساطة التي حولي لم تكن تعني أن ما يحدث بداخلي كان بسيطًا. كنت مختلفًا حتى في الطريقة التي أستقبل بها الناس. أسمع صوت الشخص ولا أسمع صوته فقط، أشعر بشيء خلفه، بشيء في طريقته وهو يتكلم، بما يخفيه في نبرة صوته، بما يريد أن يقوله قلبه ولا يقوله لسانه. لم أكن أعرف وقتها ما معنى هذا. كنت فقط أعيش معه.

أمي كانت تقول إنني كنت أتكلم وأنا صغير، لكنني لا أملك من تلك المرحلة كل التفاصيل. الذي بقي في داخلي هو الإحساس بأن العالم كان يصل إليّ قبل أن أتعلم كيف أستقبله. أشياء تقع، وأشياء أشعر بها، وأحيانًا أتكلم عنها، ثم أجدها موجودة في الواقع. ولم يكن هذا يجعلني سعيدًا في البداية، لأن الطفل لا يفرح بشيء لا يستطيع أن يفهمه، خصوصًا عندما لا يجد حوله لغة يضعه بها في مكانه الصحيح مجرد طفل يخاف يتالم ولا يعرف كيف يسكت المه ولا يعرف ما معنى الالم لكن يشعر به فى كل لجظة فى حياته 

كنت أخاف أن أحكي.

لم أكن أعرف لماذا أخاف، لكنني كنت أعرف أن بعض ما يحدث معي لا يشبه ما يحدث لمن حولي، ولذلك لم أكن أجد الشخص الذي أستطيع أن أقول له كل شيء. الشخص الوحيد الذي كنت أشعر أنني أستطيع أن أحكي له دون أن أخاف من نفسي أو من نظرتها إلى ما أقول كانت جدتي هي من تجعلنى اشعر انها تصدقنى وهي من تجعلنى اشعر انها تحبنى دائما اري فى وجوه من حولي معاناتهم قبل ان يتكلموا ماعادا جدتى كنت اري فيها نفس بذرتي .

كبرت وأنا أقترب منها كلما عجزت عن فهم شيء. كانت بالنسبة لي المكان الذي أعود إليه عندما يصبح العالم أكبر مني. وفي طفولتي كان العالم بالفعل أكبر مني بكثير. لم أكن أملك الكلمات التي تكفيه، ولا الفهم الذي يجعلني أضع لكل شيء اسمًا.

كنت أرى أشياء في داخلي، وأشعر بأشياء فيمن حولي، وأحيانًا يأتيني شعور لا أعرف من أين جاء، لكنه يظل موجودًا حتى أعرف بعد ذلك ماذا كان.

لم أكن أقول: أنا أرى عالمًا آخر.

لم أكن أعرف أصلًا أن هناك عالمًا آخر.

كنت أعرف فقط أنني أشعر بشيء.

وكان ذلك الشيء كافيًا ليجعلني أعيش مختلفًا عن الأطفال من حولي.

في مرحلة مبكرة جدًا من عمري بدأت تظهر لي رؤى ذهنية تتكرر، لكنها لم تكن صورًا عابرة مثل حلم ينتهي بمجرد أن أستيقظ. كانت مشاهد قصيرة، واضحة، تعود بالطريقة نفسها، وكأن شيئًا ما يعيد تشغيل المشهد أمامي. كان المشهد لا يستمر طويلًا، أحيانًا أشعر أنه لا يتجاوز ثواني قليلة، لكنه كان ثقيلًا جدًا عليّ يؤثرليس مجرد ثواني بل احيانا طول اليوم واحيانا ايام .

كنت أرى عالمًا غامضًا، عالمًا لا أعرف له شكلًا يشبه المكان الذي أعيش فيه، وفي هذا العالم كان يظهر عجل أسود يتم ذبحه.

لا أنسى تفاصيله.

كان لونه أسود، وفي ذلك الظلام كان سواده يبدو أوضح، كأن الظلام نفسه يساعدني على رؤيته. وكان الذبح يتكرر. لم يكن المشهد يمر ثم يختفي إلى الأبد، بل يعود مرة أخرى وكأنني لا أستطيع الخروج منه وما اتذكره من العجز عن الحركة وتالم الثور فى ذبحه.

وكان هذا يحدث عند الفجر.

كنت أرى العجل في الوقت نفسه الذي يبدأ فيه الأذان.

كنت في السادسة من عمري تقريبًا، ولم أكن أفهم لماذا يحدث هذا، لكنني كنت أعرف أنني أكره تلك اللحظة. لم أكن أكره الأذان لأنه أذان، ولم أكن أملك هذا الفهم أصلًا، لكن صوت الأذان عندي أصبح مرتبطًا بذلك المشهد. كلما جاء الوقت رأيت العجل، وكلما رأيت العجل عاد إليّ الصراخ.

كنت أسمع الصراخ المستمر، وأرى الذبح، وأبقى داخل المشهد حتى ينتهي، ثم يعود من جديد.

لم أكن أستطيع أن أوقفه.

ولم أكن أعرف لماذا أنا بالذات الذي يراه.

كنت أذهب إلى جدتي وأحكي لها.

لم تكن تسخر مني، ولم تكن تقول لي إنني أتخيل، ولم تحاول أن تضعني في موقف أشعر فيه بالخجل من الشيء الذي يحدث لي. كانت تستمع.

ثم قالت لي أن أقرأ سورة الرحمن عندما أرى هذا المشهدوعلمتنى اول ايات صورة الرحمن وكررتها معها .

أخذت بكلامها كما يأخذ الطفل بكلام الشخص الوحيد الذي يثق فيه حين لا يفهم شيئًا مما يحدث حوله.

وعندما كنت أرى العجل، كنت أقرأ سورة الرحمن.

وكان يحدث شيء لم أكن أعرف له تفسيرًا.

يختفي المشهد.

لم يكن يختفي بعد أن أقتنع أنه غير حقيقي، ولم أكن أعرف أصلًا إن كان حقيقيًا أو غير حقيقي. كنت أراه، ثم أقرأ، ثم يختفي.

هذه كانت أول مرة أعرف فيها أن القرآن يمكن أن يدخل إلى الشيء الذي أخاف منه فيغيّره.

لم أكن أملك وقتها لغة أكبر من ذلك.

لم أقل إن الإيمان حالة وعي، ولم أفهم معنى البصيرة، ولم أكن أعرف شيئًا عن الروح أو العوالم أو القرين أو أي شيء مما سيأتي بعد سنوات. كنت طفلًا يرى عجلًا أسود يُذبح كل فجر، ويجد أن سورة الرحمن تجعل المشهد يختفي.

وهذا وحده كان بالنسبة لي سرًا.

كنت أعود إلى حياتي بعد ذلك، لكن المشهد لم يخرج من داخلي.

ظل موجودًا.

ولم يكن هو الشيء الوحيد.

منذ طفولتي بدأت أشعر أن ما حولي لا يصل إليّ من طريق واحد. كنت أرى، وأسمع، وأشعر. لم أكن أعرف أن هذه الأشياء يمكن جمعها في معنى واحد، ولم أكن أفكر أصلًا في أنها قدرات. كانت بالنسبة لي الطريقة العادية التي أعيش بها.

إذا تكلم شخص أمامي، لم أسمع الجملة فقط. كنت أشعر بنبرة صوته، وأشعر بما يخفيه، وألتقط شيئًا يجعلني أحيانًا أعرف ما لا يقوله.

كنت أرى أحيانًا شيئًا في داخلي، ثم أكتشف أنني لم أكن بعيدًا عن الحقيقة.

وكنت أحيانًا أشعر بأشياء لا أستطيع تحويلها إلى كلمات.

لهذا أصبحت حياتي الداخلية مزدحمة.

ولأنني كنت طفلًا، لم أكن أعرف أن ازدحام الداخل يمكن أن يكون ضجيجًا.

كنت أظن أن الضجيج هو ما يسمعه الناس في الخارج.

ثم بدأت أعرف أن هناك ضجيجًا لا يأتي من الشارع ولا من البيت ولا من أصوات البشر.

ضجيجًا يأتي معك أينما ذهبت.

كنت أبحث عن طريقة أهرب بها منه دون أن أعرف أنني أبحث.

وأحيانًا كنت أجد راحتي في شيء بسيط جدًا: شخص أشعر بالأمان معه، أو لحظة لا يطلب مني فيها أحد أن أشرح ما أشعر به.

ولهذا كانت جدتي قريبة مني.

موتها فيما بعد لم يكن مجرد موت شخص كبير في العائلة.

أنا كنت في التاسعة من عمري عندما توفت.

وفي ذلك العمر لم أكن أعرف ماذا يعني أن يموت الشخص الذي كنت تعود إليه عندما لا تفهم العالم.

فجأة أصبح عليّ أن أعيش بما في داخلي وحدي.

كان هناك من حولي، بالتأكيد، لكن الشيء الذي كنت أخاف أن أحكيه لم يكن له مكان عند كل الناس. لم يكن كل شخص يستطيع أن يسمع طفلًا يقول إنه يرى أشياء لا يراها الآخرون ثم يفهم أنه لا يبحث عن اهتمام، بل عن شخص يصدقه بما يكفي حتى لا يشعر بالخوف من نفسهلم اكن اقرر الكلام مع احد اخر لاني كنت اعلم نتيجة الكلام واتوقعها  لذلك التام فى صمت اسمع الصراخ والضحكات بدون ان اعرف مصدرها كاني اعيش في سوق كبير يعمل بدون توقف  فيه اشخاص مختلفة باستمرر وكلمات واشياء بعيدة عن الواقع عالم مزدحم جدا وفيه اصوات كثيرة تخرج جميعها كانها صوت واحد اسمعه من بعيد اشعر بالضجيج لكن لم اكن اعلم انه ضجيج اتالم واخاف واحتفظ بما اراه واسمعه كانه عالمي السري الذي علمت ان لا يوجد من يؤمن بوجوده من يسمعنى مات وكانه اخذ لساني معه بعد موته 

كبرت بعد ذلك وأنا أحمل أشياء كثيرة لا أعرف أسماءها.

وكانت الذكريات التي بدأت في عمر صغير جدًا لا تزال موجودة.

العالم الذي كنت أراه لم يختفِ.

والصور لم تنتهِ.

وما كنت أسمعه أو أشعر به لم يتوقف.

لكن الشيء الذي تغير هو أنني بدأت أعيش معه وحدي أكثر.

وكلما كبرت، اتسعت المسافة بين ما يحدث داخلي وما أستطيع قوله خارجيًا.

كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط:

أن هناك شيئًا يحدث لي.

ولم أكن أعرف بعد ما هو.

ولم أكن أعرف أن ذلك الشيء سيبقى معي سنوات طويلة، وأن الحيوانات التي بدأت تظهر لي لاحقًا، والأصوات التي كنت أسمعها، والقوة التي سأشعر بها، والأبواب التي سأدخلها، كلها كانت قد بدأت من طفل صغير لم يكن يريد أكثر من أن يفهم لماذا يرى ما يراه.

في ذلك الوقت لم أكن صائد الأرواح.

لم أكن جنديًا.

ولم أكن أعرف أنني سأعطي نفسي اسمًا سيبقى معي أعوامًا.

كنت فقط فتى صغيرًا يسمع الضجيج، ويحاول أن يجد مكانًا هادئًا يستطيع أن يعيش فيه دون أن يخاف مما يحدث داخله.

أمي قالت إنني كنت أتكلم

كانت أمي تقول إنني كنت أتكلم وأنا صغير.

لم أكن أعرف ماذا كانت تعني بهذه الجملة بالضبط، لأن ما بقي عندي من تلك السنوات لم يكن حكايات متصلة أستطيع أن أرويها من أولها إلى آخرها، بل لقطات متفرقة، مشاهد بقيت في الذاكرة بطريقة غريبة، كأن عقلي احتفظ ببعض الأشياء وترك أشياء أخرى تختفي.

لكنني كلما حاولت أن أرجع إلى البدايات، وجدت نفسي أعود إلى عمر قريب من السنة والنصف.

لم تكن لدي ذاكرة كاملة عن ذلك العمر، لكن كانت هناك مواقف أتذكرها. أشياء حدثت، ثم بقيت في داخلي. وأحيانًا كنت أتذكر شيئًا قبل أن أراه، ثم أكتشف بعد ذلك أنه موجود فعلًا في الواقع.

في ذلك الوقت لم أكن أعرف كيف يمكن أن يحدث هذا.

الطفل لا يجلس ليسأل نفسه: من أين جاءت هذه الصورة؟ ولماذا شعرت بهذا قبل أن يحدث؟ وهل ما أراه حقيقة أم شيء آخر؟

أنا فقط كنت أعيش.

وهذا هو الجزء الذي جعل طفولتي مختلفة عن أي رواية كنت أستطيع أن أحكيها بعد أن كبرت. لأنني الآن أستطيع أن أرجع إلى تلك السنوات وأصفها، لكنني لا أستطيع أن أضع داخل عقل ذلك الطفل إجابات لم تكن موجودة فيه.

كنت أشعر قبل أن أفهم.

وأحيانًا أرى قبل أن أعرف ماذا رأيت. وأحيانًا أتكلم ثم أكتشف أن الكلام الذي خرج مني لم يكن مجرد كلام طفل.

لم يكن أحد حولي يملك تفسيرًا يجعلني أفهم ما يحدث، وأنا نفسي لم أكن أبحث عن تفسير. كنت أتعامل مع ما يحدث كما يتعامل الطفل مع أي شيء آخر في حياته: إذا خاف اقترب من الشخص الذي يثق به، وإذا لم يفهم سأل، وإذا وجد شيئًا يريحه تعلق به.

ولهذا كانت جدتي مختلفة بالنسبة لي.

كنت أخاف من أن أحكي لأي شخص ما يحدث معي، لكنني لم أكن أخاف أن أحكي لها. كانت تسمعني دون أن تجعلني أشعر أن هناك شيئًا خطأ في أن أرى أو أشعر بما أراه وأشعر به.

ولم أكن أعرف وقتها أن الإنسان قد يعيش سنوات وهو يحاول أن يجد الكلمات التي تصف أول أشياء شعر بها عندما كان طفلًا، ثم يكتشف أن الكلمات نفسها جاءت متأخرة جدًا عن التجربة.

أنا لم أبدأ من كلمة «روحاني».

ولم أبدأ من فكرة «قدرة».

ولم أعرف أصلًا أن هناك أشخاصًا يضعون أسماء لما كنت أعيشه.

بدأت من شيء أبسط بكثير.

طفل يشعر أن هناك شيئًا يحدث.

ثم يحاول أن يعرفه.

وكلما كبرت، ظلت بعض تلك المشاهد موجودة في داخلي، وكأنها تنتظر اللحظة التي سأملك فيها من العمر والفهم ما يجعلني أقترب منها من جديد.

كنت أظن أن الذاكرة هي أن تتذكر ما حدث.

ثم اكتشفت أن بعض الذكريات لا تعود لك بالصورة نفسها التي حدثت بها أول مرة.

تعود ومعها الشعور.

وأحيانًا يعود الشعور قبل الصورة.

وهذا ما كان يحدث معي.

كنت أعيش شيئًا، ثم بعد فترة أجد نفسي أمامه مرة أخرى بطريقة مختلفة، كأن الزمن لم يمحُه، وإنما أخفاه حتى أكبر بما يكفي لكي أراه.

لكنني في طفولتي لم أكن أعرف شيئًا عن كل هذا.

كنت فقط طفلًا تتحدث عنه أمه وتقول إنه كان يتكلم فى عمر 6 اشهر ، وطفلًا لديه ذاكرة مبكرة جدًا لبعض المواقف، وطفلًا يخاف أن يحكي كثيرًا إلا لمن يثق بها.

أول ذاكرة

لا أستطيع أن أقول إن أول ما أتذكره كان مشهدًا واحدًا كاملًا. ذاكرتي لم تحتفظ بطفولتي بهذه الطريقة. بقيت فيها مواقف متفرقة، أشياء صغيرة وكبيرة، بعضها أعرف أنه حدث وأنا صغير جدًا، وبعضها أتذكر أنني كنت أعيش حوله قبل أن أملك القدرة على فهمه.

أقدم ما أستطيع أن أعود إليه كان قريبًا من عمر سنة ونصف.

كنت أتذكر بعض المواقف، ثم أكتشف أنني رأيتها أو عشتها قبل أن أمتلك القدرة على أن أفسرها لنفسي. ولهذا بقي عندي إحساس غريب بأن عقلي كان يسجل الأشياء منذ وقت مبكر جدًا. لم أكن أعرف ماذا يسجل، ولا لماذا يبقى شيء ويختفي شيء آخر، لكن بعض الصور والأحداث كانت تبقى في داخلي مهما مر الوقت.

كنت صغيرًا لدرجة أنني لم أكن أمتلك الكلمات التي تجعلني أشرح ما يحدث لي. وهذا ربما كان أصعب جزء في الموضوع كله.

كنت أشعر بشيء، فأبحث عن كلمة فلا أجدها.

أرى شيئًا، فأحاول أن أقول ما رأيت فلا أعرف من أين أبدأ.

وأحيانًا أتذكر شيئًا ثم أراه في الواقع، فأبقى أنا نفسي غير فاهم: هل أنا تذكرت الشيء لأنه حدث، أم شعرت به قبل أن يحدث؟

لم يكن عندي هذا السؤال بهذه الصيغة وأنا طفل. كان عندي فقط الإحساس نفسه.

ومع الوقت بدأت أتعلم أن بعض الأشياء التي أراها وأشعر بها لا أجد لها مكانًا سهلًا في الكلام. لذلك كنت أخاف أن أحكي كل ما يحدث معي، ليس لأنني كنت أعرف أنه سر، ولكن لأنني لم أكن أعرف ماذا سيحدث لو حكيت.

الطفل عندما لا يجد تفسيرًا لما يراه، يبحث أولًا عن الشخص الذي يمكن أن يحكي له دون أن يخاف.

بالنسبة لي كانت جدتي هي هذا الشخص.

كنت أستطيع أن أتكلم معها.

وحتى عندما لا تكون عندي الكلمات الكافية، كانت أجد عندها مساحة أقول فيها ما أستطيع قوله، وأترك ما لا أعرف كيف أقوله داخل نفسي.

كنت أعيش في مكان بسيط، لكنني تربيت على أخلاق ومبادئ أهل الصعيد، وكانت هذه الأشياء تحيط بي منذ البداية رغم ان ولدت في الاسكندرية . وفي الوقت نفسه كانت حياتي تحمل شيئًا لم أفهمه وقتها؛ فقد كنت أعيش بين عالم أراه بعيني وعالم آخر أشعر به ولا أعرف كيف أضع له اسمًا.

كان من الممكن أن يمر الأمر كله لو كانت المشكلة مجرد طفل كثير الخيال.

لكن الذي كان يربكني أن بعض الأشياء التي كنت أشعر بها كانت تجد طريقها إلى الواقع.

كنت أقول شيئًا، ثم أكتشف وجوده.

أشعر بشيء، ثم أرى له أثرًا.

وأحتفظ بمشهد في ذاكرتي، ثم يأتي يوم أشعر فيه أنني رأيت هذا المشهد من قبل.

لم أكن أمتلك تفسيرًا.

ولهذا لم أكن أبحث عن تفسير.

لم أكن أعرف أن ما يحدث معي سيكون بداية رحلة طويلة جدًا. لم أكن أعرف أنني سأكبر وأنا أعود إلى تلك الصور نفسها وأبحث فيها عن شيء لم أكن قادرًا على رؤيته عندما كنت طفلًا.

كنت فقط أعرف أن داخلي ليس هادئًا دائمًا.

وكان وجود جدتي يجعل الأمر أخف.

ثم جاء اليوم الذي ماتت فيه.

كنت في التاسعة من عمري.

بعدها لم يعد الشيء نفسه موجودًا في حياتي.

لم يكن موتها بالنسبة لي مجرد غياب شخص أحبه. أنا فقدت في تلك السن الشخص الذي كنت أحكي له  الشخص الذي كانت الأشياء الغريبة التي أعيشها تجد عنده مكانًا دون أن أضطر إلى الدفاع عنها.

وفجأة أصبح عليّ أن أتعامل مع كل ما في داخلي وحدي بطريقة مختلفة.

كان العالم من حولي مستمرًا، الدراسة مستمرة، والحياة تتحرك، وأنا أيضًا كبرت، لكن شيئًا أساسيًا اختفى.

لم يعد هناك ذلك المكان الذي كنت ألجأ إليه عندما أعجز عن فهم نفسي.

وبقي جدي.

لم أكن أعرف وقتها كم سيأخذ هذا الرجل مكانًا في قصتي، ولا لماذا كانت بعض الأشياء التي يقولها لي ستظل عالقة في ذاكرتي سنوات طويلة بعد رحيله، لكنني كنت أعرف أنه مختلف عن أي شخص آخر.

كان يُحكى عنه أن لديه قوة غير عادية، قوة يشهد بها الناس، وأنه كان يستطيع أن يفعل أشياء لا يستطيعها كثيرون. كانوا يتحدثون عن أشخاص يستطيعون ثني الحديد، وكان جدي واحدًا من الذين ارتبط اسمهم بهذه القوة.

لكنني لم أره يستخدمها.

وهذا كان أول شيء لم أفهمه فيه.

كان يستطيع، لكنه لم يفعل.

وعندما كنت أسأله، لم يكن يعطيني الإجابة التي أريدها.

سألته مرة عن القوة، وعن معنى أن يستغني عنها، فقال لي:

«لما تكبر هتفهم.»

لم أفهم.

أنا طفل، وكل ما أعرفه أن هناك رجلًا أراه قويًا، والناس يتحدثون عن قوته، لكنه لا يعرضها عليّ، وكأنه قرر أن شيئًا كان يملكه لم يعد يريد أن يستخدمه.

ولم أكن أعرف أنني سأفكر في هذه الجملة سنوات.

كنت أظن أن القوة شيء تريد أن تملكه.

كان هذا هو الطبيعي بالنسبة لطفل يرى رجلًا قويًا ثم يسمع أنه استغنى عن قوته.

لكن جدي كان يضع أمامي شيئًا لم أفهمه وقتها: أن هناك إنسانًا يمكن أن يملك شيئًا ثم يقرر أن يتركه.

لم أكن أفهم لماذا.

ولم أكن أعرف ما الذي دفعه إلى ذلك.

كل ما كنت أعرفه أن جدي يحمل شيئًا في داخله لا أستطيع الوصول إليه، وأنني كلما اقتربت منه شعرت أن وراء كلامه كلامًا آخر.

وكان هناك شيء آخر فيه ظل معي أكثر من كلامه عن القوة.

وشم على يده.

image

ذئب يحمل شعلة في يده اليمنى.

كنت أنظر إلى الوشم وأسأل نفسي: لماذا اختار هذا الشكل؟

ثم سألته.

وكانت إجابته أبسط وأغرب مما توقعت.

قال لي:

«ده ذنبي.»

لم أفهم.

نظرت إلى الذئب مرة أخرى.

قلت له:

«ليه ذنبك راسمه في إيدك؟»

فقال لي إنه يريد أن يظل متذكره .

سألته عن السبب، فقال:

«عشان لو نسيته هيرجع يفكرك بيه، وأنا مش حمل ذنوب تاني.»

في ذلك العمر لم أكن أعرف ما معنى الذنب الذي يتحدث عنه، ولم أكن أعرف لماذا يحتاج الإنسان إلى أن يضع على يده صورة تذكره بما فعل.

لكن شيئًا في كلامه بقي معي.

كان يتكلم عن الذنب كأنه شيء يمكن أن ينساه الإنسان إذا تركه بعيدًا عنه.

وكأنه لو غفل عنه، عاد إليه.

لم أفهم كل ما قاله، لكنني لم أنسَ الذئب.

كنت أنظر إلى صورته، وأسمع جدي يتكلم، وأحاول أن أفهم لماذا يرتبط هذا الحيوان عنده بشيء اسمه الذنب.

ومن هنا بدأت أول علاقة حقيقية بيني وبين صورة حيوان.

لم تكن رؤيا بعد.

لم أكن قد عرفت بعد لماذا كان الحيوان يأتي إلى أحلامي.

لكن الصورة أصبحت موجودة.

ذئب يحمل شعلة.

وذنب لا يريد جدي أن ينساه.

وأنا، طفل صغير، أحاول أن أفهم لماذا يحتاج الإنسان إلى أن يتذكر ألمه حتى لا يعود إليه.

ولم أكن أعرف أن الذئب الذي رأيته على يد جدي لن يبقى وشمًا.

سيخرج من الصورة.

وسأراه في مكان آخر.

وسيتكلم معي دون صوت.

وسيحتاج مني سنوات طويلة حتى أفهم لماذا كنت أراه أصلًا.

مش ذئب… ده ذنب

ظل الذئب في ذاكرتي بعد أن انتهى كلام جدي، لكنني لم أكن أفكر فيه بالطريقة التي أفكر بها الآن. وقتها كان مجرد صورة على يده، صورة أثارت فضولي لأن الرجل الذي أحبه اختار أن يحملها معه دائمًا، ورفض أن ينسى معناها.

كنت كلما رأيت يده أنظر إلى الذئب.

لم يكن ذئبًا عاديًا في خيالي. كان يحمل شعلة في يده اليمنى، وكان جدي يربطه بشيء اسمه الذنب. لم أكن أعرف ما هو الذنب الذي يقصده، ولم يسألني عقلي عن تفاصيله بقدر ما ظل السؤال متعلقًا بشيء آخر: لماذا يحتاج الإنسان إلى أن يتذكر ذنبه؟

كنت أتصور أن الذنب شيء لا يترك صاحبه بسهولة.

شيء يعود إليه.

شيء يمكن أن يظل يطارده حتى لو حاول أن يبتعد عنه.

وربما لهذا السبب، عندما بدأت أرى الذئب في أحلامي، لم أشعر أنني أراه للمرة الأولى.

كان المشهد يأتي وأنا نائم، وأرى الذئب أمامي.

كنت أراه يتكلم.

وهذه كانت أغرب نقطة في الأمر كله.

كنت أرى فمه يتحرك وكأنه يقول لي شيئًا، لكنني لا أسمع صوته.

لم يكن يصدر منه صوت.

كنت أراه يتحدث، وأشعر أن هناك كلامًا يريد أن يصل إليّ، لكن شيئًا ما يمنع الصوت من الوصول.

أقترب منه بعيني، أراقبه، أحاول أن أفهم.

كان يتكلم بلا صوت.

ولم أكن أعرف كيف أتواصل مع شيء أراه أمامي وأعرف أنه يتكلم، لكنني لا أسمع منه كلمة واحدة.

كنت أستيقظ ويبقى المشهد معي.

لم أكن أقول لنفسي: لماذا أرى ذئبًا؟

كنت أقول: ماذا كان يريد أن يقول؟

كان هذا هو السؤال الذي يشغلني.

ومع الوقت بدأت أربط بين ما رأيته على يد جدي وبين الذئب الذي يظهر لي. لم أكن أملك علمًا ولا تفسيرًا، لكن عقل الطفل يحب أن يربط الأشياء ببعضها. صورة جدي كانت موجودة، وكلامه عن الذنب كان موجودًا، والذئب الذي يتكلم بلا صوت أصبح موجودًا في أحلامي.

وكانت عندي فكرة بسيطة جدًا تشكلت من كلام جدي وما رأيته: أن الذنب يمكن أن يكون شيئًا يظل خلف الإنسان، شيئًا ينوح، شيئًا يعود إليه، شيئًا لا يستطيع أن يهرب منه بسهولة.

لم أكن أعرف لماذا تخيلت النواح.

لكنني كنت أراه كذلك.

ذئبًا ينوح في كحل الليل.

كنت أشعر أن هناك روحًا عالقة تبكي ليلًا ونهارًا، وتصعد إلى أعلى مكان لتطلق صوتها، ولا يفهم الناس من لغتها إلا النواح والنباح.

لم تكن عندي الكلمات التي تصف هذا العالم، لكن الصورة كانت واضحة في داخلي.

وكان هناك شيء آخر أخافني أكثر.

كنت أشعر أن الذنب إذا وقفت أمامه يمكن أن يفترسك.

كأنك لو حاولت أن تنظر إليه مباشرة، أو حاولت أن تواجهه وأنت لا تعرفه، يصبح أقوى منك.

ثم بدأت أسأل نفسي: هل الذئب نفسه مخيف؟

أم أنني أنا الذي أجعله مخيفًا؟

كنت أراه في الحلم، وأخاف أحيانًا، وأحيانًا أخرى أراقبه فقط.

وكان أغرب ما فيه أنني لم أكن أرى منه هجومًا دائمًا. لم يكن كل ما يفعله هو أن يقترب مني أو يحاول افتراسي. أحيانًا كان واقفًا فقط، يتحدث بلا صوت، وأنا أراقبه وأحاول أن أفهم.

شيئًا فشيئًا بدأت أشعر أن المشكلة ليست في الذئب نفسه.

المشكلة في الشيء الذي أراه خلفه.

إذا كان الذئب يمثل الذنب، فربما الذنب ليس مرعبًا كما كنت أعتقد، لكن الإنسان عندما يرى الذنب داخله، يراه على هيئة شيء يخاف منه.

ربما لهذا يخاف.

ربما لهذا يرفض.

وربما يشعر أنه تعرض للغدر.

كنت صغيرًا، ولم أكن أصوغ هذه الأشياء بهذا الوضوح، لكنها كانت تتكون داخلي من المشاهد نفسها. كنت أرى صورة، ثم أشعر بشيء، ثم أحاول أن أفهم لماذا شعرت به.

ولم أكن أعرف أن هذه الطريقة في النظر ستبقى معي سنوات طويلة.

في ذلك الوقت كنت أتعلم من الحياة بطريقتي الخاصة.

لم أكن أتعلم لأن أحدًا جلس ليشرح لي، بل لأن الشيء يأتي إليّ في صورة، فأشعر به، ثم أضع له معنى أستطيع أن أعيش معه.

وكان الذئب أول صورة جعلتني أشعر أن الأشياء قد تحمل معنى لا يظهر في شكلها.

لكنني لم أقل لنفسي إنني اكتشفت سرًا.

كنت فقط طفلًا يرى ذئبًا يتكلم بلا صوت.

وفي كل مرة يظهر فيها كنت أتذكر جدي.

أتذكر يده.

أتذكر الشعلة.

وأتذكر الجملة التي لم أستطع نسيانها:

«عشان لو نسيته هيرجع يفكرك بيه.»

كان معنى الجملة أكبر مني.

لكنها بقيت.

وظل الذئب يعود.

ولم أكن أعرف أنني في الحقيقة بدأت أبني من هذا الحيوان أول علاقة لي بين الصورة والشعور، وأن ما أراه أمامي قد يكون له وجه آخر لا يظهر في الصورة نفسها.

كنت أرى الذئب.

وأشعر بشيء خلف الذئب.

ولا أعرف بعد ماذا يعني ذلك.

ثم بدأت تظهر حيوانات أخرى.

لكن الذئب ظل الأول الذي علّق في ذاكرتي بطريقة مختلفة، لأنه لم يأتني وحده.

جاءني ومعه صوت جدي، ومعه يده، ومعه شعلة، ومعه ذنب لم أعرفه.

وكلما عاد إليّ كنت أشعر أن هناك شيئًا يريد أن يذكرني به.

شيئًا لم أكن أعرف اسمه بعد.

أول مرة بدأت أرى الحيوان

بعد فترة لم يعد الأمر متعلقًا بالذئب وحده. بدأت ألاحظ أن الصور التي تأتي إليّ لا تشبه بعضها، وأن الحيوان الذي يظهر أمامي لا يأتي دائمًا بالطريقة نفسها. أحيانًا يكون المشهد واضحًا جدًا، وأحيانًا لا أفهم ما الذي أراه إلا بعد أن ينتهي. 

كنت أرى الحيوان وكأنه موجود أمامي فعلًا، وأحيانًا أشعر أنه يريد أن يقول شيئًا، لكنني لا أسمع كلامًا واضحًا، فأبقى متعلقًا بالإحساس الذي تركه المشهد أكثر من أي شيء آخر.

لم أكن أعرف لماذا الحيوانات بالذات.

لم أكن أبحث عنها، ولم أكن أجلس لأفكر فيها ثم أنام فأراها. كانت تظهر من نفسها، وفي بعض الأحيان تتحول رؤيتي إليها إلى مشهد كامل أعيش داخله. لم يكن الحيوان بالنسبة لي في ذلك الوقت رمزًا ولا فكرة، كان شيئًا له حضور مستقل، له حركة وله شعور، وأحيانًا أشعر أن له قوة لا تشبه قوتي واحيانا اشعر ان قوة الحيوان جزء من قوتى .

كنت أستيقظ من بعض هذه الأحلام وأنا أحاول أن أتذكر كل التفاصيل قبل أن تضيع. كنت أعرف أن شيئًا حدث، وأنني لم أخرج منه كما دخلت، حتى لو لم أكن أعرف كيف أشرح ما الذي حدث. وبعض المشاهد كانت تعود مرة أخرى وكأنها لم تنتهِ من داخلي.

كنت أعيش بين شيئين لا أعرف كيف أفرّق بينهما: ما أراه بعيني في حياتي العادية، وما أراه في داخلي عندما تأتيني تلك المشاهد.

ولأنني لم أكن أملك تفسيرًا، بدأت أفعل الشيء الوحيد الذي يعرفه الطفل عندما يريد أن يفهم شيئًا: أراقبه.

كنت أراقب الحيوان.

أراقب طريقته.

هل يخاف؟ هل يقترب؟ هل يهاجمني؟ هل يريد أن يهرب؟ هل يريد أن يحميني؟ هل ينظر إليّ فقط؟ كنت أتعامل معه كما لو أن أمامي مخلوقًا يجب أن أفهمه، لا صورة يجب أن أنساها بعد أن أستيقظ.

ومع الوقت بدأت أشعر أن لكل حيوان إحساسًا مختلفًا.

لم أكن أملك أسماء لهذه الإحساسات، لكنني كنت أميزها.

كان هناك شيء يأتيني مع بعض الصور يجعلني أشعر بالقوة، وشيء آخر يجعلني أشعر بثقل شديد، وشيء يجعلني أشعر بالخوف، وشيء آخر يجعلني أشعر بالقرب من شيء أحبه. لم أكن أعرف لماذا يرتبط الشعور بالحيوان، لكنني بدأت ألاحظ أن الصورة لا تأتي وحدها أبدًا.

كان معها إحساس.

وهذا الإحساس هو الذي كان يبقى.

ربما لهذا السبب لم أكن أستطيع أن أنسى تلك الحيوانات حتى عندما ينتهي الحلم. الصورة تختفي، لكن الشعور يظل موجودًا معي. كنت أعيش اليوم العادي ثم فجأة أتذكر مشهدًا رأيته في نومي، أو أشعر بإحساس لا أعرف من أين جاء، فأعود إلى الصورة من جديد.

ومع كل مرة كنت أرى فيها حيوانًا، كنت أشعر أنني أقترب من شيء لا أعرف اسمه.

كنت أظن أنني أحاول أن أفهم الحيوان نفسه.

لم أكن أعرف أنني كنت في الحقيقة أبدأ بتعلم طريقة جديدة للنظر.

لكنني لم أصل إلى هذا الفهم وقتها.

كنت طفلًا، وكل ما أعرفه أن هناك مخلوقات تظهر لي في داخلي، وأنها ليست متشابهة، وأن كل واحد منها يترك فيّ شيئًا مختلفًا.

وفي أوقات كثيرة كنت أعود إلى جدتي بما أستطيع أن أحكيه.

لم تكن كل رؤيا تجد طريقها إلى الكلام. بعضها كان أكبر من اللغة التي أملكها، وبعضها كنت أخشى أن أحكيه أصلًا، لكنني كنت أتعلم بالتدريج أن ما يحدث معي يمكن أن أراقبه حتى لو لم أستطع أن أفسره.

وهذا ما جعلني أعتاد على وجود الغريب.

لم أعد أسأل نفسي كل مرة: لماذا يحدث هذا لي؟

بدأ السؤال يتغير من غير أن أشعر.

أصبح:

ماذا يريد هذا؟

وماذا أشعر عندما أراه؟

وماذا يتغير بداخلي عندما يظهر؟

لم أكن أعرف أن هذه الأسئلة ستكبر معي.

كنت فقط أعيشها.

وكنت أكتشف شيئًا آخر لم أفهم أهميته وقتها: أنني لا أرى الحيوان كما يراه الناس في حياتهم العادية. لم يكن الأمر عندي متعلقًا بالحيوان الموجود في الشارع أو حديقة الحيوان فقط ، بل بالصورة التي تظهر أمامي في تلك الحالة التي لا أعرف كيف أصفها.

ولهذا أصبحت الحيوانات جزءًا من طفولتي من دون أن أنتبه إلى أنها ستصبح يومًا جزءًا أساسيًا من قصتي.

في تلك السنوات لم أكن أعرف شيئًا عن عالم الأرواح.

الضجيج الذي لم أفهمه

لم يكن أكثر ما أتعبني وأنا صغير هو ما كنت أراه.

كان ما أسمعه.

كنت أستطيع أن أستيقظ من النوم فأجد أصواتًا حولي، أصواتًا لا أعرف من أين تأتي، ولا أرى أصحابها، ولا أستطيع أن أذهب إليها لأتأكد منها. أحيانًا أسمع صراخًا، وأحيانًا كلامًا، وأحيانًا ضحكًا، وأحيانًا بكاءً، وأحيانًا أسمع الاثنين معًا حتى أشعر أنني داخل مكان مزدحم بينما أنا وحدي.

ومع الوقت أصبح الأمر جزءًا من يومي.

لم يكن الضجيج يأتي دائمًا بنفس القوة. هناك أوقات يكون فيها محتملًا، وأوقات أخرى أشعر أنه يملأ رأسي بالكامل، فلا أعرف كيف أفصل صوتًا عن صوت. كنت أسمع شيئًا وأحاول أن أفهمه، ثم يأتي صوت آخر فوقه، ثم ثالث، حتى يتحول كل شيء إلى كتلة واحدة من الأصوات.

وأنا طفل لم أكن أملك طريقة أخرى للتعامل معه.

كنت أقلد الأصوات.

إذا سمعت صوتًا كررته.

إذا رأيت شيئًا فعلته.

وكان ما يظهر على الطفل الذي أمام الناس يبدو أحيانًا مثل فرط حركة أو أفعال طفولية صعبة الاحتمال، بينما لم يكن أحد يعرف أنني كنت أحاول فقط أن أخرج من داخلي ما يستقبلني.

كنت لا أعرف كيف أشرح لأحد أنني لا أفعل بعض الأشياء عبثًا.

كان هناك شيء يدخل إليّ باستمرار، وأنا أحاول أن أخرجه بأي طريقة.

ثم كبرت.

والضجيج كبر معي.

وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها المشكلة ليست في أنني أسمع أصواتًا غريبة، بل في أنني لا أعرف كيف أعيش يومًا كاملًا دونها. صار النوم نفسه مشكلة. كنت أذهب إلى النوم، لكنني لا أدخل إلى صمت. أدخل إلى أصوات تستمر معي.

كنت أبحث عن مكان أستطيع فيه أن أنام دون أن أسمع شيئًا.

وجربت أشياء كثيرة.

لكن أكثر مكان لفت نظري كان المسجد.

كنت أدخل المسجد فأشعر بشيء مختلف.

الصمت هناك لم يكن مثل الصمت في أي مكان آخر.

كنت أذهب إلى مكان آخر فأجد الضجيج يعود.

ثم أدخل المسجد، فأشعر أن شيئًا انخفض.

لم أكن أعرف لماذا.

وهذه المرة لم أكتفِ بأن أقول: المسجد مريح.

أنا كنت أريد أن أعرف السر.

إذا كان الضجيج موجودًا معي، فلماذا يختفي أو يخف عندما أدخل مكانًا معينًا؟

ولماذا أخرج من المكان نفسه، فأعود لأسمعه؟

بدأت أصلي في مساجد كثيرة.

ليس لأنني كنت أبحث فقط عن مسجد أصلي فيه، بل كنت أبحث عن الفارق.

كنت أراقب.

هذا المسجد ماذا أشعر فيه؟

وهذا ماذا يحدث فيه؟

أين الصمت؟

وأين يبدأ الضجيج؟

ولماذا يكون مكان في داخله هادئًا بصورة لا أجدها في مكان آخر، بينما أحيانًا أشعر بالضجيج حتى وأنا في المكان نفسه؟

كنت أعود مرة أخرى.

ثم مرة أخرى.

وفي بعض الأيام كنت أذهب إلى أكثر من مسجد، وكأنني أبحث عن إجابة موجودة بين مكان ومكان.

بدأ الأمر يأخذ شكل لغز.

لم يعد السؤال عندي: كيف أتخلص من الأصوات؟

أصبح السؤال:

لماذا تتغير؟

لو كانت الأصوات تأتي معي من رأسي كما كنت أظن، فلماذا تتغير عندما أغير المكان؟

ولو كانت مرتبطة بالمكان، فلماذا أسمعها في أماكن أخرى؟

ولو كانت مرتبطة بالناس، فلماذا أشعر أحيانًا أن المسجد وحده يسقط منها شيئًا؟

كنت أراقب الناس أيضًا.

أدخل مكانًا فأشعر بالضجيج، ثم أرى شخصًا يدخل، فيتغير شيء.

لا أعرف ما الذي تغير بالضبط، لكنني أشعر به.

كنت أبدأ ألاحظ أن وجود بعض الأشخاص ليس عاديًا بالنسبة لي.

المكان نفسه لا يتغير.

الجدران هي الجدران.

والأرض هي الأرض.

لكن شيئًا في إحساسي بالمكان يتغير.

وهنا بدأ فضولي يكبر.

كنت قد عشت سنوات وأنا أسمع ولا أرى مصدر ما أسمعه، فقلت لنفسي: ربما المشكلة ليست أنني أسمع فقط.

ربما أنا أسمع شيئًا لا أعرف كيف أراه.

وهذا السؤال كان أخطر من سؤال الضجيج نفسه.

كنت أريد أن أعرف من يتكلم.

ولم أعد أريد أن أظل مستمعًا مجهولًا لشيء لا أراه.

وفي إحدى المرات تحدثت مع الكيانات التي كنت أسمعها.

لم أكن أعرف كيف أراها، لكنني كنت أسمعها، ولذلك سألتها مباشرة عن الشيء الذي أريد معرفته.

قلت لها: علّمني كيف أراك.

لم أتوقع أن تكون الإجابة بهذه الطريقة.

خافت.

أو هكذا شعرت.

ثم قالت لي إنني إذا عرفت كيف تراها، أستطيع أن أقتلها.

كانت الجملة بالنسبة لي أغرب من كل ما سبقها.

أنا أصلًا لا أراها.

كيف يمكن أن تكون رؤيتي لها خطرًا عليها؟

ومنذ تلك اللحظة أصبح عندي سؤال جديد لا أستطيع أن أتركه.

إذا كان هناك شيء أخاف أنا منه، وهو يخاف مني في الوقت نفسه، فأين تقع القوة؟

هل القوة في الشيء الذي أراه؟

أم في الشيء الذي لا أعرف كيف أراه؟

بدأت أفتش عن إجابة.

لم أكن أملك خريطة.

لم يكن أمامي كتاب يقول لي أين أذهب.

كنت أتحرك وراء السؤال نفسه.

وأحيانًا كان السؤال يأخذني إلى مكان لم أكن أتوقع أن أصل إليه.

لكن كلما بحثت أكثر، كنت أشعر أنني اقتربت من شيء أعمق من مجرد التخلص من الأصوات.

كنت أريد أن أعرف سر الصمت.

لأنني لأول مرة بدأت أشعر أن الصمت ليس غياب الضجيج فقط.

كان هناك شيء يحدث في الأماكن التي يسقط فيها الضجيج.

شيء لا أعرفه.

وفي تلك الفترة صار المسجد بالنسبة لي أكثر من مكان للصلاة.

أصبح مختبرًا.

أدخل وأراقب.

أتحرك وأراقب.

أجلس وأراقب.

وأحاول أن أفهم لماذا أشعر هنا بما لا أشعر به هناك.

لم أكن أعرف أنني كنت أقترب من أول باب حقيقي في رحلتي.

كنت فقط أبحث عن ليلة واحدة أنام فيها دون أن أسمع شيئًا.

لكن السؤال كان قد كبر.

لم يعد:

كيف أسكت الأصوات؟

بل:

من الذي يتكلم؟ ولماذا يسكت عندما أدخل المسجد؟

ومن هنا بدأت رحلتي في البحث عن الصمت.

البحث عن الصمت

كبرت، لكن الضجيج لم يكبر معي فقط، بل أصبح يعرفني أكثر مما أعرفه أنا.

كنت أنام وأنا أسمع أصواتًا تتكلم في شيء لا أعرفه، وأحيانًا أسمع صراخًا، وأحيانًا ضحكًا، وأحيانًا بكاءً، وأحيانًا أسمع الضحك والبكاء معًا في اللحظة نفسها، كأن أكثر من حياة تجري حولي بينما لا أرى أحدًا.

لم يكن الأمر صوتًا واحدًا أستطيع أن أتجاهله.

كان هناك ما يشبه الزحام.

وأصعب ما في الزحام أنك لا تعرف من أين يأتي كل صوت.

كنت أسمع، وأحاول أن أركّز في صوت بعينه، فيأتي صوت آخر فوقه، ثم يضيع الأول، وأجد نفسي أبحث من جديد. أحيانًا كنت أقلد ما أسمعه دون أن أشعر، وأفعل ما أراه، كما لو أن جسدي وجد طريقته الخاصة في إخراج ما يدخل إليه. ولم يكن من حولي يعرفون لماذا يفعل طفل مثل هذه الأشياء، لكنني أنا كنت أعرف أنني لا أفعلها من أجل اللعب.

كنت أحاول أن أجد مخرجًا.

ولم يكن لدي مخرج.

مرت سنوات وأنا أعيش بهذا الشكل، حتى وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها الأمر يحتمل التأجيل. لم أعد أريد فقط أن أعرف ما هذه الأصوات. أردت أن أعيش يومًا كاملًا دون أن أسمعها.

كنت أبحث عن الصمت.

وفي الوقت الذي كنت أبحث فيه عنه، بدأت ألاحظ شيئًا لم أفهمه.

كان هناك مكان أشعر فيه أن الضجيج يضعف.

المسجد.

كنت أدخل المسجد، فأشعر أن شيئًا تغير.

لا أقول إن كل شيء أصبح صامتًا في لحظة واحدة، لكن الفرق كان واضحًا بالنسبة لي. المكان الذي كنت أسمع فيه الضجيج خارج المسجد يمكن أن أدخله فأشعر بصمت مختلف، بصمت يجعلني أتساءل أكثر مما يجعلني أرتاح.

لأنني لم أكن أبحث عن الراحة فقط.

كنت أبحث عن السبب.

إذا كان الضجيج ملازمًا لي، فلماذا يتغير عندما أدخل المسجد؟

ولماذا يكون هناك مسجد أشعر فيه بالصمت، بينما في مكان آخر أشعر بالضجيج نفسه؟

لم أكن أريد أن أصدق فكرة سهلة وأنتهي.

لذلك بدأت أذهب إلى مساجد كثيرة.كنت أتنقل من مسجد إلى آخر، وأراقب.

المكان الناس إحساسي وأنا أدخل إحساسي وأنا أجلس وما يحدث عندما يبقى المسجد خاليًا وما يحدث عندما يدخل الناس.

كنت أريد أن أمسك باللحظة التي يتغير فيها كل شيء ولم أكن أعرف ماذا سأجد.

أحيانًا كنت أشعر بصمت جميل، وفي أحيان أخرى يعود الضجيج بطريقة تزعجني، وكأن المكان نفسه يمكن أن يتغير دون أن تتغير جدرانه.

لم أفهم هذا التناقض لكنه كان كافيًا ليجعلني أستمر.

بدأت أنام في المساجد لم يكن النوم هناك بالنسبة لي مجرد نوم.

كنت أذهب لأنني كنت أريد أن أوقف الأصوات، أو على الأقل أجد مكانًا أستطيع فيه أن أنام دون أن أستيقظ كل مرة على صوت لا أعرف مصدره.

كنت أمدد جسدي، وأنتظر وفي أحيان كثيرة كنت أجد ما أبحث عنه 

الصمت.

وكان هذا الصمت بالنسبة لي أغلى من النوم نفسه لأنه كان يعطيني فرصة أن أعرف كيف يكون رأسي عندما لا يكون ممتلئًا بالأصوات.

كنت أشعر أنني أتنفس بطريقة مختلفة ثم يذهب كل ذلك عندما أخرج.

فيعود السؤال.

ما الذي يحدث؟

ومع تكرار التجربة بدأت أضع لنفسي ملاحظات لا أكتبها على الورق، لكنها كانت تتجمع داخلي.

هنا يوجد الضجيج.

هنا يقل هنا يختفي تقريبًا.

هنا يعود.

هنا يدخل شخص ويتغير إحساسي وهنا يخرج الناس، فأشعر أن المكان عاد كما كان.

كان الأمر بالنسبة لي يشبه لغزًا حيًا.

لم أكن أملك معلومات كافية أحل بها اللغز، لكنني كنت أملك شيئًا واحدًا: التجربة.

والتجربة كانت تقول إن هناك علاقة بين ما أسمعه وبين المكان والناس.

وهذا جعلني أبحث أكثر.

لم أعد أبحث عن مسجد أصلي فيه فقط كنت أبحث عن المكان الذي يملك السر.

وأحيانًا كنت أدخل المسجد وأنا لا أعرف ماذا سأفعل، ثم أجلس وأترك نفسي للهدوء وأراقب ما يحدث داخلي.

كان عندي سؤال يطاردني طوال الوقت:

لماذا أسمع؟

ولأنني لم أكن أرى من يتحدث، بدأت أفكر في أن المشكلة ليست في السماع وحده.

ربما هناك شيء موجود، وأنا فقط لا أملك الطريقة التي تمكنني من رؤيته.

وهنا تغير البحث كله.

لم يعد هدفي أن أسكت الأصوات.

أصبح هدفي أن أعرف أصحابها.

كنت أسمع كيانات لا أعرف كيف أراها، وبدأ فضولي يدفعني إلى مخاطبتها.

كنت أريد منهم شيئًا واحدًا: أن يعلّموني كيف أراهم.

قد يبدو الطلب غريبًا، لكنه بالنسبة لي كان طبيعيًا جدًا.

أنا أسمعكم كل يوم.

أنتم تتكلمون.

أنا أريد أن أراكم.

وحين تحدثت معهم وسألتهم أن يعلموني، جاءتني إجابة لم أكن أتوقعها.

خافوا.

قالوا لي إنني لو عرفت كيف أراهم، أستطيع أن أقتلهم.

وقفت عند الجملة.

كيف يمكن لرؤيتي لهم أن تكون أخطر عليهم من سماعي لهم؟

أنا أسمعهم أصلًا، ولا أستطيع أن أراهم، ومع ذلك كانوا يقولون إن الرؤية ستغير الأمر كله.

كان السؤال أكبر من قدرتي على الإجابة.

لكنني شعرت للمرة الأولى أن هناك بابًا حقيقيًا أمامي.

بابًا لا يتعلق بالصمت وحده.

إذا كان ما أسمعه موجودًا بالفعل، وإذا كانت رؤيته تحتاج إلى شيء لا أعرفه، وإذا كانوا هم أنفسهم يخافون من اللحظة التي أكتشف فيها كيف أراهم، فما الذي يوجد في الجهة الأخرى من هذا الباب؟

بدأت أراقب أكثر.

كل صوت.

كل مكان.

كل اختلاف.

وكل شخص أشعر أن حضوره يجعل الضجيج يتغير.

ولم أعد أتعامل مع المسجد على أنه مكان أهرب إليه من الأصوات.

صار المسجد المكان الذي أذهب إليه لأبحث عن سر الأصوات.

وهذا فرق كبير.

لأن الهارب يريد أن يصل إلى مكان بعيد.

أما الباحث، فيعود إلى الشيء نفسه كل يوم حتى يفهمه.

وأنا كنت قد بدأت أعود.

مرة أخرى.

ومرة أخرى.

حتى أصبحت المساجد بالنسبة لي جزءًا من الرحلة نفسها لم أكن أعرف إلى أين ستقودني.

كل ما كنت أعرفه أنني اقتربت من شيء 

شيء أسمعه منذ سنوات.

شيء لا أراه.

وشيء، بحسب ما أخبرني هو بنفسه، قد يكون أخطر مما أتخيل إذا استطعت رؤيته وفي وسط كل هذا كان هناك سؤال آخر بدأ يكبر في داخلي دون أن أجد له إجابة:

إذا كان الضجيج يختفي في مكان، ويعود في مكان آخر، ويتغير مع وجود الناس، فهل المكان هو الذي يصنعه؟أم أن شيئًا آخر يدخل معي ويخرج معي؟

كنت أبحث عن الصمت لكنني كنت قد وجدت لغزًا أكبر.

ولم يعد أمامي إلا أن ألاحقه.

مرحلة المراهقة 

كان السؤال قد خرج من المسجد معي.

لم يعد يكفيني أن أعرف أين يهدأ الضجيج وأين يزداد، ولا أن أبحث عن المكان الذي أستطيع فيه أن أنام دون أن أسمع شيئًا. كنت قد وصلت إلى مرحلة أريد فيها أن أعرف ما الذي أسمعه أصلًا، ومن أين يأتي، ولماذا يتغير، ولماذا شعرت أكثر من مرة أن بعض الأشياء التي لا أراها تعرف عني أكثر مما أعرف عنها.

«لو عرفت كيف ترانا تستطيع أن تقتلنا.»

ظلت الجملة تدور في رأسي كيف يمكن للرؤية أن تكون بهذه القوة؟

أنا أسمع فقط.

هم يرون أن هذا وحده يكفي، وأن وصولي إلى رؤيتهم سيغيّر العلاقة كلها وانا كل هدفي ان اعرف سر ايقاف الضجيج الذي كمل معي حتى عمر عشرون عام .

كنت أريد أن أصل إلى تلك النقطة  درست المراحل الثلاث الابتدائية والاعدادية والمرحلة المتوسطة وكان معي الضجيج صديق تعايشت معه كانه جزء مني ولم احكي لاي صديق على ما اسمع 

وبدأت الرحلة تأخذني إلى مكان مختلف تمامًا.

عندما وصلت إلى السابعة عشرة من عمري، كنت قد حملت معي أكثر من عشر سنوات من الأحلام والرؤى والأحداث التي لم أعرف تفسيرها، وبدأت أشعر أنني لا أستطيع أن أظل واقفًا أمامها أنتظر أن أفهمها وحدها. كنت أريد أن أكتشف نفسي، وأريد أن أعرف أين يمكن أن أصل بهذه الأشياء التي أشعر بها منذ طفولتي، لكن الحياة وقتها لم تكن تعطيني طريقًا واحدًا. كانت تدفعني كل مرة إلى تجربة جديدة.

بدأت العمل وأنا ما زلت في المرحلة الثانوية.

كان المكان محل ألعاب، لكن العمل نفسه وضعني منذ البداية وسط صراع لم يكن لي علاقة به في الأصل. كان هناك محل يملكه شخص مسلم، وبجواره محل يملكه شخص مسيحي. صاحب المحل المسيحي كان متفوقًا في المنافسة، وكان قد اشترى محلًا بجوار محله بحيث أصبحت المحلات الثلاثة تبدو للناظر من الخارج كأنها مكان واحد، بينما كان المحل الموجود في المنتصف لصاحب المحل المسلم.

أما أنا فكان دوري واضحًا جدًا.

كنت أقف وأنادي على الزبائن حتى أعرفهم بالمحل الذي أعمل فيه، وأحاول إقناعهم بالدخول.

لم يكن الأمر سهلًا، لأن المنافسة كانت شرسة، لكنني كنت أملك شيئًا لم أكن أفهم قيمته وقتها. كنت أعرف كيف أتحدث إلى الناس، وكيف أختار الكلمة التي تجعل الشخص يغير اتجاهه، وكيف أجعله يقتنع بالدخول حتى لو كان قد جاء أصلًا من أجل مكان آخر.

كنت أنجح في ذلك كثيرًا.

ولم يكن أحد يعرف أن خلف هذا الشاب الذي يقف أمام المحل عالمًا آخر لا أتكلم عنه.

لكن كان لي صديق هناك، بائع مسيحي طيب القلب، وكان مختلفًا عن الجميع. كان يرى الصراعات التي تحدث بين أصحاب السلطة وأصحاب الأماكن، لكنه لا ينحاز إلى أحد. كانت علاقته طيبة بكل الناس، وكنت أستطيع أن أتحدث معه عن أشياء لا أستطيع أن أقولها لغيره.

كنت أناقشه في أسراري.

وكان يسمعني.

وفي يوم بدأ الصراع يتطور أكثر، وتحدث معي صاحب المحل وقال لي شيئًا بدا لي وقتها كأنه مجرد طريقة لإيقاف الخوف.

قال لي:
لو قاموا بتهديدك، لا تخف. ولو رأيتهم يطورون الأمر، قل لهم: أنا أستطيع أن أنهي هذا الصراع، واذهب. ولا تحضر.

لم أفكر كثيرًا في الأمر.

عندما تطور الموقف فعلت كما قال لي.

وقفت أمامهم وقلت الجملة، ثم تركت المكان.

كنت أظن أن الأمر انتهى عند هذا الحد.

لكن بعد يومين جاءني صاحب المحل ليشكرني.

كانت النتيجة أكبر مما توقعت. انتهى الصراع بين الطرفين، واتفق صاحب المحل المسلم وصاحب المحل المسيحي على أن يصبحا شركاء، وأن يتحول المكان إلى مكان واحد.

وقتها شعرت بشيء لم يكن جديدًا تمامًا عليّ، لكنه كان يكبر داخلي مع كل تجربة ناجحة.

شعرت أنني أداة في يد الله.

كنت أتحرك في موقف صغير، ثم أرى نتيجة لم أخطط لها ولم أصنعها وحدي.

لم أكن أعرف وقتها إلى أين سيأخذني هذا الشعور، لكنني احتفظت به داخلي.

بعد ذلك انتقلت إلى عمل آخر.

عملت في نادٍ عامًا كاملًا، وكان صاحب النادي يحمل نفس اسم صاحب محل الألعاب، لكنهما كانا شخصين مختلفين؛ كان قوي البنية، ووجودي معه أعادني مرة أخرى إلى الرياضة.

كنت أعمل معه في النهار، ثم أتمرن، وأعود إلى البيت، لكن العمل لم يتوقف عند النادي.

كان صاحب النادي موزعًا معتمدًا لخطوط فودافون.

بدأت أذهب بعد العمل، وبعد أن أتناول وجبتي وأمارس الرياضة، وأسير في شوارع الإسكندرية لأبيع خطوط فودافون لمحلات السنترال بالجملة.

كنت أختار الأماكن الراقية، وأعود إلى المكان نفسه باستمرار.

لم أكن أذهب مرة وأنتظر أن يشتري مني أحد.

كنت أذهب مرة على الأقل كل أسبوع.

أعود.

وأعود مرة أخرى.

أتعامل مع أصحاب المحلات، وأتحمل الرفض، وأبني الثقة بالتدريج.

في البداية كانت الأرباح قليلة جدًا، وكان الرفض أكثر من القبول.

استمررت حوالي ستة أشهر بهذا الشكل.

ثم بدأت الأمور تتغير.

لم تعد الطلبات قليلة، وأصبح لدي عدد كبير من المحلات التي تطلب مني الخطوط بصورة مستمرة. عندها بدأت أؤجر سيارة وأستخدمها في توزيع الخطوط على المحلات بدلًا من أن أظل أمشي في الشوارع.

بدأت الطلبات تأتي بشكل يومي.

وكان الأمر غريبًا بالنسبة لعمري.

راتبي في النادي كان يعادل تقريبًا ستة دولارات في الشهر.

ومع ذلك، بعد عام من هذه الرحلة كنت قد جمعت ثروة تقارب عشرين ألف دولار.

كان يمكن لهذا النجاح أن يجعلني أتمسك بالمكان أكثر.

لكنه فعل العكس.

كلما نجحت في شيء، كنت أشعر بعد فترة أنني لا أنتمي إلى هذا العالم.

كنت أعرف كيف أنجح، لكنني لم أكن أشعر أن النجاح نفسه هو الإجابة.

وهذا الإحساس تكرر معي مرة أخرى.

تركت هذا العمل.

ثم قررت أن أدخل تجربة أكبر.

اشتريت مصنع ملابس، وأعطيته لأمي لتديره.

كنت أظن أنني بهذه الخطوة انتقلت إلى مستوى جديد، لكنني اكتشفت سريعًا أن امتلاك شيء لا يعني أنك تعرف كيف تديره.

فشل المصنع.

ولم أكن حتى أعرف السبب الحقيقي للفشل، لأنني لم أكن أعرف شيئًا عن الملابس الجاهزة من الأساس.

كانت تجربة أخرى تعلمني شيئًا لا أعرفه وقتها: أن الإنسان يمكن أن ينجح جدًا في مجال، ثم يدخل مجالًا آخر فيكتشف أن النجاح السابق لا يكفي وحده.

كنت أحمل معي السؤال القديم نفسه.

ما الذي يحدث لي؟

ولماذا أسمع ما أسمعه؟

وأين يمكن أن أصل إذا فهمت سر هذا الضجيج؟

كنت أذهب إلى المساجد وأنام فيها بحثًا عن الهدوء، وليس لأنني كنت أبحث عن مكان للنوم فقط. كنت أريد أن أجد مكانًا يتوقف فيه ما يلاحقني، مكانًا أستطيع فيه أن أعرف كيف يكون رأسي عندما لا تمتلئ حياتي بالأصوات.

ومع الوقت أصبحت المساجد جزءًا من البحث نفسه.

لم أعد أدخلها فقط لأنني أريد أن أهرب من الضجيج.

كنت أريد أن أفهم لماذا يختفي في مكان، ولماذا يعود في مكان آخر.

ثم وصلت إلى النقطة التي تحدثت فيها مع الكيانات التي كنت أسمعها، وطلبت منها أن تعلمني كيف أراها.

وكان جوابها هو الذي جعل الأمر كله يدخل إلى باب جديد.

قالوا لي إنني لو عرفت كيف أراهم، أستطيع أن أقتلهم.

لم أفهم وقتها كيف يمكن للرؤية أن تكون أخطر من السماع.

لكنني لم أترك السؤال.

وظل السؤال معي حتى تركت المصنع.

خرجت وأنا أحمل المال، لكن المال لم يكن الشيء الذي أريده.

كنت أملك ما يكفي لأبدأ حياة مختلفة اكتشف فيها لماذا انا هكذا ، ومع ذلك لم أشعر أنني وصلت إلى شيء.

ثم بدأ المال يقل.

ومع نقصه تغير شيء داخلي لأول مرة ظهرت رغبة واضحة في البحث عن الكنوز.

وهنا بدأت الرحلة التي ستأخذني إلى الصحراء.

رحلة الصحراء 

لم أفهم وقتها كيف يمكن للرؤية أن تكون أخطر من السماع.

لكن السؤال لم يتركني.

كنت أريد أن أعرفهم. أريد أن أعرف من الذي يتكلم معي كل هذه السنوات، ومن أين يأتي ذلك الضجيج الذي يلازمني، ولماذا يتغير عندما أدخل مكانًا دون آخر ولم أكن أريد أن أكتفي بأن أسمعهم وأحاول أن أعيش معهم كما فعلت طوال طفولتي.

كنت أريد أن أصل إلى الحقيقة بطريقتي.

 كان معي المال، لكنني لم أشعر أنني أريد هذا المال. كان موجودًا، نعم، لكن وجوده لم يجبني عن أي سؤال من الأسئلة التي عشت معها منذ سنوات.

كنت قد جربت العمل ونجحت.
وجربت التجارة ونجحت.
وخضت تجارب كثيرة وانا فى عمر الشباب  وكل مرة أصل فيها إلى شيء أشعر بعد فترة أنني ما زلت واقفًا أمام السؤال نفسه.

لماذا يحدث معي هذا؟

ومع الوقت قررت أن أذهب إلى الصحراء لم أذهب إليها وفي رأسي كنز محدد أبحث عنه، ولم أكن أملك يقينًا بما سأجده هناك. كنت ذاهبًا لأكتشف لماذا يحدث معي ما يحدث كنت ابحث عن مكان صمت اكتشف فيه كيف اتخلص من الضجيج، وفي داخلي إحساس بأنني إذا ابتعدت عن كل شيء اعتدت عليه، فقد أجد شيئًا لم أستطع رؤيته وأنا وسط الحياة التي أعرفها.

كانت الصحراء مختلفة.

لم تعد حولي جدران أو شوارع أو محلات أو أصوات ناس أعرفهم. كنت في مكان واسع، مفتوح، وكل ما حولي أقل من أن يخفي شيئًا.

في البداية بقيت على هدفي الأول.

أبحث.

أراقب.

أحاول أن أفهم.

لكن الرحلة لم تظل كما بدأت.

كان معي المال في أول الأمر، ولم تكن لدي رغبة في الكنوز. كان همي أن أفهم ما يحدث لي، لكن كلما طالت الرحلة وبدأ المال يقل، تغير شيء في داخلي.

ظهرت الرغبة في البحث عن الكنوز.

وبدأت أتحرك وراءها لاني استطيع ان اراها واشهر بوجود المباني الموجودة اسفل الارش بدون ان اراها بيعني 

لم أكن أعرف أنني سأجد في هذه الرحلة شيئًا آخر غير الذي كنت أبحث عنه.

كنت أرى أشخاصًا روحانيين.

وكان أكثر ما أربكني أن بعضهم كان يخاف مني لم أكن أفهم السبب كيف يمكن لشخص أراه أمامي أن يخاف مني، وأنا نفسي لا أعرف ماذا أملك؟

ثم رأيت من يغضب مني ورأيت من ينبح في وجهي.

وفي المقابل، كنت ألتقي بأشخاص أشعر أنني أستطيع أن أعالجهم، وأشخاص أشعر أنني أستطيع أن أوجههم كانت هذه الأشياء تحدث أمامي، وأنا أراقبها وأحاول أن أفهم.

لم أكن أملك تفسيرًا يشرح لي لماذا أشعر بهذه القدرة، ولم أكن أعرف إن كانت هذه القوة التي أخبرني عنها إحساسي منذ سنوات أم أنني أمام شيء مختلف تمامًا.

لكنني كنت أشعر بها.

وهذا وحده كان كافيًا ليجعلني أكمل.

كنت أراقب الشخص الذي يخاف مني كما أراقب الشخص الذي يغضب، وأحاول أن ألاحظ الفارق بينهما.

لماذا هذا يخاف؟ ولماذا هذا يغضب؟

ولماذا أشعر أنني أستطيع أن أتعامل مع شخص ثالث بطريقة مختلفة؟

كنت أتعامل مع كل موقف كأنه جزء من لغز أكبر وفي كل مرة كنت أعتقد أنني اقتربت من الإجابة، يظهر شيء آخر يجعل السؤال أوسع.

حتى بدأت أشعر أن موضوع الكنوز نفسه لم يعد هو القضية الأساسية.

كان هناك شيء آخر يحدث في الرحلة.

كنت أذهب وراء شيء أظنه موجودًا في الصحراء، لكن كل ما أراه كان يجعلني أعود إلى السؤال القديم الذي حملته معي من طفولتي.

الرؤية.

السمع.

والشعور.

كنت أشعر بالأشياء قبل أن أفهمها، وأراقب الأشياء التي تظهر أمامي، وأحاول أن أكتشف الرابط بينها.

حتى الأشخاص الذين كنت أراهم كانوا يدخلون في هذا اللغز لم أكن أعرف لماذا أستطيع أن أشعر ببعضهم بهذه الطريقة.

لم أكن أعرف لماذا أشعر بقوة تجاه بعضهم، أو لماذا أخاف منهم أحيانًا، أو لماذا أشعر أنني أستطيع التأثير في بعضهم.

لكنني لم أتوقف.

مرت الأيام وأنا أبحث.

ومع نقص المال، أصبحت الرحلة نفسها تأخذ شكلًا مختلفًا.

لم يعد عندي ذلك الشعور بأنني أبحث عن شيء أستطيع أن أضع يدي عليه وأقول: هذا هو.

كنت أبحث عن إجابة.

وكانت كل إجابة مؤقتة تفتح سؤالًا آخر.

وفي نهاية الرحلة لم أخرج بالكنز الذي كنت أبحث عنه.

خرجت بشيء لم أكن ذاهبًا من أجله أصلًا.

جرامات من كحل غريب.

أمسكته وأنا لا أعرف في البداية ماذا أفعل به.

كان عليه رسم لشيء غريب؛ شخص يبدو كأنه مسخ يتألم، وفي الجانب الآخر عين.

توقفت أمامه طويلًا.

العين شدتني أكثر من أي شيء آخر.

لم تكن مجرد رسمة بالنسبة لي.

كنت قد تعلمت أن أشعر بالأشياء عندما ألمسها، وأن الشيء أحيانًا يترك في داخلي إحساسًا أو معنى بمجرد أن ألمسه.

لذلك لمست الكحل وفور أن فعلت، شعرت بشيء.

لم يكن عندي تفسير واضح، لكن جاءني إحساس بأن لهذا الشيء علاقة بالعين، وبشيء كنت أبحث عنه منذ سنوات.

شيء يجعلني أرى ظللت ممسكًا به وأنا أفكر في الجملة التي لم أنسها: لو عرفت كيف ترانا تستطيع أن تقتلنا.

كنت قد أمضيت سنوات أسمع ولا أرى والآن أصبح في يدي شيء يحمل عينًا.

لكن ماذا يعني ذلك؟

هل أنا أمام وسيلة تمكنني من رؤية ما كنت أسمعه؟ أم أنني أمام شيء أكبر من ذلك؟

لم أكن أعرف.

كل ما عرفته أنني لم أعد أستطيع أن أتعامل مع الكحل باعتباره شيئًا عثرت عليه في نهاية رحلة بحث.

كان عندي إحساس بأنه مرتبط بالسؤال الذي حملته معي طوال الطريق.

السؤال الذي بدأ وأنا طفل.

من الذي يتكلم؟ ولماذا أسمعه ولا أراه؟

رفعت الكحل أمام عيني ولأول مرة منذ بدأت ألاحق هذا السر، شعرت أنني اقتربت من لحظة لن يكون بعدها السؤال كما كان قبلها.

لم أفهم وقتها كيف يمكن للرؤية أن تكون أخطر من السماع لكنني كنت قد وصلت إلى النقطة التي ظللت أبحث عنها سنوات.

وضعت الكحل وفي اللحظة التي بدأت فيها أرى، لم أشعر أنني دخلت عالمًا جديدًا بقدر ما شعرت أن شيئًا كان موجودًا أمامي طوال الوقت، لكنه كان محجوبًا عن عيني.

أول ما رأيته لم يكن إنسانًا.

رأيت كيانات.

خيالات سوداء، بلا ملامح واضحة، تتحرك بطريقة لم أرَ مثلها من قبل. لم تكن تمشي مثل الإنسان، ولم تكن تتحرك مثل أي شيء أعرفه، بل كانت تتحرك مثل الثعبان، في خطوط متعرجة، زجزاج، وكأن أجسادها نفسها لا تعرف الاستقامة.

وقفت أنظر إليها كانت موجودة.

هذه المرة لم أسمع فقط أنا أراها.

الشيء الذي قضيت سنوات أبحث عنه أصبح أمام عيني.

لكن المفاجأة لم تكن في أنني رأيت المفاجأة كانت في شكل ما رأيته.

بعض هذه الكيانات كانت تتحرك حول الأجساد، وبعضها كان يسكن داخل أجساد التماثيل أو الأشكال الجامدة، وكأنها تجد في هذه الأجساد مكانًا تختبئ فيه.

وبعضها كان يدخل الجسد ليختبئ وبعضها كان يدخل الجسد ليقوده.

كنت أراقب وأنا أحاول أن أستوعب ما يحدث.

أصبح للضجيج شكل.

هذه الفكرة وحدها هزتني.

كل تلك السنوات وأنا أسمع الصراخ والضحك والبكاء والكلام، وأعيش وسط أصوات لا أعرف أصحابها، والآن بدأت أرى شيئًا يتحرك أمامي في المكان نفسه الذي كنت أشعر فيه بذلك الضجيج.

لكن شيئًا آخر لفت نظري.

كانت هناك قوة تمنع هذه الكيانات من الوقوف أمام الإنسان بصورة مباشرة.

كنت أراها تقترب، ثم تتراجع، وكأن شيئًا لا أراه يمنعها.

وبدأت ألاحظ شيئًا في الإنسان نفسه.

كان هناك ضوء.

يخرج من منتصف الجبين.

لم أكن أراه بنفس الوضوح عند كل الناس، لكن عندما يكون واضحًا كنت أشعر أن الكيان لا يستطيع الوقوف أمام صاحبه بالطريقة نفسها.

ثم بدأت أنتبه إلى شيء آخر.

كنت أرى الضوء بصورة أوضح عند أشخاص تظهر على وجوههم علامة الصلاة.

وقفت أراقب إنسان يدخل.

والكيانات موجودة.

ثم أرى الضوء.

فلا تستطيع أن تقف أمامه كما كانت تقف أمام غيره.

لم أكن أعرف ما معنى هذا الضوء ولم أكن أعرف لماذا يرتبط عند بعض الناس بوضوح بعلامة الصلاة.

لم يكن عندي تفسير أستطيع أن أثق به.

لكنني كنت أرى.

وهذا وحده كان كافيًا لأن أشعر أن السؤال الذي حملته من طفولتي بدأ يأخذ شكلًا أمامي.

الضجيج لم يعد أصواتًا فقط أصبح وراءه شيء أراه.

وبدأت أتذكر كل مرة كنت أسأل فيها نفسي:

لماذا أسمع؟ لماذا لا أرى؟

ولماذا يتغير الصوت عندما يتغير المكان؟ولماذا يتغير عندما يدخل شخص؟

الآن أصبح عندي شيء جديد أراقبه.

المكان الناس والكيانات.

العودة الي المساجد

عندما عرفت ما يمكن أن يفعله الكحل، لم أعتبر أنني وصلت إلى نهاية البحث.

على العكس.

كان أول شيء فكرت فيه أن أعود إلى البيت.

كنت أحمل معي شيئًا لم أكن أملكه عندما خرجت إلى الصحراء، لكن السؤال الذي دفعني إلى كل هذه الرحلة كان ما يزال كما هو.

الضجيج.

سنوات وأنا أسمعه، ثم بدأت ألاحظ أنه لا يتعامل معي بالطريقة نفسها في كل مكان. هناك مكان يهدأ فيه، ومكان آخر يعود فيه، ومساجد كنت أدخلها فأشعر بصمت مختلف، ثم أخرج منها فأجد ما كنت أهرب منه قد عاد.

والآن أصبح معي الكحل.

عرفت أنه مرتبط بالعين، وعرفت من إحساسي عندما لمسته أن وراءه شيئًا يمكن أن يكشف ما لا أراه.

لكنني لم أكن أريد أن أضعه لمجرد أنني أريد أن أرى كنت أريد أن أعرف أولًا: ماذا سأرى في المكان الذي ظللت أراقبه كل هذه السنوات؟

عدت إلى المساجد.

رجعت إليها بعين مختلفة.

هذه المرة لم أكن أدخل المسجد بحثًا عن مكان أنام فيه فقط ولم أكن أبحث عن الصمت لأنه يريحني.

كنت أريد أن أحل اللغز.

أدخل المسجد وأراقب.

أنتظر.

أرى المكان قبل أن يجلس فيه أحد، ثم أراقب ما يحدث عندما يدخل الناس.

كنت أعرف أن شيئًا يتغير، لكنني لم أكن أعرف ما هو وكان هذا هو الشيء الذي دفعني إلى العودة مرة بعد مرة.

أحيانًا أدخل فأشعر بصمت جميل وأحيانًا يبدأ ذلك الإحساس نفسه بالاختفاء.

ثم يدخل أحد.

فأشعر أن المكان لم يعد كما كان لم تتغير الجدران.

لم يتحرك شيء أمام عيني لكن إحساسي بالمكان كان يتغير.

كنت أريد أن أمسك بهذه اللحظة.

ماذا يحدث بالضبط؟

هل الصمت موجود في المكان؟

أم أن هناك شيئًا يأتي مع الإنسان ويغادر معه؟

وهل الضجيج الذي أسمعه له علاقة بما أراه ولا أعرف كيف أراه؟

كان الكحل في حوزتي، لكنني لم أتعجل.

كنت أشعر أنني أمسك بالمفتاح، لكن الباب الذي أبحث عنه كان أقدم من المفتاح نفسه.

وهذا ما جعلني أعود إلى المساجد أكثر. كنت أريد أن أرى المكان أولًا كما عرفته طوال السنوات السابقة، ثم أستخدم ما وجدته في الصحراء لأعرف ماذا كان يحدث أمامي طوال هذا الوقت.

كنت أراقب المسجد عندما يكون خاليًا ثم أراقبه عندما يدخل الناس.

وأراقب الشخص الذي يتغير المكان عند حضوره كنت أعرف أن هناك سرًا في هذه المساجد  والآن أصبح عندي وسيلة ربما تجعلني أرى هذا السر لكنني لم أكن أعرف ماذا سيحدث عندما أستخدمها كل ما كنت أعرفه أنني لا أريد أن أبدأ بالكحل كنت أريد أن أفهم المسجد أولًا ثم أضع الكحل عندما أصل إلى اللحظة التي أشعر فيها أنني لن أعود بعدها أرى المكان بالطريقة نفسها.

عدت إلى المساجد، لكن هذه المرة كان معي شيء لم يكن معي في المرات السابقة.

الكحل.

دخلت مسجدًا وجلست كان المكان هادئًا.

ذلك الهدوء الذي كنت أبحث عنه منذ سنوات، والذي جعلني أعود إلى المساجد مرة وراء مرة. جلست أراقب، وأترك نفسي للهدوء، ثم أبدأ في متابعة كل ما يحدث حولي.

كان المسجد خاليًا ثم دخل شخص.

في لحظة تغير إحساسي لم يتغير شيء أستطيع أن أشير إليه بإصبعي. الجدران نفسها، والمكان نفسه، لكن ذلك الصمت الذي كنت أعرفه تغير قليلًا.

انتظرت ثم دخل آخر تغير الإحساس مرة ثانية.

بدأت ألاحظ أن المسألة ليست مرتبطة بالمكان وحده المكان يمكن أن يكون هادئًا، ثم يأتي شخص فيتغير كل شيء.

وأحيانًا أجد الضجيج في مكان، ثم يخرج الناس، فيهدأ وأحيانًا أدخل مسجدًا آخر فأشعر بصمت جميل من أول لحظة.

وأحيانًا يحدث العكس كنت أعود إلى المسجد نفسه في أوقات مختلفة، وأراقب لم أعد أصلي فقط.

كنت أدرس كنت أريد أن أعرف أين يبدأ الضجيج، وأين ينتهي، وما الذي يجعل المكان ينتقل من حالة إلى أخرى.

كنت أبحث عن اللحظة التي يتغير فيها كل شيء ومع اقتراب الوقت بدأت أشعر أنني لا أستطيع أن أكتفي بالمراقبة أكثر من ذلك.

كنت قد عرفت بالفعل أن الكحل مرتبط بالعين والآن كنت أريد أن أعرف: ماذا سيحدث لو استخدمته هنا؟

المسجد هو المكان الذي بدأ فيه السؤال.وهذا هو المكان الذي قررت أن أختبر فيه الإجابة.

أخرجت الكحل.

نظرت إليه للحظة ثم وضعته في البداية لم يحدث شيء.

ظللت أنظر ثم تغيرت الصورة فجأة رأيت شيئًا لم أره من قبل.

رأيت خيالاتى كيانات بلا ملامح واضحة.

لونها أسود.

وكانت حركتها أكثر شيء شد انتباهي.

لم تكن تتحرك مثل الإنسان، ولم تكن تمشي بطريقة طبيعية. كانت تتحرك مثل الثعبان، في شكل متعرج، زجزاج، وكأنها تنساب من مكان إلى آخر بدل أن تمشي.

ثبتُّ نظري.

هذه هي الأشياء التي كنت أسمعها.لأول مرة لم يعد الصوت بلا صورة.

أصبحت أرى كنت أتابع حركتها وهي موجودة حول الأجساد، وبعضها كان يدخل اجساد المصلين وهم يصلون 

ليس مجرد وجود قريب منه 

يدخل إليه.

وبعضها كنت أشعر أنه لا يدخل ليختبئ فقط، بل ليقود.

وقفت أراقب المشهد وأنا أحاول أن أربط ما أراه بما عشته طوال السنوات الماضية.

الصراخ الضحك البكاء.

الكلام الذي كنت أسمعه وأنا وحدي.

الضجيج الذي كنت أهرب منه إلى المسجد.

بدأت أشعر أنني لأول مرة أرى شيئًا يمكن أن يكون له علاقة بكل ذلك.

لكن المشهد لم يتوقف هنا. لاحظت أن هذه الكيانات لا تستطيع أن تقف أمام الإنسان بالطريقة نفسها في كل الحالات.

كان هناك شيء يضعفها.شيء لا أعرف اسمه.

كنت أرى كأن هناك ضوءًا يخرج من وسط جبين الإنسان.كلما كان الضوء أوضح، كانت هذه الكيانات أكثر عجزًا عن الوقوف أمامه.

بدأت أركز أكثر.

وأنا أراقب الوجوه، لاحظت أن الضوء كان يظهر بوضوح عند أشخاص لديهم علامة الصلاة على وجوههم.

وقتها بدأت أربط الأشياء ببعضها.

الصلاة.

الضوء.

الكيانات.

والضجيج.

لكنني لم أكن مستعدًا بعد لأقول إنني فهمت.

كنت فقط أرى وأقارن وكل ما ابحث عنه ايقاف الضجيج كيف يمكننى ايقاف اصوات تظهر لي فى الصمت كيف يمكننى اعيش طبيعيا بهدوء لم يشغلني الكيانات لاني رايت ضعفها وعرفت انهم مثل الذباب في كل مكان علمت ان سبب وجود الضجيج ليس انهم معي بل اننى اسمعهم فى كل مكان كنت اسمع صرخاتهم وضحكاتهم 

ثم حدث الشيء الذي جعل كل ما قبله مختلفًا.

دخل شخص.

رفعت عيني إليه.

كانت الكيانات موجودة.

ثم رأيتها اختفت من قبل وجوده .

واحدة وراء الأخرى.

ثم تختفي ثبتُّ نظري أكثر.

اختفت نظرت إلى المكان هو نفسه.

لم يتغير شيء لكن وجود هذا الرجل فعل شيئًا لم أستطع تجاهله.

لم يكن الأمر مجرد أن الضجيج قل.

أنا رأيت الكيانات نفسها تختفي.

وقتها لم أستطع أن أظل في مكاني.

بدأت أراقبه بدلًا منها.

كنت أريد أن أفهم. ما الذي يوجد فيه؟

ماذا يفعل وجوده بالمكان؟ هو معاه سر صمتى اخيرا كنت اعتقدت ان الضجيج لن يذهب لانى اسمع به كائنات مختفية بين البشر لكنى لم اكن اعلم ان الانسان يستطيع اخفائهم قبل وجودهم 

ولماذا يحدث له ما لا يحدث لغيره؟

اقتربت منه.

ولأول مرة منذ بدأت هذه الرحلة شعرت أنني لا أريد أن أرى فقط.

أريد أن أشعر.

مددت يدي ولمسته سلمت عليه .

وعندما لمسته جاءني إحساس لا يشبه أي شيء شعرت به في هذه الرحلة.

صفاء.

صفاء جعلني أتوقف تذكرت البذرة التى كانت تجعلنى اشعر بالامان نفس شعور الاطمئنان الذي افتقدته بعد موت جدتى .

لم يكن إحساسًا عابرًا بالمكان أو بالشخص كان هناك شيء شعرت أنني أعرفه.

بذرة نفس البذرة التي كنت أشعر بها في داخلي منذ طفولتي، والتي لم أكن أعرف لها اسمًا.

وجدتها فيه كنت أنظر إليه وأشعر أن شيئًا داخلي يقول لي: هذا الإحساس أعرفه.

وهنا أصبح عندي سؤال جديد.

لماذا أنا أعيش وسط هذا الضجيج، بينما هذا الإنسان لا يبدو كذلك؟

كيف يمكن لإنسان أن يدخل مكانًا فتبتعد عنه الأشياء التي ظلت تطاردني سنوات؟ ثم اكتشفت انها لا تطاردنى بل هي فى كل مكان وانا اسمعها باستمرار 

كنت أريد أن أعرف.

ولذلك حكيت له.

حكيت له عن كل شيء.

عن الضجيج الذي بدأ معي وأنا صغير.واستمر موجود بعد موت جدتي 

عن الأصوات.

عن المساجد.

عن الكيانات التي بدأت أراها وعن اللحظة التي دخل فيها واختفت.

كنت أتوقع أن يندهش.

لكن وجهه لم يتغير استمع إليّ بهدوء.

ثم بدأ يصحح لي ما كنت أحاول أن أصفه.

تعجبت.

كيف يعرف ما أتكلم عنه؟ سألته:

كيف تعرف كل هذا؟ نظر إليّ وقال:

«طبيعي تعرف كل شيء إذا عرفت ربك، فهو سر أي شيء.»

بقيت صامتًا.

لم أكن أبحث عن تفسير طويل كنت أريد إجابة واحدة فقط.

سر الضجيج.

قلت له:

وما سر اختفاء الضجيج والكيانات  عند حضورك؟

فقال:

«قوة إيماني.»

كانت كلمة بسيطة.

لكنها بالنسبة لي لم تكن بسيطة أبدًا.

لأنني قضيت سنوات أبحث عن مكان أستطيع فيه أن أنام دون أن أسمع شيئًا.

سنوات وأنا أتنقل بين المساجد وأراقب سنوات وأنا أسأل من أين يأتي هذا الضجيج.

والآن، لأول مرة، كان أمامي إنسان لم يشرح لي كيف يهرب من الضجيج.

قال لي فقط إن سر الصمت عنده هو إيمانه.

وقتها بدأت أنظر إلى كل ما حدث لي بطريقة مختلفة.

قوة الايمان 

وقتها لم أفهم كل ما تعنيه هذه الإجابة، لكنني فهمت شيئًا واحدًا ظل يضرب في داخلي بقوة أنا قضيت سنوات أهرب من الضجيج، وأبحث عن المكان الذي يختفي فيه، وأسأل لماذا يختفي هنا ولا يختفي هناك، ولماذا يتغير بوجود بعض الناس.

والآن أمامي شخص يقول لي إن السر عنده هو إيمانه.

بدأت أراجع كل ما مر بي الصوت الذي كان معي وأنا طفل المساجد النوم داخلها المقارنة بين مكان وآخر الأشخاص الذين كنت أشعر بتغير المكان عند حضورهم.

والآن هذا الرجل لم أشعر أنني وجدت إجابة كاملة، لكنني شعرت أنني أمسكت بطرف الخيط.

وقلت لنفسي شيئًا لم أكن قد فكرت فيه بهذه الطريقة من قبل:

ماذا لو كنت أنا الذي صنعت هذا الضجيج لنفسي؟

ليس بمعنى أنني كنت أتعمده، ولكن ماذا لو كان كل ما عشته يقودني طوال هذه السنوات إلى شيء واحد ؟

أن أبحث عن الله أن أعرفه أن أعرف أين أكون عندما يهدأ كل شيء.

كنت وقتها مؤمنًا أن الله قريب مني دائمًا، لكنني بدأت أرى هذه القرب بطريقة مختلفة ربما كان الضجيج نفسه جزءًا من الرحلة.

شيئًا يجعلني أتحرك يجعلني أبحث يجعلني أدخل المسجد.

يجعلني أسأل ويجعلني لا أكتفي بأن أقول إنني مؤمن، بل أريد أن أعرف ماذا يعني أن يكون الله قريبًا مني.

لم أعد أريد أن أهرب من الضجيج فقط.

أردت أن أفهم لماذا ظهر أصلًا.

ومن هنا بدأت أراقب علاقتي بالإيمان كما كنت أراقب المكان كنت أذهب إلى المساجد، وأراقب شعوري، وأراقب ما يحدث من حولي، وأحاول أن أفهم لماذا أشعر بالهدوء في أوقات، وبشيء مختلف في أوقات أخرى.

وفي هذه الفترة بدأت أقترب أكثر من مجالس الذكر والطرق الصوفية التي عرفت بها من أهل الصعيد.

كنت أحب الذكر وكنت اشعر فيه بضجيج لكنه كانه الحان جميلة غير واضحة او كانها موسيقي معكوسة غير ثابته احببت ان اعرف اسرار مجالس الذكر وما شعرت به من قبل مثل ما عرفت سر المساجد 

وأحيانًا عندما أدخل في الحالة وأحرك جسدي مع الذكر، كنت أشعر بشيء شديد القوة، وكأنني أتحرك إلى مكان آخر.

كنت أشعر أحيانًا أنني أطير في السماء كصقر لم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد حركة جسد كان هناك إحساس كامل يصاحبها كنت اشعر انني شجرة فى غابة ارقص مع الرياح قط يراقب طير لافتراسه بومة تراقب بومة اخري لتاكلها ثعلب يبحث عن حيوان نائم جميع هذه المشاعر اشعر بها فى وقت واحد وانا ارقص كشجرة مع رياح تعزف عزيف سنفونية من التناغم والانسجام 

صوت وحركة وشعورفي قوت واحد جميع المشاهد اراها اشعر بها فى وقت واحد اختار منها من اعيش في داخله اجرب ان افتح فمي لاتذوق مئات الاسماك بفم الحوت بكل هدوء وكنت اشعر اننى اسير كالبرق يخترق الصوت لذلك كنت احب الذكر ولا احب الذكر بطريقة جمعية احيانا لاني اشعر بها بالضجيج عرفت ان كان سببه اشخاص حولى كانى اشعر بمعانتهم ولم يكن دائما جلسات الذكر فيها ضجيج احيانا يكون موجود سبب اشخاص اتوا بها واحيانا يظهر ويختفي واحيانا يكون ثابت واحيانا يكون الصمت يملاء المكان رغم ارنفاع الاصوات حولى 

ثم أعود وأتساءل:

ماذا حدث لي؟

ولماذا أشعر بهذه القوة عندما أدخل في هذه الحالة؟ كنت أرى الناس حولي يفعلون الشيء نفسه، وكل واحد يعيش حالته بطريقته.

وكان فضولي يدفعني إلى أن أراقب أكثر لم أكن أريد أن أرفض ما أراه ولا كنت أريد أن أقبله لمجرد أن غيري يؤمن به.

كنت أريد أن أعرف.لماذا تحدث هذه الحالة ؟ ولماذا يشعر بها الناس بهذه القوة ؟

كنت ألاحظ أن الشخص الذي يدخل في الذكر لا يعيش مجرد كلمات يكررها. كان يدخل في حالة كاملة، وكأن هناك شيئًا يتجمع بين الحركة والصوت والشعور.

ومع كثرة المراقبة بدأت ألاحظ شيئًا آخر.

أحيانًا كان الإنسان يعيش شيئًا سبق أن عاشه غيره. اشخاص تشبه البشر منهم من له وجه انسان ومنهم من له وجه حيوان يفعلون ما يفعلوا نفس لحركات اشكال مختلفة كثيره لكن نفس الحركة. نفس الشعور. نفس الطريقة. تتغير الوجوه، وتتغير الملابس، وتتغير الأماكن، لكن الحالة نفسها يمكن أن تعود.

بدأت أفكر في الأمر بطريقة مختلفة. كأن هناك شيئًا ينتقل بين الناس دون أن ينتقل الشخص نفسه. كنت لا أملك وقتها اسمًا واضحًا لهذا الشيء.

لكنني كنت أراه يتكرر.وهذا فتح أمامي سؤالًا جديدًا.

هل الإنسان عندما يدخل في حالة معينة يعيش وعيه وحده؟ أم أنه يمكن أن يلتقي بشيء عاشه آخرون قبله؟

لم أكن أملك الإجابة.

لكنني كنت قد تعلمت شيئًا واحدًا في هذه الرحلة: إذا رأيت شيئًا لا تفهمه، لا تتعجل في تفسيره.

راقبه. عد إليه.

وشاهد هل يتكرر أم لا. ولهذا استمريت كنت أتعلم من المساجد وأتعلم من الذكر وأتعلم من اختلاف الناس وكل تجربة كانت تعيدني بطريقة ما إلى السؤال الأول:

لماذا أسمع؟

ولماذا أرى؟

ولماذا أشعر؟

شيئًا فشيئًا بدأت أفهم أنني منذ طفولتي لم أكن أعيش من خلال قناة واحدة.

كنت أسمع شيئًا، فأشعر به. وأرى شيئًا، فيترك في داخلي إحساسًا.

وأشعر بشيء، فأبدأ في ملاحظة ما يحدث حولي لم أكن قد أعطيت هذه الطريقة اسمًا بعد.

كنت فقط أعيشها.

لكنها كانت هي طريقتي في اكتشاف العالم.

ومع كل هذا، ظل هناك سؤال لم يتركني.

إذا كان الإيمان قادرًا على إسقاط الضجيج عند هذا الرجل، فما الذي يحدث فعلًا عندما يكون الإنسان ثابتًا؟

ولماذا أشعر أحيانًا بهذا الهدوء الذي أبحث عنه منذ طفولتي، ثم يعود الضجيج عندما أبتعد؟

كنت أظن أنني اقتربت من الإجابة.

لكنني لم أكن أعرف أن ما رأيته حتى هذه اللحظة لم يكن إلا أول طبقة من السر.

ظهور الشهيد

بدا الضجيج يختفي مع بداية الإيمان، وأول مرة شعرت بالسكينة في النفس والروح، شعور اشتياق إلى الاطمئنان. كان إنجازًا جميلًا، لكنه جاء معه إحساس كبير بالإحباط والخذلان؛ 

لأنني اكتشفت أنني أضعت سنوات طويلة أسافر من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان، وأبحث عن سر جعل حياتي كلها ضجيجًا، ثم وجدت أن السر الذي رأيته أمامي كان بسيطًا جدًا. لم أرَ شخصًا يملك شيئًا خارقًا، رأيت إنسانًا بسيطًا يظهر عليه معنى البساطة والاطمئنان، وحين سألته عن سبب اختفاء الضجيج والكيانات قال لي كلمتين اختصرتا لي رحلة طويلة: قوة الإيمان.

لكن الصمت لم يكن نهاية الرحلة، بل كان بدايتها. بعد الضجيج، وعندما بدأت أعيش حالة من الصمت الداخلي، شعرت أن شيئًا آخر يقترب مني. في وسط هذه الحالة ظهر أمامي سميته  كرم، بوجهه الجميل الذي كنت أراه إلى جواري في لحظات الثبات والإيمان. كان حضوره مختلفًا عن كل ما عرفته من قبل، 

وكان دائمًا يأتي ومعه إشارة تشبه الديجافو؛ أشعر أن ما يظهر أمامي حدث من قبل، وفي الوقت نفسه يحدث الآن، وكأن الماضي والحاضر والمستقبل اجتمعوا في لحظة واحدة. كانت كلماته وحالته تغير شعوري بالزمن نفسه، وتجعل عيني ترى وحدها إلى مدى بعيد. ومع الوقت تحول هذا الشعور إلى طاقة نبتت منها البصيرة.

كانت حكايتي مع كرم مختلفة؛ كنت أعرف أن صورته الحقيقية عندي صقر بصير، وكان يتكلم كلمة أو كلمتين أو ثلاثًا، لكن في كلماته سر جماله. كنت أحب أن أتكلم معه لأنه دائمًا يرى الحقيقة من مكان آخر، ثم يصفها بكلمة. لم يكن يحتاج إلى كلام كثير، وكانت الكلمة الواحدة منه تجعلني أرى شيئًا لم أكن أراه من قبل.

في تلك المرحلة كان مفعول الكحل الذي وجدته في الصحراء قد فتح لي مرة واحدة بابًا مختلفًا للرؤية. جعلني أرى ظلام عيني بوضوح، وكأن الظلام نفسه لم يعد نهاية للصورة، بل غطاءً يخفي خلفه نورًا وعالمًا منيرًا. كنت قد تعلمت المراقبة من الضجيج، وتعلمت التأمل من الصمت، وما جنيته من سنوات الألم لم يكن مجرد محاولة لإيقاف الضجيج، بل اكتشاف سر آخر؛ كأن الضجيج الذي عشت فيه طوال طفولتي هو الذي دفعني في النهاية إلى البحث عن الصمت، والصمت هو الذي جعلني أرى ما كان مخفيًا خلفه.

بدأت الكائنات تظهر لي بأشكال جميلة فيها نور شديد، وكان وراءها غطاء لم أستطع تحديد لونه من شدة النور الذي يحيط بها. لم أكن أعرف ما هذا الغطاء، لكنني كنت أشعر بجمال الصورة وقوتها. لم تكن الأرواح التي أراها كلها في شكل واحد؛ بعضها كان يحمل ثقلًا واضحًا، وبعضها كان يظهر في هيئة أكثر نورًا، وكل صورة كانت تترك في داخلي إحساسًا مختلفًا.

ومع استمرار الرؤية بدأت ألاحظ شيئًا لم أكن أعرف كيف أفسره. كنت أشعر منذ صغري أن بداخلي بذرة لها علاقة بروحي، شيء أشعر به أكثر مما أستطيع وصفه، لكنني لم أكن أعرف ما العلاقة بينهما. بعد الكحل بدأت أرى هذه البذرة في كائنات وأشخاص وحيوانات، ولم تعد بالنسبة لي إحساسًا داخليًا يخصني وحدي. كنت أراها في شخص أشعر أن بداخله إيمان، وأراها في إنسان أشعر أن فيه صفاء، وأحيانًا كنت أراها في حيوان، وكأن هناك شيئًا واحدًا يمكن أن يظهر في صور مختلفة.

وهنا بدأت أنظر إلى الحيوانات بطريقة لم أنظر بها إليها من قبل. لم أكن أراها آلهة كما كانت تصفها بعض الحضارات القديمة، لأنني كنت أرى أمامي أرواحًا عالقة تظهر برؤوس حيوانات وأشخاص. أحيانًا في الواقع كنت أراها بوجهين، وكأن وجه الإنسان يحمل فوقه خيال حيوان، أو كأن الحيوان بدأ يتحول إلى إنسان،

 وأحيانًا أشعر كأن انفصال الشكل نفسه يحدث أمامي. كنت أرى منها ما تظهر فيه البذرة بوضوح، ومنها ما تنطفئ فيه أو تختفي، وأربط ذلك بما أشعر به من رحمة أو افتراس أو قسوة. لم يكن عندي وقتها تفسير كامل، لكن الملاحظة كانت تتكرر أمامي حتى بدأت أبني منها فهمًا خاصًا.

بدأت رحلتي تأخذني أيضًا إلى مشاهد أكثر قسوة. رأيت معاناة العبيد الذين كانوا يُضحّى بهم، ورأيت كيف كانت أشباحهم تُستخدم في لعنات مرتبطة بالمقابر الفرعونية، 

ورأيت أشباحًا فرعونية تظهر في رؤيتي ورحلتي. وفي الوقت نفسه لم أكن أؤمن بتناسخ الأرواح، ولذلك لم أكن أرى هذه الصور على أنها إنسان يعود إلى الحياة في جسد إنسان آخر. كنت أحاول أن أفهم لماذا تبقى بعض النفوس مرتبطة بتجاربها، وكيف يمكن أن تستمر القصة بعد انتهاء حياة صاحبها.

ومع كثرة ما رأيت، بدأت أفهم فكرة الأرواح العالقة. كنت أرى نفوسًا ماتت وهي تحمل ثقلًا من الذنوب، وظلت عالقة في الزمن، تبحث عن أشخاص تتصل بهم أو تتآلف معهم أو تجعلهم يعيشون قصصًا تشبه قصصها. رأيت من يشعر بالتضحية، ومن يحمل ثقل ذنب، ومن مات وهو يستنجد بشخص، وكل واحد منهم بدا لي وكأنه يحمل قصته معه ولا يعرف كيف يخرج منها. وكان ما يجمع بينهم في فهمي وقتها أنهم نسوا الله بداخلهم، فانساهم ذلك أنفسهم، وحتى بعد موتهم ظلوا متعلقين بالوعي الذي عاشوا فيه.

وبدأ تصوري للزمن يتغير كلما اقتربت من هذه المشاهد. عند الله الماضي والحاضر والمستقبل، والبداية والنهاية، وما قبل الوجود وما بعده لا تبدو منفصلة بالطريقة التي نعيشها نحن. لم أكن أتعامل مع ذلك كفكرة فلسفية أقرأها في كتاب، وإنما كنت أحاول أن أفسر ما رأيته وما شعرت به، وكانت كل إجابة عندي تفتح سؤالًا آخر.

ومن خلال ما تعلمته من الشهيد بدأت أفهم أشياء كثيرة عن الجن بالطريقة التي كنت أراها وأتعلمها في تلك المرحلة. كنت أراهم كائنات محدودة الوعي والتجارب، تراقب البشر لأنها تحتاج إلى ما لدى الإنسان من قدرة على التطور واكتشاف الله. وكنت أرى أن بعض الشياطين تظل في غفلة، ثم تتمرد عندما ينضج وعيها، وتتحول إلى مردة، ثم تستمر في المراقبة والتعلم حتى تصل إلى إدراك مختلف؛ من شيطان إلى مارد، ومن مارد إلى مراقب، ومن مراقب إلى مدرك، ومن مدرك إلى من أسلم إرادته للإرادة العليا. كان هذا هي دورة حياتهم التى رايتها في تلك المرحلة.

وكنت أتعلم من كرم الشهيد أن الشيطان لا يحتاج أن يمنع الإنسان من قراءة القرآن حتى يؤثر فيه، وإنما يكفيه أن يراقب رغبته ويستغلها. كنت أراه ضعيفًا في ذاته، لكنه يعرف كيف يدخل من الباب الذي يفتحه الإنسان بنفسه. إذا غضب الإنسان أو امتلأ بالحزن أو القهر أو الوحدة أو الشهوة، كنت أشعر أن هناك شيئًا يستفيد من هذه الحالة ويحاول أن يستقر فيها، بينما كنت أشعر بالعكس عندما أرى الإيمان والسلام الداخلي؛ كنت ألاحظ أن الضجيج نفسه يبتعد.

ولهذا بدأت أفهم أن الضجيج لم يكن منفصلًا عن الإنسان كما كنت أعتقد في البداية. بدأت أرى أشخاصًا يقعون في الغفلة لأنهم يعتقدون أنهم متصلون بكائنات نورانية، ثم يبدأون في تدريب قرينهم أو اتباع مركزهم أو طلب الأشياء منهم بدلًا من طلبها من الله، وكأن العلاقة نفسها تغير اتجاه الإنسان من مركزه الحقيقي إلى شيء آخر يظنه مصدرًا للقوة. وكلما اتسعت تجربتي، ظل الإيمان يعود أمامي باعتباره الشيء الوحيد الذي لا أحتاج معه إلى وسيط.

ومع اتساع الرؤية لم تعد التجربة محصورة في الإنسان والحيوان. اكتشفت أنني أستطيع أن أشعر وكأنني أقترن بالحيوانات والطيور؛ أطير كالصقر، وأسبح كالحوت، وأغوص في أعماق البحار، وأدخل الجحور وأشعر وكأنني أتحرك مع مخلوقات صغيرة مثل ممالك النمل. كان هناك إحساس غريب بأن شيئًا مني يسكن في أجساد الكائنات، وكأن الكائنات كلها كائن واحد وفيه البذرة نفسها.

ثم بدأت رؤيتي تأخذني إلى عوالم أخرى. رأيت حيوات مختلفة تحت البحار، ورأيت بشرًا ذوي جلد أبيض داخل فقاعة هواء كبيرة لا تستطيع الفقاعة الخروج منها. كانوا يرون بدون عين ويسمعون بدون أذن، وكنت أختبئ منهم عن بعد لأنني أشعر أنهم يعرفون بوجودي إذا اقتربت. وكنت أشعر أن أحدهم لو نظر إلى السماء لاستطاع رؤيتي.

ورأيت نفسي في المريخ وأنا أشعر بضيق في التنفس، ورأيت مستعمرين جددًا من الأرض ينقبون ويبحثون ويكتشفون كائنات زرقاء تشبه الكائنات الرمادية، لكن لونها كان أزرق ميتًا. ثم رأيت الزهرة، ورأيت كائنات في سمائها، وكان هناك حكم عليها بالنفي، ورأيتهم يسقطون إلى قاع الكوكب. ورأيت عطارد كأنه مركبة فضائية ضخمة من الحديد، وفي قلبها فراغ.

وفي يوم آخر رأيت مخلوقات عملاقة، وكانت غريزتها القتال والاستقواء على الضعفاء. إذا خاف منها أحد قتلته، وإذا نظر إليها سيطرت عليه. كنت أرى القوة أمامي في صورتها المجردة، القوة التي لا تعرف إلا أن تخضع من هو أضعف منها.

ومع كل هذه الرؤى بدأت أنظر إلى النجوم بطريقة مختلفة. رأيتها نقاط ارتكاز، ورأيت أن القمر له مركزه، والأرض مركزها، والشمس مركزها، والمجرة مركزها، والعناقيد المجرية مركزها. رأيت أن القليل له سلطة على الكثير، وأن الأرض لها سلطة على عالم بداخلها، والشمس لها سلطة على الكواكب التي تدور حولها، والمجرة لها سلطة على ملايين النجوم، والعناقيد لها سلطة على المجرات، ثم رأيت أن الله له السلطة على النور والظلام والكون كله.

ورأيت النجوم أيضًا كنقطة ارتكاز، ورأيت ما سميته الكرسي المحرّم، وشعرت أن في هذا العالم عرشًا واحدًا يراقب كل النجوم والعوالم والكائنات. ورأيت آدم يرتكز على الشمس ويراقب، ورأيت حواء ترتكز على القمر لتكمل الجانب الأنثوي والتقلبات. لم أكن قد وصلت إلى تفسير نهائي لكل هذه الصور، لكنني كنت أشعر أن وراءها علاقة بين الإنسان والكون أكبر بكثير من الصورة التي نعيشها في حياتنا العادية.

وكان كل مشهد يعيدني إلى السؤال نفسه: لماذا تظهر الحيوانات؟ لماذا تظهر الأرواح برؤوس حيوانات؟ وما علاقة ذلك بالإنسان وبالحضارات القديمة؟ بدأت أرى أن الحيوان ليس مجرد شكل خارجي، وأن كل صورة تحمل حالة. القرد يحمل الذكاء والسرعة والحركة والتزين، والأسد يحمل القوة، والثعلب الدهاء، والذئب الشعور، والكلب الحب. لم أكن في البداية أعرف أن هذه الحالات موجودة بداخلي، لكنني كنت أرى التكرار نفسه أمامي في العوالم والأشخاص والحيوانات حتى لم أعد أستطيع تجاهله.

ظل كرم مختلفًا عن كل ذلك. كان يأتي أحيانًا بإشارة تشبه الديجافو، وكان وجوده يجعلني أشعر أن الزمن نفسه أصبح شيئًا أستطيع أن أراه من زاوية أخرى. كان يرى الحقيقة من مكان آخر، ويعطيني منها كلمة صغيرة، بينما كنت أحتاج أنا إلى أن أعيش التجربة كاملة حتى أفهمها. 

وكان هناك فرق بدأ يثبت داخلي دون أن أعرف إلى أين سيأخذني: شيء يعرض لي الصور ويقودني من الرغبة، وشيء آخر يشهد عليّ ويجعلني أرى شيئًا خلف الصورة.

ثم جاءت الرؤية التي ستغير كل شيء.

كانت رؤية قصيرة جدًا، في حدود خمس إلى عشر ثوانٍ، لكنها بقيت داخلي كأنها عمر كامل. رأيت السماء كأن عليها غطاء، ثم ظهرت فيه فتحة تشبه حفرة. ومن خلال هذه الفتحة رأيت كائنات تسبح مثل الأسماك، لكن عندما دققت النظر لم تكن أسماكًا. كانت أشكالًا هندسية غريبة، ألوانها بدرجات مختلفة عن الألوان التي نعرفها، وكانت تبدو كأنها زينة مبهرة داخل لوحة مظلمة. لم تكن أجسامًا على شكل السمك، وإنما رؤوسًا كثيرة متصلة بطريقة يصعب وصفها.

ظللت أنظر.

ومع انبهاري بما أراه تغير الشكل أمام عيني. لم تعد الرؤوس والأشكال الهندسية كما كانت، وتحولت إلى إنسان.

وقال لي:

 ماذا تريد يا صائد الأرواح؟ 

لم يتحمل قلبي المشهد. استيقظت من شدة الرهبة وأنا واقف، وما بقي معي في تلك اللحظة كان قوة صوته، وتحوله إلى ذلك الشكل الإنساني الجميل الذي ذكرني بكرم، لكنه كان بلا ملامح.

في ذلك الوقت فسرت ما رأيته كما كنت أستطيع أن أفهمه. رأيتهم أرواحًا في عالم مختلف عن عالمنا، مثل أسماك ملونة تسبح في بحر الظلمات، وشعرت أن هناك من يسيطر عليهم. لم أكن أعرف أنني أخطأت في فهم المشهد، ولم أكن أعرف أن الاسم الذي سمعته سيكبر معي عشر سنوات، وأنني سأصنع من صائد الأرواح  شخصية كاملة، وأنني سأبدأ في رؤية القوة والقدرات والسيطرة في كل ما يحدث لي.

لم أكن أعرف أن ما يحدث أمام عيني لم يكن مجرد اكتشاف لعالم آخر، وإنما كان بداية اكتشافي لطريقة رؤيتي نفسها. كنت أرى وأسمع وأشعر في الوقت نفسه. أسمع أصواتًا كأنها تأتي من مكان تحت الماء، أصواتًا مكتومة لا تأتي من صدى، وأرى صورًا قصيرة، وأشعر بأشياء قبل أن أعرف كيف أصفها. ومع الوقت بدأت أفهم أن هذه ليست قنوات منفصلة كما كنت أظن، وإنما ثلاث قنوات تتصل ببعضها: العين التي ترى، والأذن التي تسمع، والشعور الذي يتذوق.

لكنني لم أفهم كل ذلك دفعة واحدة.

كنت ما زلت في بداية الطريق، وكل سر كنت أراه كان يفتح وراءه سرًا أكبر. كنت أظن أنني أبحث عن الأرواح، ولم أكن أعرف أن هذه الأرواح والكيانات والحيوانات والبحار المظلمة والنور الذي أراه خلف الإنسان، كلها ستعيدني يومًا إلى السؤال الأصعب:

ماذا كنت أرى في الحقيقة؟

بعد أن سمعت «ماذا تريد يا صائد الأرواح؟» بقي الاسم في داخلي أكثر مما بقي المشهد نفسه. لم أفهم لماذا ناداني به ذلك الكائن، ولم أعرف هل كان الاسم وصفًا لما كنت أفعله أم أنه مجرد كلمة قالها لي في ذلك العالم، لكنني أخذته معي عندما انتهت الرؤية. كنت صغيرًا أمام كل ما رأيته، ومع ذلك كان بداخلي شيء يريد أن يفهم، وشيء آخر بدأ يحب الفكرة. كنت أشعر أنني وصلت إلى باب لا يعرفه كثير من الناس، وأن هناك عالمًا أراه ولا يراه غيري، وبدأت مع الوقت أقول لنفسي إنني صائد للأرواح. لم أكن أعرف وقتها أنني لم أكن أصنع اسمًا لرحلتي فقط، بل كنت أصنع لنفسي شخصية ستكبر حتى تغطي فوزي نفسه.

ومع استمرار التجربة بدأت أشعر بطعم مختلف للقوة. لم تعد الرؤية مجرد مشاهد أراها وتنتهي، بل بدأت أشعر أن ما أراه يمكن أن يتأثر بوجودي، وأن تثبيت نظري على الشيء يجعله ثابتًا أمامي ويتغير شكله، وكأنني لا أكتفي بأن أراه وإنما أستطيع أن أمسك صورته بعيني. كنت أرى الكائن، أركز عليه، ثم يحدث شيء في الصورة. أحيانًا يتحول، وأحيانًا يتغير حضوره، وأحيانًا أشعر أن تأثيري عليه أصبح مباشرًا. في تلك السن لم أكن أملك تفسيرًا يشرح لي ما يحدث، ولذلك كان أسهل شيء على عقلي أن يربط القدرة بالاسم: إذا كنت صائد الأرواح، فلا بد أنني أملك شيئًا لا يملكه غيري.

بدأ هذا الشعور يكبر بداخلي حتى أصبحت أرى نفسي قادرًا على السيطرة على الإنسان، وعلى تغيير ما أفكر فيه حتى يظهر أمامي. كل فكرة كنت أراها كأن لها طريقًا إلى الواقع، وكل تجربة جديدة كانت تزيد إحساسي بأن هناك قوة تنتظر مني أن أستخدمها. وظهر في داخلي الذي يقول: أنت تستطيع. كانت هذه الكلمة بسيطة، لكنها كانت تفتح داخلي شيئًا أكبر من قدرتي على فهمها. كنت أشعر بالقوة وأشعر بالمكانة، وكنت أرى نفسي أستطيع أن أحسم أي صراع، وأن أقف أمام أي مواجهة، وأن أتغلب على ما يقف أمامي.

لكن هذه القوة لم تظهر في فراغ. قبلها كنت قد دخلت خلوة لله أربعة أيام، وفي المرة التي سبقتها خرجت وأنا أشعر أنني انتصرت على شيطاني. ثم بعد أن خرجت ظهر لي طريق آخر أعادني مرة أخرى إلى الخطيئة؛ حفلات صاخبة وأمور كثيرة فعلتها وأنا أعتقد أنني أستطيع أن أوازن كل شيء. كنت أقول لنفسي إنني أفعل الخير، وإنني لا أؤذي أحدًا، ولذلك أنا في أمان، وإن الذنوب التي لا تؤذي إنسانًا آخر لا يمكن أن تكون المشكلة الحقيقية. كنت أبرر لنفسي كثيرًا، ومع كل تبرير كنت أبتعد خطوة أخرى من غير أن أشعر.

لم أكن أرى نفسي شخصًا سيئًا. على العكس، كنت أشعر أنني أعرف الله وأثق به وأشعر أنه قريب مني، وكنت أعتقد أن ضميري ما زال سليمًا لأنني لم أتعمد كسر قلب إنسان. لكنني لم أكن أفهم أنني كنت أؤذي نفسي، وأن الثقل لا يحتاج إلى أن يؤذي أحدًا حتى يتحول إلى سجن. بدأت الرغبات تتسع داخلي؛ الحب، والجنس، والمال، والسلطة، والنفوذ، وكلما فتحت رغبة بابًا دخلت منه رغبة أخرى. وكنت أظن أنني أعيش حياتي بإرادتي، بينما كان شيء آخر يقودني من المكان الذي أفتح له الباب بنفسي.

هنا اختفي الشهيد واختفيت معه العوالم والملكوت والاسرار ونسيت تفاصيلها كانها حذفت من ذاكرتي اعلم العناوين جيدا لكن ما اعلمه ناقص وما ظهر في عقلي اسواء 

كنت اعتقد انني جنيت ما تعبت فيه بعد ظهور الحقيقة لكن ما حدث عند ربط كل الاحداث ببعض اننى جندي من جنود الله اشخاص تقودني الى فعل اشياء تظهر لهم انها خارقة كنت اذهب الى الصحراء كاني اقول هل من قوي يظهر لي انا استطيع تثبيت الارواح برؤيتى كانت الشياطين تطاردنى في حياتي
بعد الشعور بالقوة التى بداخلى والقدرات التى فهمتها احتراف التخاطر عن بعد وعن قرب لدرجة اننى كنت استطيع ان اجعل اى انسان يفعل اى شيء افكر فيه

كنت فى مرة رايت شخص ظهر لي على شكل انسان قال لي انا لست سعيد رغم اننى اقوي منك ضرب بيده الارض فانشقت وظهر شق عمقه حوالى متر نزلت فيه حتى اتاكد انه حقيقة وليست وهم
وبعد ما خرجت رايت نفسي مغيب فى الوعي كان الخمر اسكرتني لكنى لم اشرب الخمر منذ اعوام حتى نمت واستيقظت وانا لبست ثياب التى كان يشق الارض امامي وفى نفس الوقت ثياب رائحتها كريهة جدا

ما نظرت له اننى انا فاعل هذا بقوتى وما حدث ما هو الى حالة من اقتران كما يحدث وفسرتها اننى اقترنت مع روح قوية ساعدتنى على شق الارض لكن ما حدث بعد هذا اكبر من قوة

لم المس انسان الا شفيته ولكن بداخلى شي مصدره بذرتي كانه يقتلنى ويقول لي انت تؤذي لا تضر لكنى اتجهت للاشخاص الذي تظهر عليهم حالات الخلل العقلي كنت من صغري اخاف على نفسي من الجنون سبب الضجيج لاني رايت مجنون يقول مثل ما اسمع فى الضجيج فى مرة من المرات وعلمت ان سر جنونه انه يسمع مثلي

هنا درست العقل الباطن والعقل وانظمته وتاثير الصوت والصورة على الوعي حتى احمي نفسي من الجنون والهلوسات بداخلي شيء يقل القوة حقيقية فى يوم من الايام قرر شخص ان اقضي له حاجة ورفضت قام باختطافي ورايت نفسي بداخل غرفة وسط غيط كبير وقلت لنفسي ان الاوان ان تثبت هل ما رايته مجرد هلوسة ام لديك قوة جدك التى كنت تسمع عنها 

ضربت الجدار بيدى الذي كان سمكه 70 سم والمفاجاة انهار بسهولة والحراس الذي كانوا يقفون خلف الجدار اصابوا بالخوف والذهول مشيت بدون ان يتجرا احد على ايقافي مشيت وانا سعيد اننى اختبرت قوتي

وقوتى مع قوة ايمانى جعلتنى اؤمن انني جندي من جنود الله استطعت التسيطرة على العقول التخفي جعلهم يروا ما اريد ان يروه وان لا اجعلهم يروا ما هو حقيقي جندى بلا ارواح بلا عالم الشهيد طفل قوى يعلم قيمة قوته وكل ما يري انسان يقل له انت الله ارسلك لي ومن الطبيعي ان اصدق اننى جندي من جنود الله

لكن ما حدث فى داخلى من جديد ليس ضجيج وليس شهيد 

انه السائق

شي يتكلم بصوت واضح يحكي لي اسود وملف كل انسان كاني اراه بدون ثياب مهما كان شي اعلم انه اسود لكن يتخفي فى شعور قوتى لست دائما اراه لكن منذ ظهوره لم اعد فوزى الملتزم مع الله تدريجيا بدات اغفل واغفل 

كان لدي حوالي 50 الف متابع وكنت انقل باستمرار كل معلومة افهمها واتعلمها فى نية خير لاني رايت الكثير من المفسرين الجاهلين الذين يتكلم الشيطان على السنتهم لضلال الناس كنت اري فى عيونهم الضعف ويظهرون بمظهر القوة ثم سالت نفسي هل انا مثلهم ولا اشعر او انا مختلف عنهم ؟

بدا يتكلم صوت فى داخلي بوضوع وبداء يقنعنى انت تفعل الكثير من الخير لا تؤذي اي احد لا تنساق وراء المال لماذا لم تعلم الناس اسرار صائد الارواح وبدات اعلم واصنع قلادات من الاحجار الكريمة لتجعل اي شخص قادر عند حملها فى التاثير وكنت اعلم جيدا ان هذه الاحجار ما هي الا مضخم كانها مكبر صوت لكنها مكبر للمشاعر التى تخرج من الانسان الذي يحملها لكن ما حدث جعلنى اتوقف
لماذا انا اصاب بالغرور واشعر بنفس ثقل الاسد فى رؤيتى للاسد كنت اعرف ان المعاناة التى تظهر لي فى صورته سببها ثقل قوته بعدت عن الصلاة اصبحت ابرر لنفسي الذنوب واتبع الشهوات وفى نفس الوقت مؤمن بدون اى شك اننى جندي من جنود الله
وما هذا الصوت الذي كل ما سمعته اصدقه وفى نفس الوقت اشعر بالخداع بدات اصارع نفسي وما بداخلى وقررت ان ادخل خلوة مرة اخري لاذكر الله حتى اري العالم النورانى الذي كنت اراه لكن هذه الخلوة كانت كانها حلبة صرااع بينى وبين كيان اسود غير مرئي ليس صغير مثل كائنات الالتى كانت تصدر ضجيج كان عكس كرم بداخله نور لكن فى خارجه غطاء ظلام سميك يغلب النور الذي بداخله لا يوجد في وجهه ملامح لكن ما يخرج منه شعور الخوف والرعب والجلجلة فى كل مكان كان المكان الذي يتواجد فيه يتفتت ويصبح تراب من الاهتزازات كنت اشعر بالخوف ولكن مستمر على صراعه اؤمن ان الله موجود وهو القادر على بعده لا اريد ان استمر سنين اخري مع هذا الكيان يكتفي سنوات التى عشتها وانا اسمع الضجيج وكنت اعلم ان الله هو القادر القريب المجيب لم استعين باي مخلوق غيره وهنا بدا التحدي

في عام 2011 رأيت في رؤيتي أن بداية العام الجديد لن يكون القسم مكانًا لوجود الضابط، ولن يظهر أصحاب السلطة في مناصبهم. لم أفهم في ذلك الوقت ماذا يعني المشهد، لكنني ذهبت وحكيت لأبي ما رأيته، فقال لي ببساطة:

«إحنا في مصر يا ابني… اللي شفته ده بيحصل في شيكاغو.»

كانت جملته بالنسبة لي غريبة، لأنني كنت أتكلم عن مصر وما رأيته في رؤيتي، بينما هو رد عليّ وكأنه يقول إن ما رأيته لا ينتمي إلى المكان الذي أعيش فيه وحده. وبعد ذلك حدث ما رأيته في الواقع، وهنا بدأت أربط بين الرؤية وبين الوعي الجمعي، وبين ما أراه في الرؤى وما يحدث في حياة الناس من حولي.

بدأت أفهم من هذه التجربة أن السلطة ليست ثابتة كما يظن الإنسان، وأن ما يبدو مستقرًا في لحظة يمكن أن يتغير، وأنه لا يوجد ملك دائم إلا الله. ثم ربطت هذا بما كنت أراه عن الذنوب والسلطة، وكيف يمكن للشيطان أن يغير أعماق الإنسان حتى يجعله يرى نفسه ومكانته بصورة مختلفة.

ومن هذه الرؤية بدأت أفهم شيئًا آخر عن الغفلة؛ أن الإنسان يمكن أن يرى صورة واحدة ويعتقد أنها الحقيقة كلها، وأن محدودية رؤيته تجعله يثبت على تفسير واحد لا يرى غيره. لذلك أصبح عندي رمز الشيطان مرتبطًا بعين واحدة، تفرض رأيًا واحدًا وصورة واحدة وحقيقة واحدة، حتى يجعل الإنسان يرى نفسه في أفعاله بصورة تعلق مرضي، ويصنع لنفسه غطاءً يرى من خلاله ألوهية نفسه أو سلطتها.

ومن هنا بدأت أربط بين هذه الرؤية وبين ما كنت أراه من قبل عن السلطة والجماهير، وبين الطريقة التي يمكن أن يقود بها الشيطان الإنسان من خلال الصورة التي يصدقها عن نفسه وعن العالم.

تكلمت مع اشخاص كثيرة ودخلت معارك مع اشخاص كثيرة وانتصارات وكل شهر تقريبا اكثر من شخص ياتي ليقل لى انا قلت يا الله والله ظهر لى صفحته او انا حلمت باسمك او انا حلمت بك جميع ما مر به فى حياتى متوافق مع ما اسمعه واقراه واتكلم به واعرفة ومومن به بداخلي لكن خوف من الكيان الذي انتصرت عليه فى خلوتى ما زال يطاردنى حتى قررت مواجهة اي كيان ولن يظهر 

ما ظهر اننى ارى نفسي من انتصار الى انتصار ومن معركة الى معركة حتى قرار خلع الثياب 

خلوة من جديد

دخلت الخلوة مرة ثانية لله، لكنني هذه المرة لم أدخلها خفيفًا كما دخلتها من قبل. كنت محملًا بالذنوب والغفلة، ومع ذلك كنت أقول لنفسي إنني أريد التوبة. لكنني في الحقيقة لم أكن أعرف معنى التوبة بعد. كنت قد استمتعت بطعم متاع الحياة، وكلما فعلت شيئًا كنت أجد له مبررًا يجعلني أطمئن إلى نفسي. كنت أقول إنني أفعل الكثير من الخير، وإنني لا أؤذي أحدًا، وإن ما أفعله من ذنوب لا يضر إنسانًا، ولذلك كنت أعتقد أنني في أمان. لم أكن أرى أنني يمكن أن أؤذي نفسي وأنا أظن أنني لا أؤذي أحدًا.

دخلت الخلوة وفي داخلي طريقان؛ طريق يريد الله، وطريق يريد أن يحتفظ بكل شيء آخر. كنت أريد أن أقترب، لكنني لم أكن أريد أن أتخلى عن الرغبات التي تعلقت بها. كان في داخلي شيء يقول لي: استمر، لا تتوقف، ما دمت لا تؤذي أحدًا فاستمر في هذه الحياة، وفي المقابل كان هناك شيء آخر يجعلني أشعر أنني أبتعد عن شيء أعرفه ولا أستطيع أن أصفه.

وفي الوقت نفسه اختفى كرم من حياتي.

لم يعد يظهر كما كان، ولم تعد تلك الكلمات القليلة التي كانت تجعلني أرى الحقيقة من مكان آخر تصل إليّ. كنت أفتقد وجوده أكثر مما كنت أفهم وقتها. كنت أعرف أنني عندما يكون قريبًا مني أشعر بشيء من الحكمة، وأشعر أن هناك معنى خلف ما أراه، لكنني عندما اختفى شعرت بضعف كبير. لم أعد أرى الجمال الذي كنت أراه في وجوده، ولم أعد أعرف كيف أتعامل مع الأشياء التي تحدث بداخلي. وكأن شيئًا كان يحميني من أن أصدق أول صورة تظهر أمامي، ثم اختفى وتركني وحدي أمام ما أراه.

ولأنني شعرت بالضعف بدأت أبحث عن القوة.

دخلت الخلوة وأنا أريد الله، لكنني كنت مستعجلًا. كنت أريد أن أصل إلى شيء بسرعة، أن أخرج منها وقد حسمت الصراع الذي بداخلي، وقد عرفت ماذا أفعل بالقوة التي أشعر بها، ولم أكن أعرف أن الاستعجال نفسه يمكن أن يجعل الإنسان يرى ما يريد أن يراه.

خرجت من الخلوة مكسورًا.

وفي تلك اللحظة ظهر لي ملاك.

كان شكله جميلًا، جمالًا يجعلني في البداية أطمئن إليه، لكنني في الوقت نفسه كنت أشعر بشيء لا يشبه الجمال الذي أراه. كنت أشعر أن خلف مظهره ستارًا، وأن هناك ظلامًا في داخله لا يظهر في الصورة الأولى. كان ثيابه كأنه يحاول أن يثبت قدسيته، وكان مظهره يقول شيئًا، لكن إحساسي به كان يقول شيئًا آخر. لم أكن أعرف كيف أشرح هذا التناقض، لكنني شعرت به بوضوح وكان امامي خيارين ان اصدق ما اراه بعيني او اصدق ما اشعر به

قال لي إنه خادم أرسله الله لي.

ثم قال لي:

«اخرج… كن محاربًا.»

فرحت.

صدقته.

ولم أشعر أنه يكذب عليّ كانه اتى ليجعلنى اسمع ما كنت اسمعه اتى ليصبح انعكاس لكل شي في حياتى 

وهذه كانت المشكلة.

كان يقول لي كلامًا فيه حقيقة، لكنه كان يضع الحقيقة في طريق يجعلني أفهم عكسها. كنت أعرف أن الإرادة لله، وكان هو نفسه يتكلم عن الله والإرادة والحقيقة، لكنني خرجت من كلامه بمعنى آخر تمامًا. بدل أن أفهم أن القوة لا تكون لي، فهمت أن عليّ أن أستخدمها. وبدل أن أفهم أن الإرادة لله، فهمت أن عليّ أن أحارب بها.

كنت في تلك اللحظة محتاجًا إلى شيء أتشبث به، وكان كرم قد اختفى، وكنت أشعر بالضعف، فجاء هذا الملاك في الصورة التي كنت أحتاج أن أراها. لذلك صدقته بسهولة. لم أكن أراه كعدو، ولم أشعر أنه يخدعني بطريقة مباشرة. كنت اصدق أنه يقول الحقيقة، لكنني كنت أستقبل الحقيقة من الزاوية التي تناسب الحالة الموجودة بداخلي.

خرجت وأنا أحمل هذه الصورة معي.

بقيت الرؤية، وبقي الإحساس، وبقي السمع. كنت أرى الأشياء وألمسها وأشعر بقصتها، وأسمع أصواتًا كأنها تأتي من مكان تحت الماء؛ أصوات مكتومة، لا تأتي من صدى، ولا أعرف من أين تخرج، وكأنها تأتي من واقع آخر. كنت أشعر أن هناك شيئًا يحدث حولي لا أستطيع أن أحدد حقيقته، وكلما حاولت أن أفهمه وجدت نفسي داخل صراع أكبر.

كان هناك سائق يقودني.

وكان هناك شهيد اختفى من أمامي.

وبعد اختفاء الشهيد لم أعد أرى الجمال الذي كنت أراه معه، ولم أعد أعرف معنى الحكمة بالطريقة نفسها. أصبحت الصورة التي أمامي أقوى من الكلمة التي خلفها، وأصبحت القوة والقدرة والسلطة هي الأشياء التي تشدني إليها الرؤية.

كنت أشعر أنني أستطيع أن أفعل.

أستطيع أن أغير الواقع.

أستطيع أن أحسم الصراع.

أستطيع أن أقف أمام أي مواجهة.

وأستطيع أن أخرج محاربًا.

لم أكن قد فهمت بعد أنني لم أخرج من الخلوة لأصبح أقوى، وإنما خرجت وأنا أحمل غطاءً جديدًا للقوة. كنت أرى نفسي بوجه ملائكي يريد أن يحارب الشر، لكنني لم أكن أعرف أن بداخلي شيئًا آخر، وأن الحرب التي بدأت أستعد لها في الخارج كانت تحمل في داخلها صراعًا لم أكن قد رأيته بعد.

كنت أرى القوة التي عرفتها من قبل، قوة الأسد، وأشعر بذلك الثقل الذي يجعلني أظن أنني قادر على شق الأرض والانتصار في أي صراع، وكنت أرى أن كل مواجهة يمكن أن تنتهي بانتصاري. لبست ثوبًا نصفه نور، وكنت أظن أنني بذلك أصبحت في المكان الصحيح.

لكنني لم أكن أعرف أنني بدأت أصدق الصورة بدل أن أراقبها.

لم أكن أعرف أنني خرجت من الخلوة وأنا أريد أن أثبت شيئًا لنفسي.

ولم أكن أعرف أنني عندما قلت في داخلي « أنا أستطيع »، بدأت القوة تتحول من نعمة أراها إلى هوية أعيش بها.

كان الملاك قد ظهر أمامي جميلًا، لكنني شعرت بالظلام خلف مظهره.

ومع ذلك تبعته.

لأنني في ذلك الوقت لم أكن أعرف أن الإنسان يمكن أن يرى الحقيقة، ثم يفهمها بالطريقة التي تقوده بعيدًا عنها.

خرجت من الخلوة وأنا أظن أنني عرفت طريقي.

لكنني في الحقيقة كنت قد بدأت أرتدي الثوب الذي سيأخذ مني فوزي.

الحرب التى جعلتنى اخلع ثيابي 

بعد أن خرجت من الخلوة وأنا أصدق ما رأيت، بدأت أعيش القوة بطريقة مختلفة. لم تعد مجرد قدرة تظهر وتختفي، وإنما أصبحت جزءًا من صورتي عن نفسي. كنت أرى أنني أستطيع أن أغير الواقع بما أفعله، وأستطيع أن أحسم الصراع، وأستطيع أن أقف أمام أي مواجهة، ومع الوقت أصبحت كل معركة أدخلها تثبت لي أنني أسير في الطريق الصحيح. كنت أرى نفسي في ثوب متزن نصفه نور، وأحارب ما أراه ظلمًا، وكانت نهاية كل معركة في نظري انتصارًا، حتى بدأت المعارك الوهمية تأخذ مكان المعارك الحقيقية في حياتي، وبدأت أعيش واقعًا مختلفًا عن الحقيقة دون أن أعرف أنني أنا الذي أحوله إلى حقيقة.

اشرب مخدرات اقوم بافعال شهوانية وفى نفس الوقت مؤمن اننى جندي من جنود الله كنت اوهم نفسي ان ميزان الزنوب والثواب يلزم ان يكون معتدلا والله قادر ان يغفل لك كل ذنوبك مادمت لا تؤذي انسان وتحولت الى ملاك بداخله جانب مظلم اشعر انى خطاء لكن ما اراه يدل ان فى واقع مختلف يلزم على ان اصدقه 

كان الشيطان دائما يفتح أبوابًا منطقية جدًا، ومن بينها الموسيقى المعكوسة والرسائل المموهة التي بدأت أبحث فيها، وكنت أرى أن هناك رسائل تساعد الشيطان على قيادة الإنسان من رغباته. وكلما ازداد غضبي مما أراه يحدث في عقول الشباب، وأنا واحد منهم، عاد إليّ شيء من الضجيج الذي كنت قد عرفت كيف أسقطه من قبل. بدأت أربط كل ما أراه بهذه الحرب، وكنت أشعر أنني لا أستطيع أن أقف بعيدًا عنها، لأنني أرى في داخلي صورة شخص لديه مهمة.

وفي ذلك الوقت ظهرت أمامي قصة محمد رمضان. كنت أرى في بعض أغانيه، وخصوصًا «إنساي»، معاني تظهر بوضوح عند عكس الموسيقى والكلمات، وكنت أرى فيها تقديسًا لإبليس والشيطان وكلمات تبعد الإنسان عن الطاعة. لذلك أصبحت أراه في نظري من أعوان الشياطين. لم تكن المسألة بالنسبة لي أغنية أو فنانًا فقط، وإنما كنت أرى أمامي جزءًا من الحرب التي أؤمن أنني موجود فيها.

وهنا كانت المشكلة الحقيقية أنني لم أدخل المواجهة كشخص يناقش فكرة أو يختلف مع إنسان، وإنما دخلتها وأنا مرتدٍ الصورة التي صنعتها لنفسي طوال سنوات. كنت أرى نفسي جنديًا محاربًا من جنود الله، وأرى أن عليّ أن أواجه من أعتقد أنه يقف في الجانب الآخر. كنت قد تعودت على الانتصار في الأشياء التي أخوضها، ولذلك لم يكن في داخلي مكان حقيقي لفكرة أنني يمكن أن أفشل.

دخلت المواجهة.

وفشلت قبل ان ابدا 

لم تكن الصدمة أنني لم أصل إلى النتيجة التي أردتها، وإنما السؤال الذي خرج من الفشل نفسه. إذا كانت هذه قضيتي أنا مع الله، وإذا كنت أقول عن نفسي إنني جندي من جنود الله، فكيف تكون الحرب محسومة بالخسارة حتى قبل أن تبدأ؟

 كيف يمكن أن أرى شخصًا أمامي جزءًا من الشر، وأدخل مواجهته وأنا أعتقد أنني أحارب من أجل الله، ثم لا أستطيع أن أحقق ما كنت أعتقد أنني سأحققه؟

وقتها اهتزت الصورة التي صنعتها عن نفسي

شعرت بحزن تجاه ربي، لكنني لم أفهم في اللحظة نفسها أن هذا الحزن كان يعود إليّ أنا. كنت أحزن لأنني لم أعد أعرف أين قوتي، وأين الحقيقة، وأين الصورة التي صنعتها لنفسي. كنت قد جعلت من القوة دليلًا، ومن الانتصار دليلًا، ومن الرؤية دليلًا، ومن تكرار الناس لما أراه دليلًا آخر. وفجأة وقفت أمام شيء لا أستطيع أن أحسمه، ولا أستطيع أن أفرض عليه النتيجة التي كنت أريدها.

لأول مرة بدأت أشك في طريقتي نفسها.

ربما لم تكن المشكلة أنني أضعف من المواجهة.

وربما لم تكن المشكلة أن الطرف الآخر أقوى مني.

ربما كانت المشكلة أنني كنت أرى الحقيقة كما أريد أن أراها، لا كما هي.

كانت هذه الفكرة أشد ألمًا من الخسارة نفسها. لأنني كنت أستطيع أن أتحمل هزيمة في معركة، لكنني لم أكن أعرف كيف أتحمل احتمال أن تكون الصورة التي بنيت عليها حياتي كلها هي التي تهتز. ماذا يبقى مني إذا لم أكن ذلك المحارب؟ 

ماذا يبقى من القوة إذا لم تكن دليلًا على أنني صاحب مكانة؟ وماذا يبقى من «جندي الله» إذا كانت الحرب نفسها التي اعتقدت أنني أخوضها لم تكن كما تخيلتها؟

بدأت أنظر إلى السنوات السابقة من مكان مختلف. تذكرت كيف كنت أقول: أنا أستطيع. كنت أعتقد أنني أستطيع تغيير الواقع بأفعالي، وأن ما أراه في داخلي يمكن أن يتحول إلى واقع، وكنت مؤمنًا بقضيتي إلى درجة جعلتني لا أرى أن القضية نفسها يمكن أن تكون غطاء. كنت أريد الوجه الملائكي في نفسي، الوجه الذي يحارب الشر وينتصر، بينما كان بداخلي وجه آخر لا أريد أن أراه.

ثم فهمت شيئًا جعل الألم أعمق: لم أكن أرى المعارك كما هي، بل كنت أعيشها من الصورة التي صنعتها لنفسي. كل انتصار كان يجعلني أكثر اقتناعًا بالشخصية التي صنعتها، وكل خسارة كانت تهدد هذه الشخصية كلها. لذلك لم تكن هزيمتي أمام محمد رمضان مجرد موقف عابر، وإنما كانت أول مرة لا أستطيع فيها أن أُسكت السؤال الذي ظل يحاول الوصول إليّ من سنوات.

أنا أحارب من؟

ولماذا؟

ومن أجل من؟

ولأول مرة لم أجد الإجابة في القوة.

عندها بدأت أشعر أنني لا أحارب العالم كما كنت أعتقد، وإنما أحارب صورة داخلية صنعتها عن نفسي وعن دوري وعن الحقيقة. بدأت أفهم أنني أخذت ما رأيته في رحلتي، ثم بنيت فوقه ثوبًا كاملًا: صائد الأرواح، ثم المحارب، ثم الجندي، ثم صاحب القضية. وكلما زادت القوة، زاد الثوب، حتى أصبحت لا أعرف أين ينتهي فوزي وأين تبدأ الشخصية التي صنعتها.

ولم يكن هدفي يومًا أن أصبح مشهورًا عرض علي فرص الشهرة ولم اهتم بها ليس لدي اي رغبة فى شهرة أو أن أملك سلطة على الناس. كان هدفي أن أثبت الصورة التي رأيتها عن نفسي، أن أثبت أنني لست ذلك الإنسان العادي الذي يعيش ويخطئ ويضعف، وإنما شخص لديه رسالة وقوة وقدرة على مواجهة الشر. لكن عندما فشلت، لم يعد ممكنًا أن أهرب إلى الصورة القديمة بنفس السهولة.

وفي هذه اللحظة بدأت أرى شيئًا آخر.

كنت قد تركت الصلاة تدريجيًا، وبدأت أقول لنفسي إنني متصل بربي دائمًا، ولا أحتاج إلى الصلاة كما كنت في البداية. كنت أذكر الله وأتأمل وأشعر أن علاقتي به موجودة، لكنني لم أنتبه أنني وضعت غطاءً فوق شيء كان في بداية رحلتي سببًا في سقوط الضجيج. وعندما شعرت بالراحة غفلت عن المسجد، ثم أصبحت الصلاة متقطعة حتى انقطعت، ولم أكن أعرف أنني بهذه الطريقة كنت أبتعد بهدوء وأنا أظن أنني ما زلت قريبًا.

ثم عاد الضجيج من جديد.

لم يعد كما كان في طفولتي، لكنه عاد بصورة أخرى؛ غضب، ورغبة، وصراع، وإحساس بأن عليّ أن أفعل شيئًا. وبدأت أتحول من شخص يبحث عن الله إلى شخص يريد أن يثبت أنه على حق. كان ذلك هو الاهتزاز الحقيقي الذي سبق خلع الثياب.

شعرت وكأن شجرة كنت أظن أنها ثابتة تهتز من جذورها، وكأنها ماتت وهي ما زالت واقفة. لم يكن ما يهتز هو إيماني بالله فقط، وإنما كل الصورة التي وضعتها فوق نفسي باسم الإيمان.

وهنا اتخذت القرار.

لم أقل لنفسي وقتها إنني سأبدأ حياة جديدة، ولم أكن أعرف أن أمامي ست سنوات من الضعف والتيه، ولم أكن أعرف أنني سأبحث عن فوزي الذي ضاع مني. كنت أعرف فقط أنني لم أعد قادرًا على حمل هذا الثوب.

خلعت ثوب الملاك الذي كنت أراه يحارب الشر.

خلعت صورة الجندي الذي ظننت أنني أنا.

وتركت كل شيء يخص فوزي خلفي، وكأنني أعاقب نفسي على الصورة التي صنعتها عنها، وكأنني أردت أن أتمرّد على الشخص الذي أصبحت عليه دون أن أعرف كيف أعود إلى الشخص الذي كنت عليه.

في تلك اللحظة لم أكن أعرف أنني لم أخلع قوتي فقط.

كنت أخلع فوزي.

قبل أيام من كورونا رأيت حلمًا قصيرًا، لكنه كان مختلفًا عن كل ما اعتدت أن أراه. لم يكن طويلًا ولا مليئًا بالأحداث، لكنه جاء بصورة واضحة ومخيفة كأنها مشهد اقتطع من عالم آخر.

رأيت مكانًا يشبه مقرًا إداريًا، وكان في المكان أشخاص مقيدون بسلاسل طويلة. لم أفهم لماذا كانوا هناك، ولا من الذي وضعهم في هذا المكان، لكن وجودهم وحده كان يحمل شعورًا بالعجز. ثم رأيت الدبالذي كنت اراه من بعيد فى طفولتي 

كان الدب هو أكثر ما ثبت في المشهد. لم يكن واقفًا بعيدًا أو عابرًا أمامي، كان في قلب المكان، وكان ينهش القلوب بنهم. الدماء في كل مكان، والمشهد كله يحمل معنى الموت والخوف. رأيت الصدر يُشق، والقلب يُنتزع، وكأن الدب لا يريد من الإنسان إلا قلبه. لم يكن الأمر مجرد قتل، كان افتراسًا، وكأن شيئًا ما يتغذى على ما يشعر به الإنسان.

ظللت أنظر إلى المشهد وأنا أشعر بشيء لا يشبه الخوف وحده. كان هناك سؤال أكبر من المشهد نفسه: لماذا يحدث كل هذا؟ وكيف يمكن أن يكون الإله موجودًا ويسمح بكل هذا الفساد وهذا الشر؟

استيقظت والحلم لم يختفِ من رأسي. بقي الدب، وبقيت الدماء، وبقي ذلك الشعور الذي تركه المشهد في صدري. حاولت أن أفهم ما رأيت، وبدأت أبحث عن معنى للصورة. لم أكن أرى الحلم مجرد حلم يمر وينتهي، لأنني كنت معتادًا أن أتعامل مع ما أراه باعتباره شيئًا يحمل رسالة، ولذلك بدأت أربط بين الدب وبين أشياء أراها في الواقع.

كنت أبحث عن ذلك المكان الذي يشبه المقر الإداري، وعن الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا وراء ما يحدث، وعن أصحاب السلطة والمؤثرين وكل من يمكن أن يكون له علاقة بهذا المشهد. كنت أريد أن أعرف من هو الدب، ولماذا رأيته بهذه الصورة، ولماذا كان هناك كل هذا الدم وهذا الخوف.

وفي أثناء ذلك ظهر لي كرم من بعيد.

كان صوته ضعيفًا، وكأنه يحاول أن يصل إليّ من مكان بعيد، لكن شيئًا ما كان يمنعه من الاقتراب. رأيته، لكنني لم أتوقف عنده. كان المشهد الذي أمامي أقوى من كل شيء آخر، وكنت أريد أن أفهم الدب وما رأيته، لا أن ألتفت إلى شيء آخر.

ظل الحلم يرافقني بعد ذلك. كلما تذكرت القلب الذي يُنهش والدماء التي كانت في المكان، عاد إليّ نفس السؤال. لم أكن أعرف لماذا رأيت هذا كله، ولا لماذا ظهر الدب بهذه الصورة تحديدًا، لكنني شعرت أن وراء المشهد شيئًا لم أصل إليه بعد.

وبينما كنت أبحث في الخارج عن صاحب هذا الوجه، كان داخلي قد بدأ يهتز بطريقة لم أفهمها وقتها. لم يكن لدي تفسير، ولم أكن أعرف إلى أين سيأخذني هذا الحلم، لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط: أن الصورة التي رأيتها لم تنتهِ عندما استيقظت، وأن الدب لم يغادرني مع انتهاء الحلم.
هنا كان الحلم فسرته على شكل توقع متابعينى وصلوا الى 100 الف مشترك وجميعهم يتبعون الجانب الابيض افيد بدون ضلال لكنى كنت اضل نفسي اشرح كيف يتصل الانسان بالله وانا اغفل بداخلى اعلم القوة وانا اعانى من ثقلها وتعبها اساعد الناس وانا بداخلى يحتاج من يساعدنى وفى نهاية هذا النقض حسرت حرب لم تبدا ورايت دب ينهش القلوب فتوقعت ان يوجد مرض ينتشر فى كل الارض وينشر معه الموت وتزامن رؤيتي مع ظهور مرض كرونا 

كنت أكثر ثباتًا أمام الناس مما كنت عليه بيني وبين نفسي. كانوا يرون رجلًا يعرف ماذا يريد، يملك الكثير من المال، يستطيع أن يساعد الناس، ويتحرك في حياته بثقة، بينما كنت عندما أبقى وحدي أشعر بشيء آخر تمامًا؛ مال كثير، وقدرة كثيرة، لكن احترام قليل لنفسي. كنت أستطيع أن أدخل إلى حياة إنسان وأساعده، وأفعل أشياء لم أرها شرًا، وكنت أرى نفسي الروحاني الذي يحمل رسالة ولا يريد أذى أحد، لكن بداخلي كان هناك شيء لا أريد أن أقترب منه كثيرًا.


كنت أعيش الصورة التي صنعتها لنفسي وأحاول أن أثبتها. صورة الإنسان الذي عرف شيئًا لا يعرفه غيره، الذي يستطيع أن يواجه، ويغير، وينتصر. كنت أقول لنفسي إنني جندي من جنود الله، وإن الحروب التي أخوضها لها معنى، وإن كل ما يحدث حولي جزء من قضية أكبر. لكن عندما بقيت وحدي، لم تكن القوة هي أول شيء أشعر به، كان الثقل.
كنت أشعر أنني أحمل نفسي فوق طاقتها. كلما حاولت أن أظهر بصورة أقوى، ازداد شيء بداخلي ضعفًا. وكلما حاولت أن أثبت أنني أعرف الطريق، شعرت أنني أبعد عن نفسي. لم يكن الناس يرون هذا الصراع، لأن الثبات الذي أظهره لهم كان شيئًا، وما يحدث داخلي كان شيئًا آخر.
بعد فشل المواجهة التي دخلتها وأنا أعتقد أنني أخوض معركة محسومة، بدأت الصورة التي بنيتها تهتز. لم يعد السؤال عندي كيف أنتصر، بل كيف أستطيع أن أكون جنديًا من جنود الله وأنا أشعر بهذا الثقل كله؟ 

كيف يمكن أن تكون قضيتي هي قضية الله، وأنا الذي يبتعد عنه في أشياء أعرفها في داخلي؟ 

وكيف وصلت إلى أن أبرر لنفسي أشياء ثم أطلب من نفسي في الوقت نفسه أن أكون نموذجًا للحق؟
وكان أصعب ما اكتشفته أنني لم أكن أظلم أحدًا عمدًا، لكنني كنت أختار أن أظلم نفسي. كنت أضع فوقها غطاءً في كل مرة أجد فيها شيئًا لا أريد مواجهته. أقول إنني متصل بربي دائمًا، فلا أحتاج إلى الصلاة كما كنت أفعل من قبل. أقترب حين أريد، وأبتعد حين أرتاح، ثم أضع على هذا الابتعاد تفسيرًا يجعلني لا أشعر بما فعلته. كنت أبحث عن صورة ترضي اعتقادي عن نفسي أكثر مما أبحث عن نفسي نفسها.


كان الجميع يقترب منى لكن فى نفس الوقت اشعر انهم اما يريدون مني شيئا او يقتربوا لانهم يخافوا منى كان الجميع يشعر ان بداخلي ظلام ويتكلم ويثبت انه يصدق وجهي الملائكى خوفا مني كنت اشعر فى قلوب كل من عرف فوزى الخوف والاستغلال لذلك قررت اخلع ثياب فوزى واتجرد منه كنت اريد اكون شخص اخر يعيش فى مكان لا يعرفه احد غيرت اسمى وعملت فى مجال المؤثرات الصوتية والبصرية باسم جديد ثياب جديدة بلاد جديدة كل شيء من جديد فضلت ان افعل هذا لاني كنت اشعر ان الانتحار يسيطر على كنت اتعب من حمل القوة ولا اريد الاسد ولا اريد الدب الذي ينهش القلوب بغريزته ولا اريد اي من القوة التى اراها فى رؤيتى اريد ان ابعد عن كل ما يظهر مرتبط بفوزى ولا اريد شيء يذكرنى بوجوده حتى لا اقتله وانهي حياتى معه 

كنت اتالم لان الضجيج كان مازال موجود لكنه ناعم لا يظهر اصوات لكن يظهر صراع بداخلي بين ذاتى ونفسي الم لم استطيع التعبير عنه وصراعات فى كل مكان الاهل يريدون منى العيش حياة طبيعية زواج بيت لكن كنت بداخلى اشعر اني مرتبط بالروحانيات واعلم جيدا اننى سوف يتم رفضي من اى بيت الحل كان الذي امامي ان اخلع جلدى منى لم اكن اريد ان اغير حياتى كنت اخلع فوزى 

حياة القرد 

بعد أن خلعت ثوبي وتركت اسمي القديم، بدأت أعيش فترة طويلة وأنا أشعر أنني فقدت شيئًا لا أعرف كيف أستعيده. كنت قد تخلّيت عن القوة التي عشت بها سنوات، لكنني لم أكن أعرف ماذا سيأتي بعدها. وبعد فترة، بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا؛ الحيوانات التي كنت أراها من قبل في رؤاي لم تعد تظهر بالطريقة نفسها. لم أعد أراها وحدها في العوالم التي اعتدت دخولها، وإنما بدأت أراها في أشخاص قريبين مني، أشخاص يدخلون حياتي ويتركون بداخلي شعورًا مألوفًا جدًا، كأنني رأيت هذا الشعور من قبل، لكنني لم أكن أعرف أين.

كان أولهم القرد.

لم يظهر لي كقرد يمشي أمامي، وإنما ظهر في صورة إنسان. شخص يحمل شيئًا من الذكاء والدهاء وسرعة الحركة، يعرف كيف يتحرك بين الأشياء، وكيف يلتقط الفرص، وكيف يجعل الصورة تبدو أجمل مما هي عليه. اقترب مني في وقت كنت فيه في أسوأ حالاتي من الداخل، ولذلك لم أره كما يمكن أن يراه شخص يقف بعيدًا. كنت أحتاج إلى شيء يعيد إليّ الإحساس بأنني ما زلت أستطيع أن أفعل شيئًا، وأن السنوات التي تركت فيها فوزي لم تذهب كلها هباءً.

كان يحمل معرفة كبيرة، ووجدت نفسي أتعلم منه أشياء كثيرة. كان في عالم التأثيرات الصوتية والبصرية، وفي الذكاء والدهاء، وفي طريقة التعامل مع الأشياء والأشخاص، حتى إنه أهداني رسالة الدكتوراه الخاصة به في هذا المجال. أخذت العلم، وأخذت معه ثقة في الكلام والمظهر والحركة، وكأنني وجدت شيئًا أستطيع أن أرتدي به مكانة جديدة بعد أن خلعت المكانة القديمة.

بدأت أعمل في هندسة البيئة الصوتية والبصرية، وعندما دخلت هذا المجال تعمقت فيه حتى وصلت إلى خبرة ومكانة كبيرتين. كنت أتعلم بسرعة، وأفهم التأثيرات، وأعرف كيف يمكن للصوت والصورة أن يتركا أثرًا في الوعي. كل شيء كان يسير، وكانت الفرص تأتي، والمال يأتي معها، لكن شيئًا واحدًا لم يكن يأتي؛ الاستقرار.

كنت أتحرك باستمرار، من صفقة إلى صفقة، ومن عالم إلى عالم، ومن مكان إلى مكان، كأنني أتنقل بين أغصان شجرة كبيرة ولا أجد الغصن الذي يمكنني أن أستقر عليه. من الخارج كان يمكن أن يبدو أنني أتقدم، لكن من الداخل كنت أعرف أن هناك شيئًا ناقصًا. كنت أتزين بالمعرفة، وأتكلم بثقة، وأحاول أن أظهر بصورة شخص يعرف ما يفعل، لكن كل من يقترب مني كان يشعر بشيء لم أكن أريد أن يراه.

كان يشعر بضعفي.

وكنت أخفي هذا الضعف بزينة القرد؛ بالذكاء، وبالمعرفة، وبالمظهر، وبالثقة التي أظهرها في كلامي. لم أكن أشعر أنني كاذب مع الناس، لأنني بالفعل كنت أمتلك علمًا وخبرة وأستطيع أن أساعد، لكنني كنت أعرف في مكان عميق بداخلي أن هناك فراغًا لا تستطيع كل هذه الأشياء أن تملأه.

كنت أعيش في مكانة كبيرة، وامتلكت من المال ما يكفي، وحققت أشياء كنت أظن أنني أريدها، لكنني لم أشعر أنني عدت إلى البيت الذي كنت أبحث عنه. حتى البيت الذي تمنيت يومًا أن أعيش فيه لم يمنحني ذلك الشعور. كنت أعيش في حياة تبدو جميلة من الخارج، بينما بداخلي شيء لا يعرف أين يضع نفسه.

وبدأت أشتاق إلى فوزي أكثر.

كنت قد ظننت أنني عندما أغير اسمي ومكاني وأترك كل ما يخصه خلفي سأبدأ من جديد، لكنني اكتشفت أن الإنسان يستطيع أن يغير كل شيء حوله ويبقى في داخله يبحث عن الشخص نفسه. كنت أريد أن أرجع إليه، إلى فوزي الذي تركته في بداية الرحلة، وحاولت أن أبحث عنه وأنا أتحرك وأعمل وأتعلم وأحقق، لكنني كلما ظننت أنني اقتربت منه وجدته أبعد.

حتى الناس الذين كانوا يقتربون مني لم يكونوا يرون فيَّ الشخص الذي كنت أظن أنني أصبحت عليه. كنت أتكلم، وأشرح، وأعلم، وأظهر الثقة، لكنني في داخلي كنت أشعر أنني لا أستطيع أن أتكلم مع إنسان بطريقة سوية من شدة ما كنت أخفيه. كان هناك ستار بيني وبين الآخرين، وأحيانًا كنت أشعر أنني أراهم من بعيد ولا أستطيع أن أقترب منهم كما كنت أفعل من قبل.

ومع الوقت بدأت أشعر بالندم وادخل فى حالة التضحية 

ليس فقط على القوة التي تركتها، وإنما على فوزي نفسه. بدأت أشعر أنني لم أضحِّ بثوبي فقط، بل تركت وراءي شيئًا أكثر قيمة، شيئًا لم أعرف قيمته وأنا أتركه. كنت قد خرجت أبحث عن بداية جديدة، لكنني كلما تقدمت في الطريق، شعرت أنني ابتعدت أكثر عن الشخص الذي أريد أن أستعيده.

وهكذا بقي القرد معي.

أخذت منه الذكاء، وأخذت منه المعرفة، وأخذت منه القدرة على التجمّل بالمظهر والكلمة والعلم، لكنني لم أجد معه ذلك الشيء الذي كنت أبحث عنه منذ خروجي: فوزي.

الثور الذي احببته

بعد القرد، لم ينتهِ شعور التضحية بداخلي. بالعكس، أصبح أوضح. كنت قد تركت القوة، وابتعدت عن فوزي، ثم عشت بالمعرفة والمظهر والذكاء وأنا من الداخل أشعر بفراغ لا أعرف كيف أملؤه. كنت أشعر أنني ضحيت بشيء كبير، وأنني كلما حاولت أن أتعوض بشيء آخر عاد إليّ نفس الإحساس: أن هناك شيئًا تركته ورائي ولن أستطيع أن أستعيده بسهولة.

ثم ظهر لي الثور مرة أخرى في قصتي، لكن هذه المرة لم أره كما كنت أراه في أحلامي. جاءني في صورة إنسان.

كان في هذا الإنسان شيء جعلني أتوقف أمامه طويلًا. كنت أرى فيه شخصًا قرر أن يضحي بنفسه من أجل غيره، يتبع من اختاره دون تردد، وكأن التضحية عنده ليست قرارًا يفكر فيه كل مرة، وإنما طريقًا يسير فيه مهما كان الثمن. كنت أشعر بما يحمله، وأشعر بثقل ما يفعله، وكلما اقتربت منه زاد إحساسي بأنني أعرف هذا الشعور من قبل. حتى عاد الى الثور في احلامى 

كان الثور يعود إليّ في داخلي كل عيد أضحى بطريقة تؤلمني. كنت أمرض من شدة الألم الذي أشعر به تجاه هذا الشخص المرتبط بهذه الحالة. لم يكن الألم لحظة وتنتهي، كان يعود ويتكرر، وكأن شيئًا في معنى التضحية نفسه يضغط على مكان قديم بداخلي. كنت أراه يضحي من أجل الآخرين، وأرى كم يمكن للإنسان أن يعطي من نفسه حتى يصبح ما يقدمه أكبر منه، ثم يبقى بعد ذلك ينظر إلى ما ضحى به ولا يعرف هل كان يستحق كل هذا أم لا.

ورغم الألم، أحببت الثور.

أحببت فيه ذلك الإنسان الذي يختار أن يعطي، والذي يستطيع أن يتحمل من أجل غيره، وشعرت أنني للمرة الأولى لا أريد أن أهرب من هذه الصورة. كنت قد قضيت وقتًا طويلًا وأنا أرفض الضعف والتضحية، وأبحث عن القوة التي تجعلني قادرًا على المواجهة، لكن شيئًا في الثور جذبني. كنت أشعر أن وراء هذه التضحية شيئًا أعرفه، شيئًا مررت به أنا من قبل، حتى لو لم أستطع وقتها أن أضع يدي على معناه.

وأنا أقترب منه أكثر، حدث شيء لم أكن أتوقعه.

ظهر لي نور ابنى .

عاد إليّ جزء من البصيرة التي كنت قد اشتقت إليها لسنوات، وكأن طبقة كانت قد اختفت عادت فجأة. كان هناك اشتياق دام ثلاثة أعوام، ثم جاء معه رزق وفير، وأشياء بدأت أرى معها كيف يمكن أن تتحقق الأحلام التي كنت أظن أنها بعيدة. شعرت أنني أتنفس مرة أخرى، وأن شيئًا كان مغلقًا بداخلي بدأ يفتح.

أحببته قبل أن أكون علاقة به؛ لأنه كان مصدرًا دائمًا لفرحة القلب.

كنت أجد فيه شيئًا يجعلني أفرح من الداخل، شيئًا لم أكن أبحث عنه في البداية كعلاقة، وإنما كشعور. ومع هذا الفرح، عاد إليّ اشتياق قديم آخر؛ اشتقت إلى قوة الأسد. اشتقت إلى تلك الطاقة التي كانت تجعلني أشعر بحالة جميلة بيني وبين نفسي، وإلى ذلك التأثير الذي كنت أشعر معه أنني أستطيع أن أقرأ العقول وأعرف كيف أوجهها.

وهنا بدأت أعيش التناقض من جديد.

كنت قد أحببت الثور لأنه يضحي، بينما كان جزء مني ما زال يشتاق إلى الأسد الذي لا يريد أن يضحي بقوته. كنت أقترب من حالة تمنحني الفرح، وفي الوقت نفسه أشتاق إلى حالة تمنحني القوة. ولم أكن أعرف وقتها أنني كنت أتنقل بين هذه الصور كما كنت أتنقل في حياتي كلها، وأن كل مرة كنت أقترب فيها من صورة كنت أترك أخرى خلفي.

لكن الثور بقي مختلفًا.

لم يكن بالنسبة لي مجرد شخص ظهر في حياتي ثم اختفى، كان شعورًا عشت معه الألم والفرح معًا. كنت أتألم من تضحيته، ثم أحببته بسببها، وكلما ازداد حبي له ازداد إحساسي أن وراء هذا الحب شيئًا أعمق مما أراه اشتياقي لنفسى وثياب فوزى التى تركتها عامان .

وللمرة الثانية، وجدت نفسي أمام حيوان أعرفه من سنين طويلة، لكن هذه المرة لم يكن في حلم بعيد.

كان أمامي إنسان أعيش معه القصة، وأشعر فيها بما لم أكن أعرف كيف أصفه من قبل.

كنت قد أحببت القرد لأنه أعاد إليّ الذكاء والمعرفة بعد أن خسرت قوتي، والآن أحببت الثور لأنه أعاد أمامي معنى التضحية التي كانت تؤلمني. ولم أكن أعرف بعد إلى أين سيقودني هذا الحب، ولا لماذا تتكرر الحيوانات في حياتي بهذه الطريقة، لكنني بدأت أشعر أن كل واحد منهم يأتي ومعه شيء أعيشه أنا قبل أن أفهمه.

كلبي تيتو 

عندما عرفت أن ابني على وصول إلى الحياة، بدأت أشعر أنني لا أستطيع أن أكمل الهروب من فوزي. كنت قد عشت وقتًا طويلًا أبحث عنه في أماكن مختلفة، وفي أشخاص مختلفين، وفي القوة والمعرفة والحب، لكن فكرة أن طفلًا سيأتي إلى الدنيا جعلتني أفكر بطريقة مختلفة. لم أعد أريد أن أبدأ حياة جديدة فقط، كنت أريد أن أرجع إلى حياتي أنا. قررت أن أرجع إلى فوزي، وأن أحاول أن أعيد ثوبي، وفي طريق العودة إليه رجعت إلى أقدم شخص عاش معي قصتي كلها تقريبًا.

كلبي.

كان موجودًا في حياتي منذ خمسة عشر عامًا. خمسة عشر عامًا ليست مدة قصيرة بالنسبة لي، لأنه لم يكن مجرد حيوان يعيش في البيت. كان رفيق طريقي. خرج معي، وعاش معي، وعرف تغيراتي، وشافني في أوقات لم يرني فيها أحد. كنت أشعر أنه يفهمني دون أن أتكلم. كان يشعر بألمي قبل أن أشرح له شيئًا، وإذا كنت غاضبًا كان يحتمل غضبي حتى لو كان بسبب شيء تافه، وإذا كنت حزينًا كان وجوده وحده قادرًا على أن يعيد إلى وجهي شيئًا من الضحك.

بعد وفاة جدتي كنت قد فقدت جزءًا كبيرًا من الحب الذي كنت أعرفه، وظل هذا الكلب قريبًا مني بطريقة لم أعرف كيف أشرحها. كنت أشعر أن الحب الذي لم أجده بسهولة في البشر وجدته عنده. لم يكن يسألني لماذا أنا غاضب، ولم يكن يطلب مني أن أشرح له نفسي، ولم يكن يتغير لأن حالتي تغيرت. كان موجودًا فقط.

ومع الوقت تحولت صداقتنا إلى شيء أعمق من مجرد علاقة بين إنسان وكلب. كنت أراه في أحلامي، وأشعر أحيانًا أننا نتكلم بطريقة لا تحتاج إلى الكلام. وفي بعض الأحلام كنت أراه يصارع معي، وكنت أشعر وقتها أنني أحمل القوة وكل ما يحيط بها، بينما هو موجود إلى جواري دون أن يتركني. لم أكن أعرف لماذا يحدث ذلك، ولم أكن أبحث عن معنى أكبر من التجربة نفسها. كان هو كلبي الذي أعرفه، والذي عاش معي سنوات طويلة.

لكنني عندما خلعت ثياب فوزي، تركته أيضًا.

فجأة خرجت من حياته كما خرجت من أشياء كثيرة في حياتي. تركته خلفي، ومضيت. كنت أظن وقتها أنني أحتاج إلى بداية جديدة، وأن كل ما يخص فوزي القديم يجب أن يبقى في الماضي، ولم أفكر بما يفعله هذا الرحيل في شخص ظل معي خمسة عشر عامًا.

مر الوقت.

وبعد عامين تقريبًا حاولت أن أرجع إلى فوزي مرة أخرى. عدت إلى المكان الذي تركته فيه، وعدت إلى كلبي، لكنني اكتشفت شيئًا لم أكن مستعدًا له.

لم يشعر أنني الشخص الذي يعرفه.

كنت أنظر إليه وأقول في داخلي إنني عدت، لكن إحساسه بي كان مختلفًا. كنت أعرفه منذ خمسة عشر عامًا، ومع ذلك شعرت أنه هو الذي ينظر إليّ ويقول لي شيئًا أقسى من أي كلام:

أنت لست أنت.

كنت أحاول أن أعوضه. أهتم به أكثر، وأقترب منه، وأحاول أن أعيد العلاقة إلى ما كانت عليه، لكنني كنت أشعر أن شيئًا انكسر في السنوات التي غبت فيها. لم يكن يرى فقط الشخص الذي عاد إليه، كان يرى الشخص الذي تركه.

وكان يتخاطر معي.

كنت أشعر منه برسالة واضحة: ما زلت لا أشعر بوجودك.

كانت هذه الكلمات تؤلمني. لأنني كنت موجودًا أمامه بجسدي، لكنني لم أكن موجودًا بالطريقة التي كان يعرفها. كنت أعود إليه وأنا أريد منه أن يعطيني ما فقدته، بينما هو كان ينتظر الشخص الذي عرفه قبل أن يرحل.

بدل أن أقترب من ألمه كما يجب، بدأت أتصرف بطريقة أخرى. أحضرت له كلبًا ذكرًا صغيرًا ليعيش معه، وكنت أظن أنني أفعل شيئًا من أجله، لكنني مع الوقت شعرت أنني كنت أؤذيه وأنا لا أشعر. كنت أضع حلولًا من عندي بدل أن أفهم ما يريده هو. كنت أتعامل معه كما لو أنني أعرف ما يصلحه، بينما هو كان يحتاج شيئًا أبسط بكثير؛ يحتاج صاحبه الذي فقده.

ثم رحل.

رحل كلبي، وسقط عليّ الخبر بطريقة لم أتوقعها.

لم أشعر أنها مجرد وفاة حيوان عاش معي. شعرت أن شيئًا انكسر بداخلي مات بسببي انا من اهملته شي بداخلى انكسر  لا يمكن إصلاحه بسهولة. دخلني شعور قاسٍ جدًا، حتى إنني شعرت كأنه انتحر بسببي. لم أستطع أن أفصل بين موته وبين كل ما حدث بيننا. كنت أتذكر السنوات التي عاشها معي ، وأتذكر كم أحبني، وكم فهمني، وكم تحملني، ثم أتذكر أنني أنا الذي تركته.

كان هذا الذنب أثقل من أشياء كثيرة فعلتها في حياتي.

بعد موته رأيته في أحلامي.

لم يأتني غاضبًا كما كنت أتوقع. جاءني بطريقة مختلفة. كان يقول لي إنه يسامحني، رغم أنني كنت أنا الذي لا أستطيع أن أسامح نفسي. كان يعود إليّ بكلمة أو رسالة واحدة بقيت معي طويلًا:

ارجع إلى نفسك.

كنت أسمعها ولا أعرف ماذا يقصد.

كيف أرجع إلى نفسي وأنا أصلًا أبحث عنها منذ سنوات؟

كنت قد غيرت اسمي، ومكاني، وحياتي، وابتعدت عن أشياء كثيرة، ثم حاولت أن أعود كتبت كتاب دليل عالم الروحانيات وجمعت فيه كل كلمة قالها فوزي ليرجع فوزي لي . لكن كلما فكرت في كلبي كنت أشعر أنني لم أخسره وحده؛ شعرت أنني خسرت جزءًا من الشخص الذي كنت عليه عندما كنت معه.

كان يعرفني قبل أن تصبح لدي كل هذه الصور عن نفسي. قبل القوة، وقبل المعرفة، وقبل أن أقول إنني جندي أو صاحب رسالة أو أقدر على تغيير الواقع. كان يعرفني وأنا فقط فوزي.

ولهذا كان ألم فقده مختلفًا.

كنت أبحث عن الحب في الخارج، عن شخص يفهمني، عن علاقة تعيد إليّ شيئًا فقدته، بينما كان هناك كائن عاش معي خمسة عشر عامًا وأعطاني هذا الحب دون أن يطلب مني أن أصبح شخصًا آخر. وأنا لم أكن قد فهمت قيمة ذلك إلا بعدما أصبح الوقت متأخرًا.

كلما عدت إلى قصته، كنت أرى شيئًا لا أستطيع الهروب منه: أنه لم يكن محتاجًا إلى فوزي القوي، ولا إلى الرجل الذي أظهر نفسه قادرًا على كل شيء. كان يحتاج فقط إلى صاحبه.

وأنا لم أكن ذلك الصاحب عندما احتاجني.

ظل شعور الذنب معي. لم يكن ذنبًا يمر وينتهي، كان يعود كلما تذكرت وجهه، وكلما تذكرت كيف كان يفهمني دون أن أتكلم، وكيف كان يتحمل غضبي، وكيف كنت أعتبر وجوده أمرًا مضمونًا لأنني كنت أظن أنه سيظل دائمًا هناك.

ثم لم يعد هناك.

وبقي هو في أحلامي. يسامحني، وأنا لا أزال ألوم نفسي.

وفي السنوات التالية بدأت أفهم أن ما حدث معه لم يكن مجرد حادثة حزينة في حياتي، لأنني حملت هذا الذنب معي إلى مراحل أخرى. كنت أظن أنني عاقبت أشياء كثيرة في نفسي عندما خلعت ثوبي، لكن أكثر شيء ظل يطاردني كان أنني خنت حبًا لم يطلب مني شيئًا.

وفي عام 2024، عندما دخلت في مرحلة أخرى من السقوط، عاد هذا الذنب بثقله القديم. شعرت أنني عاقبت نفسي بطريقة أقسى من أي عقاب، وأن قصة كلبي لم تنتهِ يوم مات؛ كانت قد بدأت يوم تركته، ثم بقيت بداخلي حتى أصبحت جزءًا من الطريق الذي كنت أحاول أن أفهم فيه ماذا فعلت بنفسي.

لم أكن أعرف وقتها لماذا قال لي في الحلم: ارجع إلى نفسك.

كنت فقط أعرف أنني افتقدته.

وافتقدت فوزي معه.

بعد رحيل كلبي دخلت في حالة لم أعرف كيف أصفها. لم يعد الأمر مجرد حزن، كنت أشعر أنني أسقط إلى مكان أعمق من الحزن نفسه، مكان لا أرى فيه الحياة كما كنت أراها من قبل. كنت أرى الواقع من مكان عميق، كأنني سقطت في الظلام وأنادي من بعيد، وكأن هناك شخصًا آخر ينظر من خلالي.

ثم وجدت نفسي في عالم يشبه الجحيم.

لم تكن النار كما كنت أتخيل النار. كانت الأرض نارًا، والحرارة شديدة إلى درجة أنها تصهر كل شيء حولها. رأيت كائنات على شكل بشر، لكن بلا ملامح، ينصهرون أمامي، ويصرخون من الألم، ثم لا يبقى منهم إلا شيء من النوركانت هي سبب  أن تعود أجسادهم من جديد. كان الصراخ في كل مكان، والخوف في كل مكان، وكل من أراه كان يبدو كأنه يبحث عن شيء يمسك به.

كان هناك بشر بلا ملامح، وأشخاص يرون أنفسهم فوق الآخرين، حتى إن بعضهم كان ينصب نفسه إلهًا على من حوله، والجميع يصرخ في هذا المكان. كنت أرى الظلمة أخف من أن تكون ظلمة كاملة، وأرى مخلوقات لا أستطيع أن أحدد شكلها الحقيقي، وكأن الصورة نفسها فقدت ملامحها.

كنت أظن أن هذا هو الجحيم الذي سقطت فيه.

لكن وسط كل هذه النار حدث شيء لم أستطع فهمه.

كنت أشعر بالبرد.

حرارة المكان كانت تصهر ما حولي، والنار في كل اتجاه، ومع ذلك كنت أشعر بالبرد القارص. كنت أرتجف وأنا في وسط النار. لم يكن جسدي هو الذي يفهم ما يحدث، كان هناك شيء بداخلي يظل مطمئنًا رغم أن كل ما حولي يدعو إلى الرعب.

في البداية لم أفهم كيف يمكن أن أجتمع في داخلي هذا التناقض؛ أن أكون وسط نار لا تحتمل، وأشعر في الوقت نفسه ببرودة شديدة وطمأنينة غريبة. كنت ما زلت حيًا وسط كل ما رأيته، وهذا وحده كان غريبًا بالنسبة لي.

كنت في انهيار، وفي تيه، وفي غفلة، أشعر كأن عقلي يذوب ببطء، وكأن شيئًا مني يموت دون أن أموت. ومع ذلك، كان هناك شيء صغير لم يسقط.

شيء ظل موجودًا بداخلي.

البذرة.

كنت أشعر أن هناك بذرة نور لم تنطفئ، حتى وأنا في هذا الظلام. لم أفهم وقتها ماذا تعني، لكنني كنت أشعر بها. كانت هي الشيء الذي يجعلني لا أؤذي إنسانًا رغم كل ما كنت أعيشه، وتجعلني أشعر بألم غيري قبل أن أشعر بألمي أنا. كنت أشعر بالصورة والصوت والمشاعر كلها معًا، وكأن هناك شيئًا في داخلي يرفض أن يموت.

كنت أشعر أنني في أعماق الجحيم، لكن هذه البذرة كانت تجعلني مطمئنًا.

ولأول مرة بدأت أشعر أن ما بداخلي أكبر من كل ما كنت أراه حولي.

لم تكن عندي إجابة، ولم أكن أعرف لماذا أشعر بالبرد وسط النار، ولم أكن أعرف لماذا ما زلت أشعر بالطمأنينة في مكان كهذا. كنت فقط أعيش المشهد، وأحاول أن أبقى موجودًا داخله دون أن أفقد نفسي.

ثم بدأت أرى أن الظلام كله، بكل ما فيه من نار وخوف وصراخ، لم يستطع أن يصل إلى ذلك الشيء الصغير الذي ظل حيًا بداخلي.

كنت لا أزال أملك تلك البذرة.

ولهذا، رغم أنني كنت في أسوأ مكان رأيته في حياتي، كنت ما زلت أشعر أن هناك شيئًا لم يُهزم.

رجع لى الدب مرة تانية لكن لم اراه فى اي انسان هذه المرة رايته في فسي كنت ادخل علاقات كثيرة بننهم كل ما يشغلنى قلب جديد علاقة جديدة حالة جديدة تهت وانا اعلم اني تهت حتى دخلت فى صراع مع النمر الذي قابلته فى شخص فى حياتى 

النمر الذي جرحنى 

عندما نُفيت، واستوطن الأغراب في بلدي، عادت المعاناة مرة أخرى. كنت قد بدأت حياة جديدة، لكنني وجدت نفسي في مكان غريب، وسط جدران لا تشبهني، وبين أشخاص أرى في القريب منهم الألم والغضب والعيبة. وفي هذا الوقت ظهر النمر.

ظهر في شخص دخل حياتي.

لم أكن أراه كعدو في البداية، بل كنت أحبه حبًا عفويًا، بلا حسابات، بلا رغبة أريد أن آخذها منه. شعرت نحوه كما يشعر الإنسان تجاه أخ أو صديق. ولذلك كان ما حدث بعد ذلك أكثر إيلامًا؛ لأنني لم أقترب منه وأنا أريد أن أؤذيه، ولم أدخل معه وأنا أبحث عن معركة.

كنت قد عرفته وهو ضعيف.

كان مهزومًا، مكسورًا، يمر بحالة جعلتني أقترب منه وأساعده على التعافي. كنت معه في الوقت الذي لم يكن فيه قادرًا على الوقوف كما يقف الآن. أعطيته مما أستطيع، وساعدته حتى استعاد شيئًا من نفسه. ولم يخطر ببالي أن الشخص الذي ساعدته عندما كان ضعيفًا سيصبح يومًا هو نفسه من يجرحني.

لكن النمر ظهر.

لم يكن يرحب بي.

كان يمزق، ويقاتل، ويغرس أنيابه بكل غل. كنت أراه يذبح، لا من أجل الطعام، بل من أجل القتل نفسه. يجرح لأنه مجروح. يقاتل لأنه لا يعرف معنى التراجع. كان يحمل بداخله شيئًا لا يسمح له بأن يهدأ، وكأن كل جرح قديم فيه يحتاج إلى جرح جديد حتى يشعر أنه ما زال واقفًا.

وأنا كنت أقف أمامه ولا أفهم.

كيف يمكن لمن أحببته أن يتحول إلى هذا؟

كيف يمكن لمن ساعدته في وقت ضعفه أن يصبح هو الذي يريد أن ينفيني؟

بدأت أشعر أن النمر لا يكتفي بإيذائي، بل يريد أن يأخذ مكاني. كان يحتل المكان الذي صنعته بيدي، ويظهر أخطائي، ويشوّه قصتي، وكأن كل ما عشته يمكن أن يُختصر في أخطائي فقط، وكأنني لا أملك حق الدفاع عن نفسي.

كنت أشعر أنه ينفيني من جنتي.

الجنة التي صنعتها بيدي.

كنت قد حاولت طوال السنوات الماضية أن أبني حياة أستطيع أن أعيش فيها، ومع ذلك وجدت نفسي مرة أخرى مطرودًا منها، أرجع إلى الأحزان التي كنت أظن أنني تركتها خلفي.

ولدت من جديد بين جدران غريبة.

لكنها لم تكن ولادة تشبه البداية التي حلمت بها. كانت ولادة من الألم. كلما نظرت حولي رأيت شيئًا يشبه الجرح. كل شخص قريب كان يحمل غضبًا أو ألمًا أو عيبًا، وكنت أشتكي وأتألم من جراحي وكأنني أحملها وحدي.

استمر هذا الألم سنوات.

خمس سنوات وأنا أعرف معاني الخوف، ليس لأنني كنت أخشى البشر. لم أكن أخاف منهم، لكنني بدأت أشعر بالضعف في مظهري، بانكسار لا أعرف كيف أخفيه، كأنني جسد بلا روح. اختفت القوة التي كنت أعرفها، ولم أعد أشعر بذلك الإحساس الذي كان يجعلني أقف في مواجهة أي شيء.

والمؤلم أكثر أنني لم أكن أستطيع أن أقول إن ما أراه حقيقي كما كنت أفعل من قبل. كل شيء كنت قد بنيته في داخلي أصبح موضع شك، وكل واقع كنت أصنعه لنفسي بدأ يبدو لي كأنه جحيم صنعته بيدي.

كنت أبحث عن شخص يشفيني، لكنني لم أجد.

وظل النمر في قصتي.

كنت أحبه، ثم أتألم منه. أرى فيه الأخ والصديق، ثم أجد نفسي أمام أنيابه. أذكر اليوم الذي كان فيه ضعيفًا وأساعده، ثم أجدني الآن أنا الذي يحتاج إلى من يساعده. كنت أشعر أنني أعطيته شيئًا مني كي يقف، ثم وجدته واقفًا فوق المكان الذي كنت أظنه مكاني.

ولم أكن أعرف لماذا كانت القصة تأخذ هذا الشكل.

كنت فقط أعرف أنني أتألم.

وأن كلما حاولت أن أستعيد نفسي، ظهر أمامي جرح جديد، وكلما ظننت أنني خرجت من مرحلة، وجدت أن الحيوان الذي عرفته في رؤاي القديمة عاد إليّ مرة أخرى، ولكن هذه المرة في إنسان أراه وأحبه وأتألم منه.

كان النمر أقسى الحيوانات التي دخلت حياتي بعد خلع الثياب.

لأنني لم أكرهه عندما جاء.

أنا أحببته أولًا.

ثم جعلني أتذوق معنى أن يحب الإنسان شخصًا حب عفوي لا سبيل له فى ان ياخذ منه شيء ولا يراه فى مكانة العاشق ولا يراه الا فى مكانة الضعيف الذي داويت جرحه  ويساعده على الوقوف، ثم يقف يومًا أمامه وهو يُجرح منه، ولا يعرف لماذا أصبح الشخص الذي أراد له الحياة هو نفسه الذي يفتح فيه الجرح من جديد.

انسان يحتضر 

بعد النمر، لم ينتهِ الألم.

كنت أعيش في مكان غريب، وأشعر أنني غريب فيه، وكلما حاولت أن أستعيد نفسي وجدت أن شيئًا جديدًا يظهر أمامي. كنت قد فقدت الإحساس بالقوة التي عرفتها من قبل، وفقدت الاستقرار الذي كنت أبحث عنه، وأصبحت أرى الضعف والخوف وعدم الاستحقاق في أشياء كثيرة حولي.

ثم ظهرت لي لبؤة.

لم تكن لبؤة هادئة.

كانت غاضبة.

شعرت فيها بقهر وظلم البشر، لكن وسط غضبها كان هناك شيء مختلف لم أعتده في صور القوة التي كنت أراها. كان فيها بذرة منيرة وشجرة مقلوبة 

وقفت أمام هذه الرؤية وأنا أحاول أن أفهم لماذا تظهر لي هذه الصورة في هذا التوقيت بالذات. كنت قد عرفت الأسد منذ سنوات، وعرفت قوته وثقله، لكن هذه المرة لم أشعر أنني أمام قوة تريد أن تثبت نفسها. شعرت أمامها بألم، وبشيء من النور يظل موجودًا رغم القهر.

ثم جاءني حلم آخر.

رأيت مجموعة من الآلهة، ومن بينهم كانت هناك إنسانة تخرج من بينهم، وكأنها تخرج من مكان مظلم إلى مكان فيه نور. وفي الحلم شعرت أن هذه الإنسانة تخرجني أنا من الظلام والحساب إلى النور.

استيقظت وأنا أشعر أن شيئًا يقترب.

لم أعرف كيف سيأتي، ولم أعرف من الذي سيأخذني إلى ذلك النور، لكنني شعرت أن موعد تنويري اقترب.

وبعدها بدأت حياة جديدة. لكن هذه المرة لم يظهر القرد.

ولم يظهر الثور.

ظهر عصفور يبحث عن عش في جحر الفئران، وكان كل إنسان يقترب منه يفترسه. وكانت الصورة قاسية، لأن المكان الذي ظننته مأمنًا لم يكن كذلك، وكلما بحث الضعيف عن مكان يحميه وجد نفسه داخل خطر آخر وكان يرسم شجرة على يده

وفي الوقت نفسه رأيت أسدًا غاضبًا من شدة القوة، يلمس الضعف وكأنه يعرف كيف يصل إليه.

كنت أشاهد هذه الصور وأشعر أنني أمام شيء يتكرر في حياتي، لكنني لم أكن قد وصلت بعد إلى تفسيره.

ثم بدأت حياة جديدة في مكان جديد.

دخلت هذه المرحلة وأنا أعرف أنني أبحث عن الاستنارة والتشافي. كنت أشعر أن هناك صحوة قادمة، صحوة لا تغفل، وكنت أشعر أن النور موجود في هذا الطريق حتى قبل أن يظهر لي وعند اختيار البيت الذي عشت فيه تفاجات ان اعلي سطح البيت لوحة كديد كبيرة منيرة باسم الله علمت ان هنا نقظة تحول وانتقال 

لكن رغم ذلك كنت أشعر أنني مقيد.

لم أشعر بالحرية.

كنت قد تعافيت من أشياء كثيرة، ومع ذلك ظل بداخلي شيء يوقفني. رأيت الضعف، والخداع، وعدم الاستحقاق، والتعلق، وكأن الإنسان الذي أمامي يحمل بداخله مجموعة عناصر كثيرة، كأن فيه حيوات كثيرة متجاورة في جسد واحد.

وفي ذلك الوقت اخترت شخصًا لأنه يشبهني.

كنت أظن أنني أرى فيه شيئًا أعرفه من نفسي، شيئًا كنت أبحث عنه وأريده. لكن مع الوقت بدأت أرى أنني في طريقي كنت أختار كل من يشبهني.

ثم جاءتني الفكرة التي أربكتني:

ربما لم أكن أختارهم هم.

ربما كنت أختار نفسي.

عندما ظهر القرد مرة أخرى، ظهر في شخص يكشف قبحي وضعفي. لم يعد القرد عندي مجرد الذكاء والدهاء والحركة كما كان من قبل. أصبح شيئًا يجعلني أرى ما أخفيه.

وعندما اخترت القوة والتضحية، رجع لي حلم الثور من جديد   

نفس الحلم الذي كان يرهقني.

ثم عندما اخترت التشافي، ظهر أمامي من يعكس لي معاناتي.

كل مرة كنت أظن أنني أقترب من شيء، يظهر أمامي شيء يشبهني.

وكل مرة كنت أبحث فيها عن شخص، أجد جزءًا من الحالة التي أحملها أنا.

لكنني لم أكن قد امتلكت بعد المسافة التي تسمح لي بأن أرى الصورة كاملة.

كنت فقط أعيشها.

ثم جاءت سنة 2025.

وفي تلك السنة رأيت كرم مرة أخرى.

لكن هذه المرة لم يظهر لي بالصورة التي عرفتها من قبل.

رأيته على شكل إنسان من أصحاب السلطة.

اقترب مني وأعطاني كتابًا هدية. لم يكن يعلم اننى اره الشهيد ولم يكن يعلم انني اراه رسول من جانب بعيد ابتسم واسمعه وهو لا يعرف ما وراء انصاتى له اعطانى كتاب هدية ولكن اعطانى كلمة هدية قبل ان يعطينى الكتاب قال لي الا من اتى الله بقلب سليم كانه يعلم معاناتى وسري بدون ان اتكلم واعطانى كتاب هدية 

كان اسم الكتاب:

«الجماهير والسلطة».

أخذت الكتاب وبدأت أقرأ.

وجدت فيه كلامًا عن طبيعة الإنسان وغريزته داخل الوعي الجمعي؛ إما أن يقود ويصبح من أصحاب السلطة، أو يعيش داخل الجمهور والقطيع الذي تقوده السلطة. ووجدت حديثًا عن الكتلة، وعن الصراعات التي يمكن أن تنشأ منها، صراعات قد تكون شريفة في العمل واكتشاف الذات، وقد تتحول إلى صراعات أخرى تفتح أبوابًا مختلفة.

وأثناء قراءتي شعرت أن هناك رسالة تخصني.

كنت طوال حياتي أرى القوة وأحاول أن أعرف مكانتي فيها، لكن هذا الكتاب جعلني أنظر إلى القوة من زاوية أخرى.

لم أكن أعرف لماذا أعطاني كرم هذا الكتاب بالذات.

لكن وجوده وحده أعاد إليّ ذلك الإحساس القديم الذي كان يأتيني معه؛ أن هناك شيئًا يمكن أن أراه إذا توقفت قليلًا ونظرت من مكان آخر.

ولم أكن أعرف أن هذه ستكون واحدة من آخر الإشارات قبل أن يتغير كل شيء.

كنت قد عشت سنوات طويلة أتنقل فيها بين القوة والضعف، بين المعرفة والضياع، بين الحب والخوف، بين الرغبة في الاقتراب والرغبة في الهروب.

كنت قد فقدت فوزي.

ثم حاولت أن أعيده.

بحثت عنه في العمل، وفي المعرفة، وفي العلاقات، وفي الأشخاص، وفي كل صورة ظننت أنها تحمل المفتاح.

ثم جاء الحب الأخير، ذلك الحب الذي ظننته الباب الذي سيعيد إليّ نفسي.

ومن أول سلام شعرت أنني أعرفه.

رأيت فيه ما ذكّرني بكل الحيوانات التي عشت معها. رأيت الأسد، والذئب، والكلب، وأشكالًا أخرى أعرف إحساسها جيدًا. شعرت أنني أمام شخص واحد اجتمعت فيه الأشياء التي ظللت أراها طوال سنوات، ولهذا أسرعت في طلب الزواج، لأنني كنت أظن أنني وجدت أخيرًا الإنسان الذي سيكون سبب تنويري، وأن فوزي سيعود من خلاله.

كنت متأكدًا أنني وجدت الباب.

لكن الباب لم يفتح بالطريقة التي كنت أعتقدها.

بدأت أرى أن ما كنت أنتظره لم يتحقق بالصورة التي صنعتها في ذهني.

ظل الحب موجودًا، وظل الإحساس موجودًا، وظلت الرؤية التي سبقت اللقاء في داخلي، لكن الطريقة التي تصورت بها عودتي إلى نفسي لم تكن هي الطريقة التي حدث بها الأمر.

وهنا وصلت إلى مكان لم أعد أستطيع فيه أن أهرب وراء أي صورة.

لم يعد عندي شيء أثبته.

ولا قوة أستخدمها.

ولا معركة أدخلها.

ولا شخص أعلقه عليه معنى نجاتي.

كنت فقط أنا.

وكنت قد حملت معي كل شيء.

الطفل الذي عاش وحده.

الجدة التي فقدتها.

جدي وكلماته.

الذنب.

القوة.

الأسد.

الذئب.

القرد.

الثور.

الدب.

الكلب.

النمر.

وكل إنسان دخل حياتي وتركت قصته شيئًا بداخلي.

الحلم الذي يطاردنى

بعد موت جدي، بقي شيء واحد منه لم يستطع الموت أن يأخذه مني.

كان يأتيني في المنام.

لم يأتني كما كنت أعرفه في حياته، ولم أره كما كانت صورته ثابتة في ذاكرتي. كان يظهر أمامي في حالة مختلفة تمامًا، حالة أشعر معها بثقل غريب يحيط به. كان يبدو كأن شيئًا أثقل من جسده قد وُضع فوقه، وكأن الرجل الذي عرفته قويًا، والذي كان يتحدث عن القوة ثم يتركها بإرادته، أصبح الآن عاجزًا عن حمل نفسه وهو ينادينى ساعدنى يابنى 

وفي كل مرة كان ينظر إليّ وكأن هناك شيئًا يريد مني أن أفهمه.

ثم يقول:

«ساعدني».

كلمة واحدة، لكنها كانت تكفي لأستيقظ وأنا أشعر أنني لم أترك الحلم خلفي.

كان في ملابسه بقعة بول، ووجودها في الحلم كان يزيدني ارتباكًا. لم أفهم لماذا أراه بهذه الصورة، ولم أفهم ماذا يريد مني بالضبط. لم أكن أعرف كيف أساعد شخصًا مات، ولا ماذا يمكن أن أفعل من أجله، ولا لماذا يعود إليّ أنا تحديدًا.

المشكلة أن الحلم لم يحدث مرة واحدة.

كان يعود.

أحيانًا بعد شهر، وأحيانًا بعد سنة، وأحيانًا في فترات أقرب من ذلك بكثير، حتى أصبح وجوده في المنام شيئًا أعرف أنه قد يعود في أي وقت. وفي بعض الفترات كان يتكرر بصورة جعلتني أشعر كأنني لم أخرج منه أصلًا، وكأن المسافة بين حلم وآخر ليست مسافة حقيقية.

كل مرة تقريبًا كان المعنى نفسه يصلني: هو يحتاج إلى مساعدة.

لكنني لم أكن أملك شيئًا أقدمه.

كنت أستيقظ وفي داخلي إحساس ثقيل لا أعرف كيف أضع له اسمًا. لم يكن مجرد حزن على جدي، لأن الحزن أعرفه. هذا كان مختلفًا. كان شعورًا بأن هناك شخصًا أعرفه ترك وراءه شيئًا لم ينتهِ، وأن هذا الشيء ظل يبحث عني بعد موته.

وكان أكثر ما يؤلمني أنني كنت أتذكره في حياته، وأتذكر كلماته القديمة، وأتذكر الوشم الذي كان يحمله في يده. الذئب الذي يحمل الشعلة، والكلمة التي قالها لي عندما سألته عنه:

«ده ذنبي».

وقتها لم أكن أعرف ما الذي يعنيه حقًا، ولم أكن أعرف ما الذنب الذي كان يقصده، لكنه كان واضحًا في شيء واحد؛ كان يريد ألا ينسى.

أما الآن، وبعد موته، فقد أصبح هو الذي يعود إليّ في المنام، وأنا الذي لا أعرف ماذا أفعل.

كنت أراه وأسمعه يقول «ساعدني»، ثم أستيقظ عاجزًا.

ومع تكرار الحلم بدأ السؤال يطاردني في النهار مثلما كان جدي يطاردني في الليل: ماذا يعني أن يأتيك ميت ويطلب منك المساعدة؟ وكيف يمكن لإنسان حي أن يساعد إنسانًا لم يعد في هذه الحياة؟

لم أكن أملك إجابة.

كل ما كنت أملكه هو ذلك الحلم الذي يعود، ووجه جدي المثقل، وتلك البقعة في ثيابه، وكلمته التي لم تتغير مهما تكررت الرؤية:

«ساعدني».

وظللت سنوات أحمل هذا السؤال معي، من مرحلة إلى مرحلة، بينما كنت أظن أنني أبحث عن أسرار الروح في كل شيء حولي، ولم أكن أعرف أن أكثر سؤال ظل يطاردني لم يكن بعيدًا عني أصلًا.

كان في حلم رجل مات وأنا ما زلت حيًا، وكان ينتظر مني شيئًا لم أعرف كيف أقدمه.

الحب الاخير 

بعد كل ما مررت به، وبعد كل مرة ظننت أنني وجدت الطريق ثم اكتشفت أنني ابتعدت عن نفسي أكثر، جاء الحب الأخير بطريقة مختلفة.

لم أشعر أمامه أنني أبحث عن شخص جديد في حياتي. شعرت أنني أمام شيء أعرفه منذ زمن طويل، شيء رأيته من قبل ولكني لم أستطع أن أمسكه بيدي.

كنت قد عشت سنوات أرى فيها الحيوانات في داخلي، ثم بدأت أراها في أشخاص يدخلون حياتي. القرد الذي أحببته، والثور الذي أحببت تضحيته، والدب الذي عرفت معه معنى أن يأخذ القلب ما يريد، والكلب الذي عرفت معه الحب الذي لا يسأل عن المقابل، والنمر الذي جرحني بعد أن ظننته إنسانًا أحببته بلا رغبة في امتلاكه، والحصان الذي جاءني بصورة مختلفة، يحمل النبل والحساسية ويعرف قيمة نفسه.

كنت أظن أن كل واحدة من هذه الحالات قصة منفصلة.

لكن عندما قابلت ذلك الحب الأخير، حدث شيء جعلني أتوقف.

رأيت فيه شيئًا من كل ما عشته.

لم يكن يشبه القرد وحده، ولا الثور وحده، ولا الدب، ولا النمر، ولا الكلب. كنت كلما اقتربت منه أشعر أنني أرى وجوهًا كثيرة عرفتها من قبل، لكن هذه المرة اجتمعت أمامي في شخص واحد.

والأغرب أنني لم أشعر بالخوف.

على العكس، شعرت أنني وجدت شيئًا كنت أبحث عنه منذ أن كنت طفلًا.

تلك البذرة.

نفس الإحساس الذي كنت أشعر به قديمًا ولا أعرف له اسمًا، ونفس الإحساس الذي رأيته في بعض البشر بعد الكحل، ونفس الإحساس الذي كنت أشعر به عندما أقف أمام إنسان يهدأ عنده كل شيء بداخلي.

وجدتها فيه.

ولأول مرة لم يكن الأمر مجرد رؤية كنت أشعر بها.

كنت أسمعها.

وأراها.

وأعيش وجودها في لحظة واحدة.

وهذا الشيء جعلني أصدق أنني اقتربت أخيرًا من نهاية الطريق الذي ابحث عن فوزي فيه

قلت لنفسي إنني ربما كنت أحتاج كل هذه السنوات حتى أصل إلى هذا الإنسان.

ربما كان كل ما مررت به مقدمة لهذه اللحظة.

ربما كان الألم الذي ذقته، والحيوانات التي رأيتها، والوجوه التي أحببتها ثم تألمت منها، والسنوات التي فقدت فيها نفسي، كلها تقودني إليه.

شعرت أن هذا الحب ليس مجرد حب.

شعرت أنه علامة.

وأن التنوير الذي ظللت أبحث عنه في الرؤى، وفي الكائنات، وفي القوة، وفي كرم، وفي كل ما مررت به، ربما يكون موجودًا هنا، في إنسان أحببته.

كنت أنظر إليه وأشعر أنني أعرف هذا الشعور.

ليس لأنه يشبه شخصًا رأيته من قبل، بل لأنني شعرت أن أشياء كثيرة عشتها منفصلة بدأت تلتقي أمامي.

كنت أرى الذكاء والحركة، وأرى التضحية، وأرى القوة، وأرى الجرح، وأرى الحب، وأرى الحساسية، وأرى شيئًا من الضعف الذي يجعل الإنسان يبحث عن مكان آمن، ثم أرى في كل ذلك شيئًا واحدًا لا أستطيع أن أصفه إلا بالبذرة.

كنت متأكدًا أنني هذه المرة أمام باب حقيقي.

لم أكن أريد أن أهرب.

ولم أكن أريد أن أكرر ما فعلته من قبل.

كنت أريد أن أبقى.

أن أتعلم.

أن أرى إلى أين سيأخذني هذا الحب.

وكنت أشعر أنني لأول مرة لا أبحث عن قوة أمتلكها، ولا عن كائن أقاتله، ولا عن عالم أريد أن أكتشف أسراره.

كنت أبحث عن شيء أهدأ بكثير.

كنت أبحث عن نفسي.

ولأنني كنت قد عشت طويلًا وأنا أرى الأشياء من خلال ما أشعر به، بدأت أرى هذا الإنسان بالطريقة نفسها. كنت أشعر بما وراء الكلام، وأرى في عينيه شيئًا أعرفه، وأشعر أن ما يحدث بيننا أكبر من مجرد علاقة بين شخصين.

كل مرة كنت أقترب فيها منه كان داخلي يقول لي: هذه هي المرة المختلفة.

هذه ليست مثل كل مرة هنا توجد البذرة هنا يوجد شيء كنت أبحث عنه.

ولهذا أحببت.

أحببت دون أن أشعر أنني أريد شيئًا منه سوى وجوده.

كنت أراه قريبًا من كل ما أحببته في رحلتي، لكنني لم أكن أعرف لماذا.

وكان هذا هو الشيء الذي جعلني أكون متأكدًا أن هذا الحب هو سبب تنويري.

لم أكن أعرف أن الطريق يمكن أن يأخذني إلى مكان آخر.

لم أكن أعرف أنني قد أرى في شخص واحد كل ما رأيته طوال رحلتي.

كنت أظن أنني وصلت.

وكان أجمل ما في الأمر أنني هذه المرة لم أصل إلى إجابة.

وصلت إلى سؤال.

لماذا وجدت كل هذه الصور مجتمعة في إنسان واحد؟

ولماذا رأيت البذرة فيه بهذه القوة؟

ولماذا، كلما أحببت إنسانًا، كنت أرى في عينيه شيئًا من تلك الكائنات التي عشت معها سنوات؟

ظللت أنظر.

وأحب.

وأنتظر أن أفهم.

وكنت في تلك اللحظة أعتقد أن الحب نفسه هو الباب الأخير.

لم أكن أعرف أن الباب كان يفتح على شيء آخر تمامًا.

هنا بالذات حدث شيء مختلف.

لم أشعر أنني قابلت شخصًا جديدًا فقط. شعرت أنني قابلت شيئًا كنت أعرفه قبل أن أعرفه. من أول سلام شعرت بإحساس غريب من المعرفة، كأن هذا الإنسان ليس غريبًا عن الرحلة التي عشتها، وكأنني وصلت أخيرًا إلى الشخص الذي سيوقظ فوزي من جديد.

كنت قد رأيت في مستقبلي أنني سأقابل إنسانًا ينير فوزي ويظهر يقظته ويرد له نفسه. وعندما دخل هذا الإنسان حياتي، شعرت أن الصورة التي كنت أبحث عنها بدأت تتحقق أمام عيني. صائد الارواح

بدأت أرى فيه أشياء كثيرة أعرفها.

رأيت فيه شيئًا من الأسد الذي عرفته في القوة، وشيئًا من الذئب الذي شعرت معه بالذنب، وشيئًا من الكلب الذي عرفت معه الحب، وأشياء من الحيوانات الأخرى التي رافقتني في رحلتي. لم يكن بالضرورة أن أرى على وجهه شكل الحيوان حرفيًا، لكنني كنت أشعر في داخله بالحالة التي كنت أعرفها من قبل. كأن كل الأشكال التي قابلتها منفصلة طوال سنوات اجتمعت أمامي الآن في إنسان واحد.

وهنا بدأت أصدق أنني وجدت الباب.

لم أكن أقول لنفسي: أنا أحب هذا الشخص فقط.

كنت أقول: ربما هذه هي اللحظة التي انتظرتها كل هذه السنوات.

ربما هذا هو الإنسان الذي سيعيدني إلى نفسي.

ربما هذا هو سبب كل ما مررت به.    

وربما كل الحيوانات التي عشت معها، وكل العلاقات التي تألمت فيها، وكل السنوات التي فقدت فيها فوزي، كانت تقودني في النهاية إلى هذا اللقاء.

ولهذا تعجلت.

حتى إنني طلبت الزواج بسرعة، لأنني كنت أرى أمامي شيئًا كنت أبحث عنه منذ زمن، وشعرت أنني لو تركته يمر ربما أضيع مرة أخرى. كان داخلي متأكدًا أن هذا الإنسان له علاقة مباشرة بتنويري وبعودتي إلى نفسي عندما قابلته شعرت أنني وجدت شخصًا واحدًا يحمل أمامي الكثير مما كنت أبحث عنه، وأنني اعتقدت أنه سيكون سببًا في تنويري. صائد الارواح

لكن هنا بدأت آخر مواجهة في «صائد الأرواح».

لأنني كنت قد تعودت أن أرى الرؤية ثم أبني عليها.

كنت إذا رأيت شيئًا، صدقته.

وإذا شعرت بقوة، جعلتها دليلًا.

وإذا ظهر لي إنسان بصورة معينة، ربطته بما رأيته في عوالمي.

ولذلك عندما رأيت هذا الحب، لم أكتفِ بأن أحبه.

أنا صنعت حوله معنى.

قلت لنفسي: هذا هو الباب.

هذا هو الإنسان الذي سيعيد لي فوزي.

هذا هو التنبيه الأخير.

هذه هي اللحظة التي ستتغير فيها حياتي.

لكن الذي حدث أن الحب لم يعطني فوزي بالطريقة التي تخيلتها.

وهنا بدأت أشعر بالحيرة.

كنت أرى أن الرؤية التي جاءتني ليست كاذبة، لكنني بدأت أرى أنني ربما فهمت طريقة تحققها من خلال الغطاء الذي كنت أرتديه. 

 الرؤية كانت عندي حقيقية، لكن الطريقة التي تصورت بها رجوع فوزي إلى نفسه لم تكن هي الحقيقة التي حدثت فعلًا. صائد الارواح

وهنا لم يعد السؤال: من هذا الإنسان؟

السؤال بدأ يتحول إلى شيء آخر:

لماذا كنت أبحث عن فوزي في كل إنسان؟

لماذا كلما أحببت شخصًا رأيت فيه شيئًا من الحيوانات التي كنت أراها؟

ولماذا عندما وصلت إلى الإنسان الذي ظننت أنه يحمل كل شيء، لم أجد الإجابة التي كنت أنتظرها؟

كنت قد قضيت سنوات أبحث عن الخارج، مع أنني كنت أقول لنفسي طوال الوقت إنني أبحث عن الحقيقة.

ولذلك بدأت أرى شيئًا مؤلمًا جدًا.

أنا لم أكن أبحث فقط عن إنسان أحبه.

كنت أبحث عن نفسي فيه.

الحب الاخير

وهذا هو الشيء الذي جعل الحب الأخير مختلفًا عن كل ما قبله.

لم يعد الأمر مجرد علاقة تنجح أو تفشل.

كان كأنه اختبار أخير لكل ما بنيته طوال السنين.

كنت متأكدًا أنني وصلت إلى الباب الذي سيعيد لي نفسي، ثم وجدت أن الباب لا يفتح بالطريقة التي توقعتها.

وهنا بدأت أقترب من المرحلة التي سأسميها فيما بعد «فتى الشرق العظيم».

لكنني وقتها لم أكن أعرف هذا الاسم بعد.

كنت فقط أشعر أن شيئًا قديمًا بداخلي بدأ يتحرك.

دائما كنت اسال نفسي في اي موقف لماذا يظهر هكذا شخص تعلم من المه اكثر ما تعلمه من الدراسة شخص بني نفسه بنفسه لانه يريد ان يعرف الحقيقة لا ضلاله وكانت الحقيقة بالنسبة لي لماذا انا انعكاس سيء لماذا يري في وجهي الكذب والخداع والشر ولم يري في قلبي بذرة النقاء التى احملها لماذا يرانى طفل وانا بداخلى محارب لم اهزم في اي معركة  لماذا يري ضعفى ولم يشعر بقوتى لماذا احتاج ان ابرر افعالي ولماذا انا دائما محور شك وضلال ربما هو على حق رغمان نوايايا بعيدة عن نواياه لكن هو على حق

قررت ان اخرج من المكان الذي شعرت فيه بانى غير مرغوب ورجعت الى المكان التى ولدت عنه البحر الذي كان صديقا لى منذ الطفولة الذي كنت اشعر بالشفاء والتشافي من صوت امواجه وانا بداخلى جمرة من الالم شخص تاه منذ 6 سنوات ويشعر بالندم واقرب الناس له يري حقيقة ليست موجودة فيه مؤمن اننى مخادع كاذب محتال وانا امامه لم افعل هذه الافعال ثم رايت انه على حق 

بدا كل غطاء يظهر وانا جالس غطاء القرد وتجمله غطاء الاسد غطاء الدب والذئب وشعوري بالذنب من الكلب علمت ان ما يحدث لي في حياتى هي نتيجة افعالي 

 وهنا علمت ماذا فعلت بنفسي ولماذا لم اعد اراها لاني وضعت اغطية بدات بسيطة كل ذنب قمت بضرر فيه نفسي كان غطاء كل خطاء ارتكبته في حق نفسي غطاء رفضت ما حدث للطفل وكونت غطاء يبدل الوحدة التى عاشها بقوة 

مرحلة المراهقة رفضت ما كنت اعيشه فيها وكونت عليه غطاء بديل للشخص الذي يستطيع تحقيق اهدافه 

ومرحلة الشباب اغطية تبرر ذنوب بسيطة كانت بالنسبة لى لاني لا اؤذي احد لكن اكتشفت اننى اؤذي نفسي الاهم من اى انسان علمت ان التضحية بدات عند الرغبة والرغبة جعلتني اكون اغطية وان النفس لها وعى طفل اذا رفضت ما عشته فى طفولتك لن ينموا وعي النفس تري في احلامك انك طفل وانت كبير السن لان جسدك الروحي لن ينموا بالزمان لكنه ينموا بخلع كل غطاء وتذوق كل الم 

تخيلت فى تاملى ان كل ما حدث لي فى حياتى هي مكونات لوجبة كبيرة وشعرت بكل الم ثم تذوقت الوجبة بعد ما استوت على النار وكانت النتيجة صحوة 

ظهر انعكاس ماذا فعلت فى نفسي خلال ايام بسيطة وانهارت عيني من البكاء هذه المرة الشيء الوحيد الذي اشعر تجاهه بالذنب هو نفسي صعب عليا ما فعلته به وهنا عرفت معنى مختلف من التوبة 

 حمام يكتب الله فى السماء 

قبل العودة الى البحر باشهر قليلة حلمت حلم انار بذرتى وبدات الصراعات تظهر معها
كانت هناك رؤية أخيرة مختلفة عن كل ما رأيته قبلها.

لم تكن تشبه حلم العمالقة الذين كنت أراهم وأحاول أن أفهم قوتهم، ولم تكن تشبه رؤى الصراعات والانتصارات التي عشتها سنوات طويلة. كانت مختلفة إلى درجة أنني عندما استيقظت منها كتبت عن ذلك اليوم شيئًا لم أكتبه عن أي حلم آخر.

قلت إنه أسعد يوم في حياتي.

رأيت في السماء حمامًا يطير.

لكن الحمام لم يكن يطير فقط.

كان يكتب في السماء كلمة «الله».

كنت أرى الحمام يمر في السماء، وكأن كل حمامة تحمل جزءًا من الكلمة، حتى أصبحت الكلمة تظهر أمامي مكتملة. لم يكن المشهد مخيفًا، ولم أشعر فيه بالقتال أو الصراع أو الرغبة في السيطرة. كان هادئًا بطريقة جعلتني أنتبه له أكثر من أي رؤية أخرى.

ثم تغير المشهد.

ظهر أمامي كلب أسود.

لكن هذا الكلب لم يكن مثل أي كلب عرفته من قبل. كان له فم يشبه فم التمساح، وأسنان حادة، وكانت هيئته تجعلني أخاف منه.

رأيته، فخفت.

وهنا حدث شيء جعل الحلم بالنسبة لي أكثر غرابة.

أنا الذي واجهت في رؤاي أشياء كثيرة، وجدت نفسي لا أشعر بالاطمئنان أمام هذا الكلب.

لم أقترب منه.

اختبأت 

وكان داخلي سؤال واضح:

لماذا لا أشعر بالاطمئنان؟

كنت أنظر إليه وأشعر أنني أريد أن أبتعد، وفي الوقت نفسه كنت أرى شيئًا آخر أمامي؛ قضبانًا كنت قد سجنت نفسي داخلها.

الغريب أنني شعرت أن هذه القضبان أكثر أمانًا لي من الكلب.

كنت أختبئ خلف السجن الذي صنعته لنفسي، رغم أن الشيء الموجود خارجه بدا لي ضعيفًا.

وكان الخوف هو الذي يجعلني أرى القضبان مكانًا آمنًا.

ثم رأيت الذئب الأسود.

كان مخيفًا أيضًا.

ورأيت أمامي كل ما عرفت من قبل من الخوف، لكنني هذه المرة لم أكن داخل معركة، ولم أكن أحاول إثبات قوتي، ولم أكن أريد أن أسيطر على ما أراه.

كنت فقط أشاهد.

وعندما استيقظت من الحلم، بقي الإحساس معي.

لم أشعر بالخوف الذي كان يجب أن أشعر به.

كنت سعيدًا.

سعيدًا بطريقة جعلتني أكتب أن هذا كان أسعد يوم في حياتي.

ثم قمت من نومي وفتحت جهاز الكمبيوتر لأبدأ عملي.

وهنا جاءت اللحظة التي جعلت الحلم بالنسبة لي أكثر من مجرد حلم.

وجدت أن جميع حساباتي توقفت مرة واحدة.

والبيانات التي كنت أجمعها وأحتفظ بها منذ سبع سنوات حُذفت.

وجدت نفسي أمام خسارة لم أشعر بمثلها من قبل.

في أي وقت آخر ربما كنت سأرى هذا الخبر كارثة.

لكن الغريب أنني في تلك اللحظة لم أشعر بنفس الانهيار الذي كان من المفترض أن يصاحب خسارة بهذا الحجم.

كنت أشعر بالبرد.

نفس البرد الذي شعرت به من قبل وأنا في وسط النار.

وتذكرت الإحساس الذي كان يأتيني في المكان الذي كنت أراه كالجحيم، حين كنت وسط الحرارة والصراخ والنار، ومع ذلك أشعر بالبرد والطمأنينة.

في تلك اللحظة ربطت الإحساسين في داخلي.

شعرت أن ذلك البرد ليس خوفًا.

كان بالنسبة لي إحساسًا بالاقتراب.

إحساسًا بأن الله معي.

وأن ما يحدث لي ليس دليلًا على أنني تُركت وحدي.

على العكس. اخيرا شعرت اننى مهم عند الله 

وسط الخبر الذي كان يمكن أن يكون أسوأ خبر سمعته في حياتي، شعرت أن هناك من يراني، وأن هناك من يهتم بأمري، وأن الله لن يتخلى عني.

وهنا انقلب معنى اليوم كله.

الخسارة التي دخلت عليّ كأنها نهاية تحولت إلى شيء جعلني سعيدًا.

لأول مرة لم أكن أنظر إلى ما حدث باعتباره ما فقدته.

كنت أنظر إلى شيء آخر.

كنت أشعر أنني ما زلت حيًا.

رغم أن كل الظروف حولي كانت تقول عكس ذلك؛ سجن، نار، غضب، حزن، انهيار، وخسارة.

لكنني في داخلي كنت أشعر بشيء لم ينطفئ.

ومن هنا بدأت أشعر أنني أحيا من جديد.

عودة فوزى 

بعد ذلك لم أعد أستطيع أن أستمر في البقاء في البيت.

كنت أشعر أن وجودي فيه لم يعد مرغوبًا، وأن كل من حولي يريد مني أن أبتعد، حتى لو لم يقلها لي أحد بصورة مباشرة. لم أعد أملك الطاقة لأدافع عن وجودي، ولا الرغبة في أن أشرح نفسي لأحد. كنت قد تعبت من الشرح، وتعبت أكثر من أن أظل في مكان أشعر فيه أنني ثقيل على من حولي.

خرجت من البيت.

لم آخذ معي شيئًا يحمل أهمية حقيقية. كنت أحتاج فقط إلى أن أبتعد قليلًا، أن أجد مكانًا أستطيع فيه أن أسمع نفسي من جديد.

جلست وحدي وتأملت.

هذه المرة لم أكن أتأمل بحثًا عن رؤية جديدة، ولم أكن أنتظر ظهور كائن، ولم أكن أحاول أن أستدعي قوة أو أختبر قدرة. لم أكن أريد من التأمل إلا أن أجلس قليلًا دون أن أفعل شيئًا.

تركت كل ما حولي يمر.

الخوف.

الغضب.

الحزن.

كل ما حدث في السنوات الماضية.

لم أحاول أن أغيّر شيئًا.

وفجأة جاءتني نشوة يقظة.

لم تكن فرحًا عاديًا.

كانت قوة بعد ضعف.

وثقة بعد انهيار.

واشتياقًا إلى شيء فقدته منذ 6 سنوات.

شعرت أنني ثابت.

لم أتحرك.

وقفت فقط أعيش اللحظة لعدة دقائق.

كان إحساسًا أعرفه.

إحساسًا قديمًا، لكنه عاد هذه المرة بطريقة لم أعرفها.

شعرت أن شيئًا ما رجع.

شيء لم أجد له اسمًا.

ولم أرد أن أستخدم القوة.

ولم أرد أن أستعرضها.

ولم أرد حتى أن أعرف حدودها.

كنت فقط أريد أن أتذوقها.

بقيت واقفًا.

ثم قلت في داخلي:

أخيرًا… فوزي عاد.

وبقيت للحظات لا أعرف ماذا أفعل بهذه الكلمة.

لا أعرف لماذا قلتها.

ولا أعرف ماذا عاد بالضبط.

جلست من جديد، وظللت ساكنًا أراقب ما يحدث بداخلي.

لم تكن هناك إجابة.

فقط ذلك الإحساس.

ثم انتهت اللحظة.

وعندما انتهت، لم أعرف ماذا سيحدث بعد ذلك.

لكن شيئًا واحدًا بقي معي وأنا أعود إلى الطريق:

فوزي عاد.

حين عاد فوزي

بعد أن تركت البيت، وبعد تلك اللحظة التي جلست فيها وحدي وتأملت، وجاءتني النشوة التي لم أشعر بمثلها منذ سنوات، لم أكن أعرف أن عودة فوزي لن تكون عودة شخص كنت أبحث عنه، بل عودة أشياء كثيرة كانت قد اختفت من أمامي وأنا ما زلت أعيش حياتي وكأنها موجودة.

عندما قلت لنفسي: «أخيرًا فوزي عاد»، لم أكن أملك شرحًا لهذه الجملة. كنت أشعر بها فقط. كنت أعرف أن شيئًا رجع، لكنني لم أعرف ما هو. وبعدها بدأت الذاكرة تتحرك بطريقة مختلفة. أشياء عشتها منذ طفولتي بدأت تعود إليّ، ليس كصور منفصلة، وإنما كأنها أجزاء من قصة واحدة كانت موجودة طوال الوقت وأنا أعيش كل جزء منها وحده.

كنت أظن أن الذاكرة هي أن أتذكر ما حدث. لكنني اكتشفت أن بعض الذكريات لا تعود لك بالصورة نفسها التي حدثت بها أول مرة. تعود ومعها الشعور، وأحيانًا يعود الشعور قبل الصورة. وهذا كان يحدث معي منذ طفولتي؛ أعيش شيئًا، ثم بعد سنوات أقابله مرة أخرى في شكل مختلف، فأشعر أنني أعرفه قبل أن أعرف من أين أعرفه. كنت أرى المشهد قديمًا ولا أملك تفسيره، ثم أعيش تجربة جديدة فتوقظ داخلي إحساسًا قديمًا كنت قد نسيته. صائد الارواح

ولهذا بدأت أرجع إلى الرحلة كلها بعين مختلفة.

لم أعد أرى الطفل الذي كان يسمع الضجيج كطفل غريب لا يعرف ماذا يحدث له. رأيته الآن باعتباره البداية الأولى لطريقتي في استقبال العالم. منذ البداية كنت أعيش بثلاثة أشياء معًا: أرى، وأسمع، وأشعر. كنت أرى ما لا أعرف كيف أصفه، وأسمع ما لا أعرف مصدره، وأشعر بأشياء داخل الناس من نبرة أصواتهم وحركتهم وما لم يقولوه. لم أكن أعرف وقتها أنها قنوات، ولم أكن أعرف أنها يمكن أن تجتمع في شيء واحد. كانت هذه فقط طريقتي الطبيعية في أن أعيش. بلا عنوان

ثم أتذكر جدتي.

أتذكر لماذا كنت أذهب إليها عندما أخاف، ولماذا كان وجودها يهدئني. لم تكن فقط امرأة تحبني. كانت أول إنسان شعرت أنه يستطيع أن يستقبل عالمي دون أن يجعلني أخاف منه. وعندما ماتت وأنا في التاسعة، لم أفقد شخصًا قريبًا مني فقط، بل فقدت المكان الذي كنت أضع فيه الأشياء التي لا أستطيع شرحها. بعدها بقي ما بداخلي، لكن من دون المكان الذي كان يسمح لي أن أحكيه.

ثم جاء جدي.

الآن فقط بدأت أفهم لماذا ظلت كلماته تعيش معي كل هذه السنوات. كان أمامي رجل أسمع الناس يتحدثون عن قوته، لكنه هو نفسه اختار أن يستغني عنها. كنت أسأله لماذا، فيقول لي: «لما تكبر هتفهم». وقتها كنت أعتقد أنني سأفهم عندما أكبر معنى القوة. لكنني الآن، بعد أن عشت القوة ثم ثقلت بها، بدأت أرى أن الجملة كانت أكبر من السؤال الذي كنت أطرحه عليه. بلا عنوان

وأتذكر يده.

الذئب الذي يحمل الشعلة.

«ده ذنبي».

ثم جملته التي بقيت في داخلي سنوات:

«عشان لو نسيته هيرجع يفكرك بيه».

في طفولتي لم أفهم ما الذي يعنيه. كنت فقط أنظر إلى الذئب وأحاول أن أفهم لماذا يضع رجل في يده صورة تذكّره بذنب لا أعرفه. ثم خرج الذئب من يده ودخل أحلامي، وصار يتكلم دون صوت. كنت أراه يحرك فمه وأشعر أن هناك كلامًا يريد أن يصل إليّ، لكنني لا أسمعه. كنت أستيقظ وأنا لا أعرف ماذا قال، لكنني كنت أعرف أن شيئًا بقي معي. بلا عنوان اليوم أعود إلى هذه الصورة ولا أراها مجرد بداية علاقة بيني وبين حيوان.

أراها بداية طريقة.

صورة تأتي، ويأتي معها شعور، ثم أعيش الشعور وأبني حوله معنى. وهنا بدأت أفهم شيئًا أخطر: أنني لم أكن أرى العالم كما هو فقط، بل كنت أراه من المكان الذي أقف فيه داخليًا. كلما تغيرت حالتي تغيرت الصورة التي ألتقطها من الواقع.

وهذا هو الشيء الذي جعلني أعود إلى كل مراحل حياتي.

لماذا رأيت العجل؟

لماذا كان الألم مرتبطًا بالفجر والأذان؟

لماذا كان الثور يأتي بالتضحية؟

لماذا ظهر الأسد مع القوة؟

لماذا ظهر الصقر مع الرؤية؟

لماذا كان القرد يأتي عندما أحتاج إلى الذكاء والحركة؟

لماذا كان الدب يظهر عندما أضيع في الرغبة؟

ولماذا كان الكلب هو أكثر صورة ارتبطت عندي بالحب ثم بالذنب؟

أسئلة كثيرة كنت قد عشتها كأحداث منفصلة. الآن بدأت أراها متصلة.

كنت أظن أنني كنت أطارد الحيوانات.

ثم اكتشفت أن الحيوانات كانت تطاردني.

ثم اكتشفت أن السؤال نفسه كان ناقصًا.

لم أكن أحتاج أن أعرف لماذا يوجد هذا الحيوان أمامي فقط، بل لماذا ظهر لي بهذه الصورة في هذه اللحظة، وما الذي كنت أشعر به عندما ظهر، وما الذي كنت أفعله بعد ذلك.

عندما رجعت إلى مرحلة «صائد الأرواح»، رأيت شيئًا كنت قد غفلت عنه وأنا أعيشها.

أنا لم أصبح صائد الأرواح لأنني وُلدت بهذا الاسم.

أنا سمعت الاسم في لحظة معينة، ثم صدقته، ثم أعطيته مساحة أكبر من حجمه حتى أصبح هوية. العالم الذي رأيته في بحر الظلام ناداني بذلك الاسم، وعندما ثبتُّ نظري على الشكل الذي أمامي وتحول إلى إنسان وقال: «ماذا تريد يا صائد الأرواح؟»، أخذت الكلمة معي وبدأت أبني حولها شخصًا جديدًا. صائد الارواح

كنت أظن أنني اكتشفت قوتي.

لكنني الآن أرى أنني اكتشفت شيئًا آخر أيضًا: اكتشفت قدرة الإنسان على أن يثبت عينه على صورة، ثم يعيش داخلها حتى تصبح بالنسبة له هي الحقيقة الوحيدة.

وهنا فهمت لماذا كان أخطر شيء في رحلتي ليس أنني رأيت، بل أنني صدقت أول معنى رأيته.

كنت أرى شيئًا، ثم أفسره.

والتفسير يتحول إلى اعتقاد.

والاعتقاد يتحول إلى طريقة حياة.

وطريقة الحياة تنتج واقعًا أعيش داخله.

ثم أعود إلى الواقع وأقول: انظر، لقد كنت محقًا، هذه هي الحقيقة.

بينما كنت في الحقيقة أدور داخل دائرة صنعتها من صورة أولى لم أتوقف لأسأل نفسي عنها.

وهذا ما حدث عندما رأيت القوة.

في البداية كانت القوة شيئًا أشعر به.

ثم أصبحت قدرة.

ثم أصبحت مكانة.

ثم أصبحت هوية.

ثم أصبحت «أنا أستطيع».

وبمجرد أن أصبحت القوة جزءًا من صورتي عن نفسي، لم أعد أستخدمها فقط، بل بدأت أحتاج إلى إثباتها.

وهنا تغيرت علاقتي بها.

لم تعد نعمة أراها.

أصبحت غطاءً أرى نفسي من خلاله.

وهذا هو السبب الذي جعلني عندما أفقدها أشعر أنني فقدت نفسي.

لكنني عندما عدت إلى اللحظة التي قلت فيها «أخيرًا فوزي عاد»، بدأت أرى المفارقة كاملة.

القوة لم تعد أول ما أبحث عنه.

والرؤية لم تعد أول ما أصدقه تذكرت شي نسيته وهو اعطاء الكحل هدية لشخص احببته ولم يري منه مثل ما رايت عرفت ان السر فى ايمانك باي شي حتى لو كان كحل وما اخذته وكان بالنسبة لي قيمة مثل قيمة الكنز كان بالنسبة لشخص اخر مجرد وهم 

حتى الحب نفسه بدأت أراه بطريقة مختلفة.

كنت أبحث عن فوزي في الأشخاص الذين أحببتهم. وجدت القرد في شخص، والثور في شخص، والدب في شخص، والكلب في شخص، والنمر في شخص، ثم وصلت إلى إنسان شعرت أن كل هذه الصور اجتمعت فيه. وقتها اعتقدت أنني وجدت المفتاح الأخير. لكن بعد عودة فوزي بدأت أسأل سؤالًا لم أسأله من قبل:

لماذا كنت أبحث عن المفتاح في إنسان آخر؟

وهنا بدأت التفاصيل القديمة تتجمع.

كل شخص دخل حياتي كان يوقظ شيئًا في داخلي حتى اتى لى من كان سبب فى اليقظة الحقيقية 

كل علاقة كشفت حالة.

كل ألم فتح ملفًا.

كل قوة أظهرت لي جانبًا.

وكل مرة كنت أعتقد أنني اكتشفت شخصًا، كنت في الحقيقة أقترب من جزء في نفسي دون أن أعرف.

حتى الألم الذي ظننته عقابًا بدأ يأخذ شكلًا آخر.

كنت أهرب من الألم وأضع فوقه تفسيرًا يحميني منه. أقول لنفسي إنني قوي، أو إنني مؤمن، أو إنني صاحب رسالة، أو إنني محارب، أو إن ما أفعله لا يضر أحدًا، أو إنني أعرف الحقيقة.

كل جملة كانت تبدو لي في وقتها منطقية.

لكنني الآن كنت أراها كأغطية.

والغطاء لم يكن دائمًا كذبة.

وهذه كانت المفاجأة.

أحيانًا يكون الغطاء عبارة عن حقيقة جزئية، ثم تصبح هذه الحقيقة الجزئية كل الحقيقة في عيني.

وهنا يبدأ التشوه.

كنت أرى جانبًا حقيقيًا، ثم أرفض الجوانب الأخرى.

كنت أرى القوة وأنسى ثقلها.

أرى الحب وأنسى التعلق.

أرى الذكاء وأنسى عدم الاستقرار.

أرى الإيمان وأنسى التسليم.

أرى القدرة وأنسى الأمانة.

أرى الرؤية وأنسى أن الرؤية نفسها يمكن أن تتأثر بما أريد أن أراه.

ولهذا عندما عادت الذاكرة، لم أشعر أنني اكتشفت عالمًا جديدًا.

شعرت أنني رجعت إلى عالم قديم، لكنني هذه المرة لم أكن داخله بالطفل نفسه.

كنت أراه من مكان آخر.

وهنا بدأت أفهم لماذا كان فوزي غائبًا رغم أنني لم أختفِ.

كنت أعيش.

أعمل.

أتعلم.

أكسب.

أخسر.

أحب.

أكره.

أعلّم.

وأبني أشياء كثيرة.

لكن شيئًا واحدًا كان غائبًا عن كل ذلك:

أن أكون أنا من يرى نفسي.

ولأول مرة لم تعد مهمتي أن أجد تفسيرًا جديدًا لما حدث.

كانت مهمتي أن أعود إلى كل ما حدث، وأراه مرة أخرى دون الغطاء الذي كنت أراه من خلاله.

عندها بدأت الرحلة الحقيقية.

لم تعد رحلتي إلى الخارج.

أصبحت إلى الداخل.

وأول ما كان عليّ أن أسأل عنه هو:

من الذي كان يقودني طوال هذه السنوات؟

فوزي لم يكن شخصًا آخر

عندما عاد فوزي، بدأت أرى السنوات الست بطريقة لم أستطع أن أراها وأنا أعيشها.

كنت طوال الوقت أتعامل مع الأمر كأنني فقدت شخصًا ثم حاولت أن أستعيده. كنت أقول: تركت فوزي، ضحيت بقوته، غيرت اسمه، غيرت مكاني، بنيت علمًا جديدًا، صنعت لنفسي شخصية أخرى، ثم عشت سنوات أبحث عن الشخص الذي تركته خلفي.

لكن عندما عاد الإحساس نفسه، فهمت أنني كنت أبحث عن فوزي في المكان الخطأ.

لم يكن فوزي شخصًا آخر 

ولم يكن هناك إنسان تركته خلفي ثم احتجت إلى أن أذهب وأستحضره.

أنا الذي بقيت هنا طوال الوقت.

أنا الذي كنت أعمل، وأتعلم، وأحب، وأدخل العلاقات، وأحقق المال، وأبني المكانة، وأعلّم الناس، وأبحث عن الحقيقة، وأدخل الخلوات، وأرى العوالم، وأحارب ما كنت أعتقد أنه شر. كل ذلك حدث لي أنا.

لكنني في لحظة من حياتي صدقت أن فوزي الذي كنت عليه لم يعد يناسب الطريق الذي اخترته، فبدأت أخلع عنه شيئًا بعد شيء.

في البداية خلعت الثوب.

ثم الاسم.

ثم المكان.

ثم القوة التي كنت أعتقد أنها أصبحت ثقيلة عليّ.

ثم صنعت لنفسي مكانة جديدة بالمعرفة.

ثم صنعت لنفسي صورة جديدة أمام الناس.

ثم قلت لنفسي إنني أستطيع أن أكون شخصًا آخر.

ومع كل شيء كنت أخلعه، كنت أعتقد أنني أقترب من الحقيقة.

لكنني كنت أبتعد عن الشخص الذي كان يعرف نفسه قبل أن يحتاج إلى كل هذه الصور.

فوزي لم يختفِ.

أنا فقط لم أعد أراه.

وهذا ما جعلني أعود إلى السنوات الست مرة أخرى.

أتذكر كيف كنت أعيش في الخارج بصورة تبدو ناجحة، بينما كنت في الداخل أبحث عن شيء لا أعرف اسمه. حتى عندما امتلكت المال والمكان والخبرة، لم أشعر أنني عدت إلى البيت الذي كنت أبحث عنه. كنت أرى الناس تقترب مني، وأتحدث بثقة، وأعلّم، وأشرح، لكن بداخلي شيء يقول إن هناك ستارًا بيني وبين العالم.  

ثم فهمت لماذا كان كلبي يقول لي في أحلامي ما لم أستطع أن أسمعه من أي إنسان:

«أنت لست أنت».

كنت قد رجعت إليه بجسدي، لكنني لم أرجع إليه بالشخص الذي عرفه.

وكان هو يعرف الفرق.

أنا أيضًا كنت أعرفه، لكنني كنت أهرب من الاعتراف به.

كنت أظن أنني عندما أعود إلى المكان، وأستعيد الأشياء، وأعيد ترتيب حياتي، سيعود فوزي تلقائيًا.

لكن فوزي لم يكن موجودًا في المكان.

كان موجودًا في الطريقة التي كنت أعيش بها نفسي.

ولهذا لم تنجح كل محاولاتي في أن أستعيده من الخارج.

كلما صنعت نسخة جديدة مني، كانت تبدو أقوى أو أذكى أو أكثر معرفة، لكنها لم تكن هي.

والغريب أنني لم أكن أكره فوزي.

أنا كنت أشتاق إليه.

كنت أبحث عنه طوال الوقت وأنا أظن أنني أبحث عن القوة، أو المعرفة، أو المكانة، أو النجاح، أو الشخص الذي سيحبني بالطريقة التي أريدها.

لكن كل هذه الأشياء لم تكن هي السؤال الحقيقي.

السؤال كان:

أين أنا؟

وأين الرجل الذي كنت قبل أن أصبح مضطرًا إلى إثبات أي شيء؟

بدأت أفهم أن المشكلة لم تكن أن فوزي القديم كان ناقصًا، ولا أن الشخص الجديد كان أفضل منه.

المشكلة أنني صدقت أن عليّ أن أختار بينهما.

إما القوة.

أو الضعف.

إما الروحانية.

أو الحياة.

إما المعرفة.

أو البساطة.

إما أن أكون الشخص الذي يرى ويعرف ويؤثر، أو أكون الإنسان العادي الذي يعيش حياته.

كنت أضع الأشياء أمام بعضها كأنني مجبر على اختيار صورة واحدة.

وهنا بدأت أرى خطأً أعمق.

أنا لم أكن أفقد جزءًا من نفسي كل مرة.

كنت أحوله إلى غطاء.

القوة التي خفت منها أصبحت غطاء.

المعرفة التي تعلمتها أصبحت غطاء.

المكانة التي صنعتها أصبحت غطاء.

حتى الصورة التي صنعتها عن الإنسان المؤمن أصبحت غطاء.

وحتى «صائد الأرواح» نفسه أصبح غطاء.

ولهذا كان من الطبيعي أن أعود إلى فوزي ولا أجده في أي مكان أبحث فيه، لأنني كنت أبحث عنه تحت كل غطاء، بينما هو لم يكن مختبئًا هناك أصلًا.

كان معي.

في الطفل الذي ظل يخاف من الأصوات.

في الطفل الذي كان يذهب إلى جدته.

في الشاب الذي كان يريد أن يفهم القوة.

في الرجل الذي أحب.

في الرجل الذي أخطأ.

في الذي أذنب.

في الذي نجح.

في الذي خسر.

وفي الإنسان الذي ظل رغم كل شيء يشعر أن بداخله شيئًا لم يمت.

وهنا تغير معنى السنوات الست كلها عندي.

لم تعد ست سنوات أضعتها.

أصبحت ست سنوات عشتها أنا.

حتى الألم الذي كنت أريد التخلص منه أصبح جزءًا من قصتي.

حتى الخطأ.

حتى الذنب.

حتى القرارات التي كنت أندم عليها.

حتى الأشخاص الذين آذوني، والأشخاص الذين آذيتهم دون أن أقصد، والأشياء التي تركتها ثم تمنيت أن أعود إليها.

لم يعد عندي سبب لأن أمحوها حتى أعود إلى نفسي.

لأن العودة إلى نفسي لم تكن تعني العودة إلى نسخة قديمة مني.

كانت تعني أن أستعيد حقي في أن أكون كل ما عشته، دون أن أحتاج إلى الاختباء خلف صورة واحدة.

وهنا بدأت أفهم شيئًا آخر.

أنا طوال حياتي كنت أتعامل مع نفسي كأنني مجموعة أشخاص.

الطفل.

القوي.

المؤمن.

المحارب.

المعلم.

العاشق.

المنهار.

الذي يريد المال.

الذي يريد السلطة.

الذي يريد الحقيقة.

الذي يريد الهروب.

وكلما ظهر واحد منهم، كنت أظن أن الآخر يجب أن يموت.

لكن لماذا؟

لماذا لا يكونون جميعًا أجزاء من الرحلة نفسها؟

عندما بدأت أرى هذا، لم تعد عودتي إلى فوزي عودة إلى الماضي.

كانت عودة إلى الإنسان الذي مر بكل هذه الصور ولم يعد محتاجًا إلى إنكار واحدة منها حتى يثبت الأخرى.

وهنا بدأ يتغير عندي معنى «صائد الأرواح».

لأنني كنت أظن أن صائد الأرواح هو الشخص الذي يستطيع أن يرى ما وراء الناس، وأن يعرف ما بداخلهم، وأن يصل إلى ما لا يراه الآخرون.

لكن عندما عدت إلى نفسي، وجدت أن أصعب روح كنت أحاول الوصول إليها لم تكن روح شخص آخر.

كانت نفسي.

وأصعب شخص كان عليّ أن أراه لم يكن الكائن الذي يظهر أمامي في الرؤية.

كان فوزي.

عندها فقط بدأت أفهم لماذا كانت كل رحلة خارجية تعيدني في النهاية إلى الداخل.

لماذا كل إنسان أحببته ترك شيئًا فيَّ.

لماذا كل قوة عشتها كشفت شيئًا.

لماذا كل سقوط جعلني أبحث أكثر.

ولماذا كانت عودة فوزي هي أول لحظة لم أشعر فيها أنني بحاجة إلى أن أصبح شخصًا آخر.

كنت فقط أنا.

ومن هنا ظهر السؤال التالي، وهو السؤال الذي لم أكن مستعدًا له طوال سنوات:

إذا كان فوزي لم يختفِ أصلًا، فمن الذي كنت أسميه «صائد الأرواح»؟

لم أكن صائد الأرواح كما ظننت

إذا كان فوزي لم يختفِ أصلًا، فمن الذي كنت أسميه «صائد الأرواح»؟

ظل السؤال أمامي بعد أن عاد فوزي.

هذه المرة لم أهرب منه، ولم أبحث له عن إجابة في عالم آخر، ولم أحتج إلى رؤية جديدة حتى أفهمه. كان عليّ فقط أن أعود إلى الطريق الذي قطعته، ولكن بعين مختلفة عن تلك التي كنت أملكها عندما كنت أعيش الأحداث.

أول شيء فهمته أن «صائد الأرواح» لم يكن شخصًا جاء ليسكن في داخلي، ولم يكن فوزي آخر قتل فوزي الأول ثم عاش مكانه.

كان اسماً ظهر في لحظة.

كنت في ذلك العالم الذي رأيت فيه أشكالاً هندسية تتحرك في بحر من الظلام، كأنها أسماك بأشكال وألوان لا أعرف لها مثيلاً. ثبتُّ نظري على أحدها، ورأيت التحول يحدث أمامي. تغير الشكل حتى صار إنساناً، ثم واجهني وقال:

«ماذا تريد يا صائد الأرواح؟»

في ذلك الوقت لم أكن أملك المسافة التي أملكها الآن.

سمعت الاسم، فصدقته.

ثم بدأت أعيش داخله.

وهذه كانت واحدة من أخطر اللحظات في حياتي؛ لأنني لم أكتفِ بأن أسمع اسماً، بل صنعت منه هوية، ثم بدأت أفسر كل ما يحدث من خلال تلك الهوية.

كل قدرة ظهرت لي أصبحت دليلاً على أن صائد الأرواح حقيقي.

كل مرة أشعر فيها أنني أستطيع التأثير، قلت: هذا هو صائد الأرواح.

كل مرة أرى شيئاً لا يراه غيري، قلت: هذه علامة جديدة.

كل مرة أشعر أنني أعرف شيئاً قبل أن أعرفه، ازداد يقيني أنني أقترب من الحقيقة.

ولم أكن أعرف أن الإنسان يستطيع أن يحول تجربته إلى غطاء، ثم ينسى أنه هو الذي ارتداه.

كنت أعيش التجربة، ثم أفسرها، ثم أصدق التفسير، ثم أعود إلى الحياة من خلال التفسير.

وبمرور الوقت لم يعد السؤال:

«ماذا يحدث معي؟»

بل أصبح:

«ماذا سيفعل صائد الأرواح؟» هو يعرف ان ما نادي به مجرد صفة لان ما تكلم معى شعر انى ربط ما اراه بالسمك فى الميياه وهو روح عند تثبيت نظري قيدته وتذكرت عندما قال لي كرم الشهيد ان هاروت وماروت لم يكونوا مضطرين للنزول بل راهم شخص ورسمهم واستطاع استحضارهم وفهمت ان تثبيت الرؤية على ملاك تجعله يحضر كان الانسان لديه قدرة تحميه من ان يقف امامه اى كائن لديه قدرة تجعله قادر على المراقبة لذلك رايت ادم مرتكز على الشمس ليراقب الارض وحواء ترتكز على القمر لتراقبه علمت ان الانسان خلق ليكون مراقب واذا كان اى شخص فى مكانى كان سوف يسمع نفس ما سمعته من هذا العالم وفهمت ان الطلاسم صناعة شيطانية ليجبروا الملائكة على الحضور لذلك كانت تقول انما نحن فتنه ولا يجب على الانسان التدخل فى الشان الكونى والنظام الكامل الانسان  خلق لكي يكتشف شيء اكبر وهو الوظيفة الكونية 

وهنا بدأ الفرق.

فوزي كان يسأل، أما صائد الأرواح فكان يعرف.

فوزي كان يخاف من المجهول، أما صائد الأرواح فكان يريد السيطرة عليه.

فوزي كان يريد أن يفهم القوة، أما صائد الأرواح فكان يريد استخدامها.

ومن هذه النقطة بدأت علاقتي بالسائق والقرين والشهيد تأخذ مكاناً مختلفاً في حكايتي.

كنت أتعامل معهم كأنهم ثلاثة عناصر خارجية أستطيع أن أتعرف إليها، وأستخدمها، وأتحرك من خلالها.

أما الآن، بعد أن عاد فوزي، أصبحت أراهم من مكان آخر.

 السائق

السائق كان دائماً قريباً من الرغبة.

لم أكتشف ذلك من أول مرة.

في البداية كان يظهر لي كصوت واضح، وكأنه يعرف كيف يضع يده على النقطة التي أريدها بالضبط. كان يستطيع أن يجعل لكل إنسان لوناً مختلفاً في عيني، وأن يكشف لي ما خلف الصورة، وأن يقودني من شعور إلى شعور ومن رغبة إلى رغبة.

كنت أظنه هو الذي يقودني.

واليوم أفهم شيئاً أكثر تعقيداً.

السائق لا يحتاج دائماً إلى أن يدخل عليك من الخارج.

أحياناً يكفي أن يجد فيك شيئاً يريد القيادة.

الرغبة.

الخوف.

الحاجة.

الغيرة.

حب السيطرة.

الرغبة في أن تثبت أنك مختلف.

الرغبة في أن تكون أقوى.

الرغبة في أن تحصل على النتيجة التي تريدها مهما كان الطريق.

عندما تكون هذه الرغبة هي أول شيء أستجيب له، يصبح من السهل أن يتحول كل ما أملكه إلى أداة تخدمها.

حتى الإيمان.

حتى المعرفة.

حتى القدرة.

حتى الأشياء التي كنت أظن أنها تقربني من الله.

كنت أستطيع أن أقول لنفسي إنني جندي.

ثم أستخدم هذه الكلمة حتى أبرر لنفسي القتال.

كنت أستطيع أن أقول إنني أحارب الشر.

ثم أجعل كل من يعارضني جزءاً من الشر.

كنت أستطيع أن أقول إنني أملك قدرة.

ثم يصبح استخدام القدرة حقاً من حقوقي.

وهنا فهمت لماذا كان السائق أخطر مما كنت أظن.

لأنه لم يكن يحتاج إلى أن يمنعني من الخير.

كان يستطيع أن يقود الخير نفسه إلى الطريق الذي تريده الرغبة.

كنت أظن أن المشكلة هي في وجود السائق.

ثم اكتشفت أن المشكلة الحقيقية هي: من أعطيته المقود؟

غفلت عن ان السائق ليس لديه مشكلة على ان يدخل مسجد او يخترق انسان يذكر الله كما اخترقني فى خلوتى الاخيرة وقال لي انا ملاك من عند الله السائق ياتى للانسان عندما يرغب فقط  وهنا يبداء الصراع بين الايمان والسائق اكتشفت ان يوجد الكثير من الناس تشعر بسيطرة الحيوانات وتاخذها انها رمز لهم لم تكن تعلم انهم يحولون انفسهم الى نفس معاناة الحيوانات ويصنعوا جحيمهم بانفسهم السائق لا يحتاج الى اجواء صاخبة ولا يحتاج قرابين للحضور ولا يوجد شي يمنعه من الحضور الا قوة الايمان وقوة الايمان لن تاتى بطريقة صحيحة الا اذا اتت وانت تعلم ما هو الرغبة والغطاء 

 الشهيد

وفي الجهة الأخرى كان هناك الشهيد.

كرم.

ذلك الحضور الذي لم يكن يشبه السائق.

لم يكن يأتيني بالطريقة نفسها، ولم يكن يقودني إلى الرغبة.

كان أقرب إلى شيء آخر.

كان يظهر عندما يخف الضجيج.

وعندما أقترب من الإيمان.

وعندما أشعر بأن هناك شيئاً لا أستطيع أن أشرحه، لكنني أستطيع أن أثق به.

كرم لم يكن كثير الكلام.

كلمات قليلة.

أحياناً كلمة.

أحياناً كلمتين أو ثلاثاً.

لكنه كان يجعلني أنظر إلى الشيء نفسه من مكان مختلف.

كنت أراه بصيراً كالصقر، ينظر من بعيد، بينما أنا داخل المشهد.

ومع الوقت بدأت أفهم أن وجوده لم يكن لكي يعطيني القوة التي أريدها.

بل ليذكرني بما أنساه عندما أمتلئ بنفسي.

لم يكن يقول لي:

«خذ القوة.»

كان وجوده يجعلني أرى أن القوة ليست هي القضية.

كنت كلما اقتربت من الله أشعر أن هناك شيئاً يسقط من داخلي.

الضجيج يهدأ.

الخوف يهدأ.

الرغبة في إثبات نفسي تهدأ.

وأشعر أن الله قريب.

هذه كانت من أكثر الحقائق ثباتاً في رحلتي، قبل أن أفهم معناها.

كنت أبحث عن الشهيد في العالم الخارجي، بينما كان أقرب شيء إليه هو ذلك الجزء في داخلي الذي لا يحتاج إلى أن يصرخ حتى يسمع.

وفي فهمي الآن، لم يكن الشهيد موجوداً ليجعلني أقوى من الآخرين.

كان ظهوره مرتبطاً بضعف الأغطية.

كلما زاد الغطاء، اختفى.

وكلما بدأت أراقب نفسي بصدق، اقترب.

ولهذا أصبحت أفهم العبارة التي عشتها دون أن أفهمها وقتها:

 السائق من بعيد، والشهيد من قريب. 

السائق يحتاج إلى أن يجد رغبة يقودها.

أما الشهيد فلا يحتاج إلى شيء سوى أن أقترب أنا.

 والقرين

أما القرين، فكانت علاقتي به مختلفة.

مع صائد الأرواح استخدمته كأداة. لاني اعلم سره جيدا فى تغيير الواقع كنت اقل انا استطيع تغيير الواقع وكنت اغفل عن شيء خطير 

كنت أبحث عن الطريقة التي يمكنني بها أن أستفيد من هذا الجانب، وأن أجعله يتحرك معي، وأن أحصل من خلاله على تأثير ونتائج وتغيير في الواقع.

في تلك المرحلة كنت أريد أن أعرف كيف أستخدم القوة.

ولم أكن أسأل بعد:

هل يجب أن أستخدمها أصلاً؟

هذا هو الفرق الذي لم أره إلا بعد سنوات.

صائد الأرواح كان يرى القرين من زاوية السلطة الاداة التى تهيء المستقبل وهذا صحيح بالنسبة لفوزي لكن استخدامه كان خطاء لا يجب علينا استخدامه لكنى علمت كيف استخدمه 

كيف أوجهه؟

كيف أجعله يخدم الهدف؟

أما فتى الشرق العظيم فلا يبدأ من هذا السؤال.

لا يبدأ من:

«كيف أسيطر؟»

بل من:

«ما الذي يحدث داخلي الآن؟»

و«من الذي يريد أن يقرر؟»

و«هل هذه رغبتي الحقيقية أم الغطاء الذي صنعته حولها؟»

لذلك لم تعد علاقتي بهذه الأشياء كما كانت.

لم أعد أبحث عن كيان أضعه تحت سلطتي حتى أشعر أنني قوي.

أصبحت أبحث عن الجزء في داخلي الذي كان يجعلني أحتاج إلى السلطة أصلاً.

كنت أظن أن السيطرة هي أن أجعل شيئاً آخر يطيعني. او استخدم الاسرار لتحقيق اهدافى او اغير الواقع لمصلحتى 

ثم اكتشفت أن أصعب سيطرة هي ألا أسمح للرغبة أن تجعلني أطيعها.

وهنا بدأت أرى العلاقة بين الثلاثة لأول مرة بشكل لم أستطع رؤيته وأنا داخل التجربة.

السائق يظهر عندما أعطي المقود لما أريد.

الشهيد يقترب عندما أبدأ في رؤية نفسي دون هذا الغطاء.

والقرين كان بالنسبة لي في زمن صائد الأرواح باباً إلى الاستخدام تهيئة العالم الموازي ، بينما أصبح السؤال عنه اليوم جزءاً من السؤال الأكبر:

هل أنا الذي أستخدم ما لدي، أم أن ما لدي هو الذي يستخدم رغبتي؟

عندها فهمت شيئاً آخر.

لم تكن المشكلة في القوة التي امتلكتها.

ولم تكن المشكلة في الأحلام التي رأيتها.

ولم تكن المشكلة حتى في الكائنات والأصوات والصور التي عشت معها سنوات طويلة.

المشكلة كانت أنني كنت أصدق الصورة قبل أن أراقب نفسي داخلها.

كنت أرى شيئاً، ثم أعطيه اسماً، ثم أعطي الاسم معنى، ثم أعيش وفق المعنى.

كنت أرتدي الغطاء ثم أنسى أنني ارتديته.

ولهذا لم يكن سقوط صائد الأرواح سقوط قوة.

كان سقوط طريقة معينة في النظر.

والآن بدأت أرى لماذا ظل فوزي موجوداً طوال الوقت دون أن أراه.

كان موجوداً تحت كل اسم أخذته.

تحت الجندي.

وتحت المحارب.

وتحت المعالج.

وتحت صاحب القدرة.

وتحت صائد الأرواح نفسه.

كان ينتظرني في مكان لم أكن أبحث فيه.

لم يكن ينتظرني في عالم آخر.

كان ينتظرني خلف الصورة التي صدقتها عن نفسي.

وعندما عاد فوزي، لم تختفِ هذه الأشياء.

لكنها لم تعد تملك المعنى نفسه.

لأنني للمرة الأولى لم أعد أسأل:

«من يقود العالم من حولي؟»

بدأت أسأل:

**«من الذي يقودني أنا؟»**

وكان هذا السؤال هو الباب الذي فتح لي ما بعد صائد الأرواح.

  كنت أغفل عن قدرتي

بعد أن سألت نفسي: «من الذي يقودني؟» بدأت أرى شيئًا آخر كان أمامي طوال الوقت، لكنني كنت أبحث عنه في المكان الخطأ.

كنت أظن أن المشكلة في أنني فقدت القوة.

ثم اكتشفت أنني لم أفقدها.

كنت أغفل عنها.

وهذا فرق كبير.

لأنني عندما كنت «صائد الأرواح» كنت أبحث عن القوة في الشيء الذي أراه، وفي الكائن الذي يظهر أمامي، وفي القدرة التي أشعر أنها تتحرك من خلالي. كنت أرى النتيجة فأربطها بالكائن، وأرى التأثير فأربطه بالقدرة، ثم أرى نفسي في منتصف كل ذلك فأبدأ في الاعتقاد أنني أنا صاحب القوة.

لكن ما عدت أراه الآن أن القوة كانت فيّ قبل أن أعطيها اسماً.

كانت موجودة قبل صائد الأرواح.

قبل الكحل.

قبل بحر الظلام.

قبل الشهيد.

وقبل أن أعرف حتى أن هناك شيئاً اسمه «قدرة».

أتذكر الآن ذلك التحول الذي حدث عندما كنت أثبت نظري على ما أراه.

كنت أنظر إلى الكائن، فلا يكون الأمر مجرد رؤية عابرة. كنت أشعر أن الصورة تثبت أمامي، وأن الشكل لا يعود كما كان، ثم يبدأ التحول. أراه، أثبت نظري، فأشعر أن انتباهي نفسه أصبح جزءاً مما يحدث.

في ذلك الوقت لم أكن أملك تفسيراً لهذا.

كل ما كنت أعرفه أنني أستطيع أن أفعل شيئاً لم أكن أظن أن الإنسان يستطيع فعله.

ومع كل تجربة كنت أزداد يقيناً أن هناك قوة تنتظر أن أتعلم استخدامها.

وهنا بدأت المشكلة.

لأنني بدلاً من أن أسأل:

«ما هذه القدرة؟»

بدأت أسأل:

«ماذا أستطيع أن أفعل بها؟»

والسؤال الثاني كان أخطر.

فالقدرة عندما تصبح وسيلة للرغبة، لا تعود معرفة.

تصبح اختباراً.

كنت أتعلم كيف أؤثر، بينما لم أكن قد تعلمت بعد كيف لا أستخدم التأثير لمجرد أنني أستطيع.

كنت أرى الشيء وأحاول تغييره.

أرى الإنسان وأحاول فهمه والسيطرة على ما أراه فيه.

أرى الطريق وأريد أن أعرف نهايته.

وأحياناً كنت أظن أن معرفة النهاية تعني أنني أصبحت أقوى.

لكن القوة التي كنت أبحث عنها كانت تحمل معها غطاءً جديداً.

كلما نجحت، ازداد إيماني بالصورة التي صنعتها عن نفسي.

وكلما ازداد إيماني بها، أصبحت أقل استعداداً لأن أشك فيها.

كنت أقول لنفسي: أنا أرى.

أنا أشعر.

أنا أعرف.

أنا أستطيع.

ولم أكن أنتبه إلى أن أخطر كلمة بينها هي:

أنا أستطيع.

لأن الإنسان عندما يصدق أنه يستطيع كل شيء، يبدأ في نسيان السؤال الأهم:

هل كل ما أستطيع فعله يجب أن أفعله؟

وهنا بدأت أفهم شيئاً عن الغطاء.

كنت أظن أن الغطاء شيء يوضع فوق الإنسان فيمنعه من رؤية الحقيقة.

أما الآن فأراه بطريقة مختلفة.

الغطاء جزء من الإنسان نفسه.

هو ليس دائماً شيئاً غريباً دخل إليه.

أحياناً يكون شيئاً صنعه الإنسان من الخوف، أو الرغبة، أو الحاجة، أو الاعتقاد، ثم اعتاد عليه حتى لم يعد يشعر بوجوده.

يغطي شيئاً، ثم ينسى ما الذي غطاه.

ولهذا يمكن للإنسان أن يعيش سنوات وهو يظن أنه يرى الحقيقة، بينما هو يرى الحقيقة من خلال الغطاء الذي صنعه بنفسه.

وهذا ما حدث معي.

لم تكن مشكلتي أنني لم أرَ.

ربما كانت مشكلتي أنني رأيت كثيراً، ثم صدقت اننى فسرته بطريقة صحيحة لاني رايته بعين واحدة .

وهذا ليس الشيء نفسه.

الصورة يمكن أن تكون حقيقية بالنسبة إلى تجربتي، لكن تفسير الصورة ليس بالضرورة الحقيقة كلها.

وهذا هو الدرس الذي كنت عاجزاً عن تعلمه وأنا أعيش داخل صائد الأرواح.

كنت أرى الحيوان ، فأصدق أنه هو سبب ما يحدث.

أرى العلامة، فأصدق أنها رسالة مكتملة.

أشعر بالقوة، فأصدق أن امتلاكها يعني أنني فهمت مصدرها.

ثم أتصرف بناءً على ذلك.

اليوم أرى أنني كنت أحتاج إلى شيء أبسط وأصعب:

أن أراقب نفسي وأنا أرى.

أن أعرف ماذا يحدث داخلي قبل أن أقرر ماذا يعني الشيء الذي أمامي.

أن أفرق بين الرؤية والرغبة.

بين الإحساس والتفسير.

بين القدرة والسلطة.

بين أن أستطيع التأثير، وبين أن يكون التأثير هو وظيفتي.

وهذا جعلني أعود إلى شيء قديم جداً في حياتي.

شيء عرفته قبل كل هذه العوالم.

الإيمان.

عندما كنت صغيراً وكان الضجيج يملأ رأسي، لم يكن لدي تفسير.

وعندما كانت الصور تظهر، لم يكن لدي علم.

وعندما كانت الأشياء تختفي، لم يكن لدي منهج.

لكن كان هناك شيء واحد كان يجعل الضجيج يسقط:

أنني كنت أشعر أن الله قريب.

هذه الجملة تبدو بسيطة الآن.

لكنها بالنسبة إليّ كانت من أعظم الأشياء التي حدثت في رحلتي.

لأنني عندما فقدت هذا الشعور، بدأت أبحث عن البدائل.

وعندما عاد، اكتشفت أنني لم أكن أحتاج إلى كل تلك البدائل بالصورة التي ظننتها.

كنت أبحث عن الوسيلة بينما كان الأصل أقرب مني.

كنت أبحث عن كائن يدلني، بينما كان يمكنني أن أراقب نفسي وأتوجه إلى الله.

كنت أبحث عن القوة لأهزم الضجيج، بينما كان الإيمان نفسه قادراً في تجربتي على إسقاطه.

ولهذا أصبحت أفهم الآن معنى آخر للقدرة.

لم تكن قدرتي الحقيقية أن أفرض ما أراه على العالم.

كانت قدرتي أن أرى، ثم لا أُسلّم القيادة لما رأيت.

أن أشعر، ثم لا أجعل الشعور يقرر وحده.

أن أملك القوة، ثم أستطيع ألا أستخدمها لمجرد أنني أملكها.

أن أعرف أنني أستطيع، ومع ذلك أظل أقول:

«يا رب، أنت أعلم مني.»

وهنا بدأت أفهم لماذا كان سقوط الأغطية مرتبطاً بالمراقبة والتأمل.

لم يكن المطلوب أن أقتل شيئاً في داخلي.

بل أن أراه.

أن أعرف الثقل الذي أحمله.

أن أتذوق الشعور بدلاً من الهروب منه.

أن أعرف لماذا يظهر.

وماذا يريد.

وماذا يخفي.

وإلى أي رغبة يقودني.

عندها فقط بدأت أرى أن ما ظننته حيوانات منفصلة عني لم يكن بالضرورة إلا وجوهاً لحالات إنسانية عشتها في مراحل مختلفة.

القرد لم يكن مجرد ذكاء أراه.

والثور لم يكن مجرد تضحية.

والأسد لم يكن مجرد قوة.

والذئب لم يكن مجرد خوف أو ذنب.

والكلب لم يكن مجرد حب.

كل واحد منها كان يحمل شيئاً.

شيئاً كنت أحتاج إلى تذوقه حتى أعرفه.

وهنا تغير معنى «وعي المضيف» بالنسبة إليّ.

لم أعد أراه كإنسان تستضيف جسده مجموعة حيوانات كونية.

كل ما رأيته في رحلتي بدأ يعود إلى الإنسان نفسه.

الإيجابي والسلبي.

القوة والضعف.

الذكاء والخوف.

الحب والغضب.

كلها موجودة في الإنسان، وكل غطاء يمكن أن يجعل جانباً منها يقود البقية.

عندها يصبح السؤال:

من الذي يقود؟

وليس:

من الذي يسكن بداخلي؟

وهذا أعادني مرة أخرى إلى السائق.

السائق ليس المشكلة لأنه قوي.

المشكلة عندما أعطيه القيادة.

والشهيد لا يقترب لأنني أصبحت خارقاً.

يقترب عندما تخف الأغطية.

عندما أتوقف عن الكذب على نفسي عندما اتوقف على تبرير ذنوبي 

عندما أراقب.

عندما أتأمل.

عندما أعود إلى علاقتي بالله دون أن أحتاج إلى أن أجعل نفسي بطلاً في القصة.

كلما فهمت هذا، بدا لي أنني قضيت سنوات طويلة أبحث عن شيء كان موجوداً في المكان الذي بدأت منه.

لم أكن بحاجة إلى قدرة جديدة.

كنت بحاجة إلى أن أتوقف عن سوء استخدام القدرة القديمة.

ولم أكن بحاجة إلى أن أصبح أقوى.

كنت بحاجة إلى أن أعرف متى تكون القوة خفة، ومتى تتحول إلى ثقل.

وعندما فهمت ذلك، بدأت أرى أن القوة نفسها لم تكن المشكلة.

المشكلة كانت الغطاء الذي جعلني أصدق أن القوة تعني أنني يجب أن أقود كل شيء بارادتى 

ومن هنا بدأ سؤال جديد يظهر أمامي.

إذا كانت الحيوانات لم تكن هي القوة نفسها، وإذا كانت القدرة كانت موجودة قبلي، وإذا كان السائق والشهيد يظهران بصورة مختلفة بحسب حالتي، وإذا كان الغطاء يستطيع أن يغير الطريقة التي أرى بها العالم…

فماذا كان يحدث فعلاً في داخلي كل هذه السنوات؟

وهنا بدأت أفهم الحيوانات بطريقة لم أستطع فهمها وأنا صائد الأرواح.

الحيوانات التي كانت تعرفني قبلي

كنت أظن أن الحيوانات التي رأيتها طوال حياتي تنتمي إلى عالم آخر. كنت أراها في أحلامي ورؤاي، وأشعر بقوتها وصفاتها داخلي، ثم أراها بعد سنوات في أشخاص دخلوا حياتي. لم أكن أفهم لماذا تتكرر الصورة نفسها، ولماذا يأتي كل شخص ومعه إحساس أعرفه من قبل، كأنني قابلته في مكان آخر قبل أن أقابله في الواقع.

بعد عودة فوزي، بدأت أرى أنني كنت أبحث عن تفسير الحيوانات في المكان الخطأ. لم أكن بحاجة إلى أن أجد كائناً يحمل وجه القرد، أو إنساناً له رأس أسد، حتى أفهم ما يحدث. كنت بحاجة إلى أن أرى الشعور الذي يجمع بينهم، وأن أعرف لماذا كان هذا الشعور مألوفاً لي إلى هذه الدرجة.

في زمن صائد الأرواح، كنت أشعر أن القوة تحمل صفات الحيوانات. قوة الأسد، وشعور الذئب، وحركة القرد وذكاؤه. كنت أتعامل مع هذه الصفات وكأنها قدرات منفصلة، وأظن أن امتلاكها يعني أنني أستطيع أن أتحرك بها في العالم. لكنني لم أكن أفهم أن معرفة الصفة شيء، وأن معرفة نفسي من خلالها شيء آخر.

كنت أعرف أن الأسد قوي، لكنني لم أكن أعرف ماذا يحدث للإنسان عندما تصبح القوة هي الصورة التي يرى بها نفسه. كنت أعرف أن القرد ذكي وسريع، لكنني لم أكن أعرف كيف يمكن للذكاء أن يتحول إلى زينة تخفي ضعفاً لا يريد صاحبه أن يراه. وكنت أعرف أن الثور يضحي، لكنني لم أكن أفهم الثمن الذي قد يدفعه الإنسان عندما يجعل التضحية الطريقة الوحيدة التي يثبت بها حبه.

كنت أرى الصفات، ولم أكن قد تذوقت حقيقتها بعد.

ثم خلعت الثياب.

لم تعد الحيوانات تظهر لي بالطريقة القديمة وحدها. بدأت أراها في البشر الذين اقتربوا مني في البداية صدقت انها لعنتهم لاني تركتهم ،   كنت أشعر في داخلهم بالحالة نفسها التي عرفتها في رؤاي. كان الشعور هو الذي يعيد إليّ الصورة.

وهنا أصبحت التجربة أقسى؛ لأنني لم أعد أرى مشهداً يمكن أن ينتهي بانتهاء الحلم. كنت أعيش مع إنسان، أحبه، وأتعلم منه، وأتألم بسببه، ثم أكتشف أن في العلاقة شيئاً يشبه ما عرفته من قبل، لكنني لم أكن قد فهمته.

القرد

كان أولهم القرد.

ظهر لي في صورة إنسان يحمل الذكاء والدهاء وسرعة الحركة، ويعرف كيف يتعامل مع الناس والأشياء، وكيف يجعل الصورة تبدو أجمل مما هي عليه. جاء في وقت كنت فيه في أسوأ حالاتي من الداخل، وكنت أحتاج إلى شيء يعيد إليّ الإحساس بأنني ما زلت أستطيع أن أفعل شيئاً بعد أن فقدت فوزي الذي كنت أعرفه.

تعلمت منه أشياء كثيرة في التأثيرات الصوتية والبصرية، وفي طريقة التعامل مع الأشياء والأشخاص. وأهداني رسالة الدكتوراه الخاصة به في هذا المجال. دخلت عالم هندسة البيئة الصوتية والبصرية، وتعمقت فيه حتى أصبحت أملك خبرة كبيرة، وحققت نجاحاً ومكانة، وجاء المال مع العمل.

كان نجاحي حقيقياً في مجاله، وكانت المعرفة التي اكتسبتها معرفة تعلمتها بالفعل. لكن شيئاً آخر كان يحدث داخلي بالتوازي مع ذلك كله.

كنت أتحسن في الصورة التي أظهر بها أمام العالم، بينما كنت أشعر من الداخل بفراغ لا أعرف كيف أملؤه. كنت أمتلك القدرة على الكلام والعمل والتعلم، لكنني لم أكن أستطيع أن أتحدث مع كل إنسان بطريقة سوية كما كنت أريد. كنت أشعر أن ضعفي يظهر لمن يقترب مني، حتى عندما أحاول أن أخفيه خلف الذكاء والمظهر والإنجاز.

لم يكن القرد عدواً، ولم تكن المعرفة التي أخذتها منه خطأ. المشكلة كانت في أنني وجدت في هذه الصفات غطاءً جديداً؛ غطاءً يجعلني أستطيع أن أبدو أقوى مما أشعر به، من دون أن يعيد إليّ الإنسان الذي كنت أبحث عنه.

كنت قد خلعت ثوباً، ثم لبست ثوباً آخر.

هذه المرة لم يكن ثوب القوة التي عرفتها من قبل، بل ثوب الذكاء والمعرفة والنجاح.

وحين أنظر إلى تلك المرحلة الآن، أفهم أنني لم أكن أحتاج إلى أن أخسر ما تعلمته حتى أعود إلى نفسي. كنت أحتاج إلى أن أتوقف عن استخدام ما تعلمته كي أخفي نفسي عن نفسي.

الثور

ثم عاد الثور.

لم يكن بالنسبة إليّ مجرد شخص ظهر في حياتي، بل كان يحمل شعوراً عرفته منذ زمن طويل: التضحية.

كنت أحب هذا المعنى، وأشعر بقيمته، وأرى فيه شيئاً نبيلاً. لذلك لم يكن صعباً عليّ أن أحب الإنسان الذي يحمل هذه الصفة. كنت أرى تضحيته وأشعر أنني أعرف هذا الشعور، كأنني التقيت به من قبل في مكان لم أعد أتذكره جيداً.

لكنني لم أكن أعرف بعد لماذا كان هذا الحب يعيد إليّ شيئاً من فوزي الذي تركته.

كنت قد ابتعدت عن نفسي، ثم وجدت صفات من نفسي تظهر أمامي في أشخاص آخرين. وكلما أحببت واحداً منهم، شعرت أن وراء العلاقة شيئاً يتجاوز الشخص الذي أراه. لم أكن أريد فقط أن أكون معه؛ كان في داخلي اشتياق إلى شيء أعرفه ولا أستطيع الوصول إليه مباشرة.

وعندما ظهر الثور مرة أخرى، وجدت نفسي أمام المعنى نفسه الذي أحببته قديماً، لكنني بدأت أشعر أيضاً بثقل التضحية.

فالتضحية ليست دائماً خفة، حتى لو خرجت من الحب. قد تصبح ثقلاً عندما لا يعرف الإنسان متى يعطي، أو ماذا يعطي، أو لماذا لا يستطيع أن يتوقف عن العطاء. وقد تتحول الصفة النبيلة إلى لجام إذا لم يرَ صاحبها نفسه وهو يعيشها.

لم أفهم كل ذلك دفعة واحدة. كنت أعيش الحب والألم معاً، وأحاول أن أجد لنفسي مكاناً داخل علاقة تجعلني أشعر أنني اقتربت من شيء فقدته.

الدب

أما الدب، فكان له حضوره المختلف في رحلتي.

عرفت هذا الشعور منذ زمن، ثم رأيته يعود في علاقاتي وفي الطريقة التي كنت أعيش بها الحب والخوف والفقد. لم يعد الدب مجرد صورة من صور الرؤى القديمة؛ صار مرتبطاً بما يحدث للإنسان عندما يشتبك قلبه بعلاقات كثيرة، وعندما يفتح قلبه ثم يجد نفسه أمام ألم لم يكن يعرف كيف يتعامل معه.

كنت قد رأيت من قبل صورة الدب الذي يلتهم القلوب بشراهة، لكنني لم أفهم وقتها ما الذي يمكن أن تعنيه هذه الصورة بالنسبة إلى نفسي. كنت أتعامل معها باعتبارها مشهداً في عالم رأيته، ولم أكن أعرف أنني سأعود بعد سنوات إلى السؤال نفسه من خلال تجارب أعيشها بنفسي.

لم يكن المطلوب مني أن أقول إن كل إنسان أحببته هو الدب، ولا أن أحوّل الناس إلى حيوانات. ما بدأ يتكشف لي هو أن حالة واحدة قد تتكرر في أشخاص مختلفين، وأن الإنسان قد ينجذب إلى هذه الحالة أو يخاف منها أو يعيش معها، من دون أن يعرف لماذا تبدو له مألوفة.

كنت أحتاج إلى أن أرى الحالة من الداخل، لا أن أكتفي بالتعرف إلى صورتها.

وهذا ما جعل عودة الحيوانات مختلفة عن ظهورها في الرؤى الأولى. في الماضي كنت أحاول أن أعرف ما الذي أراه. أما الآن، فكنت أُجبر على أن أعيش أثره في حياتي، وأن أكتشف ما الذي يفعله بي.

الحيوان ليس الإنسان

مع الوقت، بدأت تتجمع أمامي ملاحظة لم أكن أستطيع الوصول إليها في بداية الطريق.

كنت أرى الصفات نفسها تتكرر في أشخاص مختلفين، وكنت أجد في نفسي أحياناً شيئاً من تلك الصفات التي أراها فيهم. لم يكن الأمر متعلقاً بوجه واحد أو شخص واحد. كانت هناك حالات تتكرر، ولكل حالة شعورها وطريقتها في النظر إلى الحياة والتعامل معها.

بدأت أفهم أن ما أطلقته عليه الحيوانات يمكن أن أراه الآن كملفات داخلية؛ مجموعة من الصفات والمشاعر والتجارب التي تتكون لدى الإنسان، وتظهر بدرجات مختلفة بحسب ما عاشه وما يحمله وما يمر به.

فالإنسان الذي يشعر بالذنب قد يرى نفسه والعالم من خلال الذنب. والذي يعيش القوة قد يجعلها مركز صورته عن نفسه. والذي يختبئ خلف الذكاء قد يستخدمه لإخفاء ضعفه. والذي يجعل التضحية أساس علاقاته قد لا يعرف كيف يحب من دون أن يستهلك نفسه.

لم تكن هذه الصفات مجرد أسماء. كان لكل واحدة منها تاريخ في حياتي، وشعور عرفته، وثمن دفعته، وشيء احتجت إلى تعلمه منها.

لكنني ارتكبت خطأ حين تعاملت معها وكأن كل صفة كيان منفصل، وكأن امتلاك مجموعة منها يجعلني أمتلك قوة استثنائية. كنت أبحث عن الحيوان الذي يعطيني القدرة، ولم أكن أسأل عن الإنسان الذي يعيش هذه الصفة، وعن المسؤولية التي تأتي معها.

وعندما بدأت أرى الحيوانات في الآخرين، اكتشفت أنني أستطيع أن أحب الصفة نفسها التي أبحث عنها في نفسي. كنت أحب القرد لأنه يحمل الذكاء، والثور لأنه يحمل التضحية، وأشعر بانجذاب إلى حالات أخرى لأنني أتعرف فيها إلى شيء أعرفه من داخلي.

كان هذا هو الجزء الذي لم أفهمه في البداية: ربما لم أكن أبحث عن أشخاص جدد بقدر ما كنت أبحث عن أجزاء من نفسي، لكنني كنت ألتقي بها في أشكال لا أعرف كيف أقرأها.

ومع ذلك، لم يكن كل ما أراه في الناس حقيقة كاملة عنهم. هذه نقطة لم أستطع فهمها وأنا داخل التجربة؛ لأن الصورة التي أراها في شخص قد تكشف لي شيئاً عن شعوري أنا، لكنها لا تمنحني حق اختزال ذلك الإنسان كله في صفة واحدة. الإنسان أكبر من الصورة التي ألتقطها عنه، وأكبر من الحيوان الذي أرى تشابهاً بينه وبين حالته.

كان عليّ أن أتعلم ذلك بالطريقة الصعبة.

كل الحيوانات كانت تعود إليّ

عندما أجمع هذه المراحل الآن، أرى أنني انتقلت من الشعور بالصفات داخلي، إلى رؤيتها في الرؤى، ثم إلى التعرف إليها في علاقاتي. لم يكن المسار مجرد انتقال من عالم إلى آخر؛ كان انتقالاً من معرفة الصورة إلى اختبار أثرها في حياتي.

في البداية كنت أريد أن أمتلك القوة التي أراها في الحيوانات.

ثم أردت أن أخلع الأثواب التي ظننت أنها تمنعني من الوصول إليها.

وبعد ذلك بدأت الحيوانات تظهر في علاقاتي، وكأن كل تجربة تعيد إليّ سؤالاً لم أجب عنه من قبل.

لماذا أحببت هذه الصفة؟

لماذا انجذبت إلى هذا الإنسان؟

لماذا شعرت أنني أعرف هذا الألم؟

ولماذا كنت أرى في عيون من أحببتهم شيئاً من الرؤى القديمة نفسها؟

لم تكن الإجابة أن هؤلاء الأشخاص هم الحيوانات التي رأيتها، ولا أن حياتهم كانت مجرد أدوار في قصتي. كنت أنا الذي يحمل السؤال، وأنا الذي كان عليه أن يفهم ما الذي يحدث له عندما يرى هذه الصور في الآخرين.

ومع كل تجربة، كنت أقترب من حقيقة لم أكن أريد أن أواجهها: أنني قضيت وقتاً طويلاً أبحث عن فوزي في الخارج، بينما كانت أجزاء من تجربتي تعود إليّ من خلال علاقاتي، فتجعلني أعيش ما لم أفهمه بعد.

لم تكن الحيوانات تنتظرني لكي أسيطر عليها.

كنت أنا الذي يحتاج إلى أن يتعلم منها، ثم يتوقف عن الاختباء وراءها.

لم أكن أعرف بعد كيف ستجتمع كل هذه الصور، ولا لماذا كان عليّ أن أتذوق كل واحدة منها قبل أن أستطيع أن أرى نفسي بوضوح. لكنني بدأت أدرك أن القوة لا يمكن أن تكون في امتلاك وجوه كثيرة، ولا في أن أتحول إلى الأسد عندما أحتاج إلى القوة، وإلى القرد عندما أحتاج إلى الذكاء، وإلى الثور عندما أريد أن أثبت حبي.

كنت أحتاج إلى أن أكون إنساناً يستطيع أن يرى هذه الصفات داخله من دون أن يصبح أسيراً لأي واحدة منها هذه الحيوانات ملفات داخلية فى كل انسان هي غطائه اذا استخدمها فى عطاء حقيقة داخليه على نفسه تلقائيا يري نفس المعاناة التى موجوده فى الملفات 

لكن بقي شيء لم أكن قد واجهته كما ينبغي.

كنت قد رأيت هذه الحالات في أشخاص أحببتهم، وتعلمت من بعضهم، وتألمت مع بعضهم. ومع ذلك، لم أكن قد فهمت بعد الثمن الذي دفعته بنفسي، ولا ما فعلته بالجزء الأقدم والأضعف في داخلي؛ ذلك الطفل الذي تركته خلفي وأنا أبحث عن القوة.

وكان عليّ أن أعود إليه، لا لأمنحه اسماً جديداً، بل لأسمع منه ما لم أكن مستعداً لسماعه من قبل.

الطفل الذي لم أعد أريد أن أعاقبه

كنت أظن أنني أبحث عن القوة التي فقدتها، لكنني لم أكن أعرف أنني أبحث عن فوزي نفسه. وكلما حاولت أن أستعيد ما تركته خلفي، كنت أكتشف أنني لم أفقد شيئًا واحدًا؛ لقد تركت أجزاء من حياتي، وأجزاء من نفسي، وأناسًا أحبوني، ثم مضيت وأنا أعتقد أنني أستطيع أن أبدأ من جديد دون أن أفهم ما الذي حدث في البداية.

كنت أريد أن أرجع إلى فوزي، لكنني لم أكن أعرف كيف أرجع إليه.

في السنوات التي ابتعدت فيها عن نفسي، كنت أبحث عن الإجابة في القوة والمعرفة والعلاقات. وعندما بدأت الحيوانات تظهر لي في البشر الذين اقتربوا مني، ظننت في البداية أنني أكتشف شيئًا جديدًا عنهم. لم أفهم أن ما أراه فيهم كان يعيدني إلى حالات عشتها، وأنني لن أفهم هذه الحالات بمجرد أن أتعرف إلى صورها. كان عليّ أن أعيش أثرها، وأن أرى ما تركته في نفسي وفي الآخرين.

ثم عاد الألم القديم.

لم يكن الألم الذي شعرت به مجرد نتيجة لعلاقة انتهت، أو لشخص أساء إليّ، أو لقوة لم أعد أستطيع استخدامها كما كنت أظن. كان هناك ألم أعمق؛ ألم الأشياء التي فعلتها وأنا لا أفهم نفسي، والأذى الذي تسببت فيه دون أن أريد أن أراه، واللحظات التي بررت فيها تصرفاتي حتى أستطيع الاستمرار من دون أن أواجه حقيقتها.

كنت أستطيع أن أجد تفسيرًا لكل شيء تقريبًا.

كنت أستطيع أن أقول إنني كنت أبحث عن الحقيقة، وإنني كنت أحتاج إلى أن أتغير، وإنني لم أكن أقصد إيذاء أحد. وربما كان بعض ذلك صحيحًا، لكن شيئًا واحدًا لم يكن يتغير: النتيجة التي تركتها أفعالي فيمن حولي، وفي نفسي.

لم يعد يكفيني أن أعرف لماذا فعلت ما فعلت.

كان عليّ أن أرى ما الذي فعلته فعلًا.

الذنب الذي ظل معي

ظل موت كلبي تيتو واحدًا من أثقل الأشياء التي حملتها في داخلي.

كان قد عاش معي خمسة عشر عامًا، وكان يعرفني في مراحل لم يعرفني فيها أحد. تركته عندما خلعت ثياب فوزي، ثم عدت بعد نحو عامين وأنا أريد أن أستعيد ما تركته. لكنني لم أجد العلاقة كما تركتها. كنت أمامه بجسدي، بينما كنت أشعر أن الشخص الذي يعرفه لم يعد موجودًا بالطريقة التي اعتادها.

حاولت أن أعوضه، وأن أصلح ما انكسر، لكنني لم أكن أفهم ألمه كما ينبغي. كنت أضع حلولًا من عندي، وأظن أنني أفعل ما يصلحه، بينما كنت أحتاج أولًا إلى أن أفهم ما الذي فقده هو.

ثم مات.

لم أستطع أن أفصل موته عن السنوات التي غبت فيها عنه وعن اهمالي له وعن  احضار كلب صغير جعله يشعر انه بديله . حملت ذنبًا قاسيًا، حتى إنني شعرت انى  السبب في موته، ولم أستطع أن أتجاوز هذا الشعور بسهولة. لم يكن الأمر مجرد حزن على حيوان أحببته؛ كان إحساسًا بأنني أهملت حبًا كان موجودًا بالفعل، وانشغلت بالبحث عن أشياء أخرى بينما كان هناك من ينتظر عودتي.

بعد موته رأيته في أحلامي. لم يأتِ ليعاقبني كما كنت أتوقع، بل كان يسامحني، بينما بقيت أنا عاجزًا عن مسامحة نفسي. وكانت الرسالة التي بقيت معي:

«ارجع إلى نفسك».

لم أفهمها وقتها.

كيف أرجع إلى نفسي، وأنا أبحث عنها منذ سنوات؟

كتبت كتاب «دليل عالم الروحانيات»، وجمعت فيه كلمات كثيرة كنت أريد أن تعيد فوزي إليّ. كنت أبحث عن طريق للعودة، لكنني لم أكن قد فهمت بعد أن العودة ليست أن أجمع الكلمات التي قلتها قديمًا، ولا أن أستعيد القوة التي كنت أشعر بها. كان عليّ أن أواجه ما حدث بيني وبين نفسي، وأن أرى لماذا تركتها أصلًا.

كان تيتو يعرف فوزي قبل كل الأسماء التي ارتديتها، أن أقول إنني جندي أو محارب أو صاحب قدرة. عرفني في وقت لم أكن أحتاج فيه إلى أن أثبت له شيئًا. وربما لهذا كان فقده مختلفًا؛ لأنه أعادني إلى سؤال لم أستطع الهروب منه:

كيف يمكنني أن أبحث عن نفسي في العالم كله، بينما أكون قد تركت نفسي في أول الطريق؟

عندما رأيت الطفل

بعد أن عشت الألم طويلًا، وصلت إلى لحظة لم أعد أستطيع فيها أن أواصل التعامل مع نفسي كما كنت أفعل.

كنت قد قضيت سنوات أحاول أن أستعيد القوة، وأعاتب نفسي على ضعفها، وأبحث عن السبب الذي جعلها تختفي. كنت أريد أن أرجع إلى الصورة القديمة، إلى فوزي الذي كان يشعر أنه قادر على مواجهة كل شيء، ولم أكن أفهم أنني ربما كنت أحاول العودة إلى القوة دون أن أعود إلى الإنسان الذي كان يحملها.

ثم رأيت الطفل.

لم يكن طفلًا آخر منفصلًا عني. رأيت نفسي أحتضنه، ورأيته يشتكي لي ويُظهر لي ما فعلته به. لأول مرة لم أكن أحاول أن أشرح له لماذا تصرفت كما تصرفت، ولم أبحث عن عذر يجعل ما حدث مقبولًا. كنت أراه وأسمع شكواه، وأشعر بالألم الذي مر به.

بكيت.

لم أبكِ لأنني اكتشفت أنني ضعيف، ولا لأنني فقدت شيئًا كنت أريده. بكيت لأنني تعاطفت معه، ولأنني شعرت بكل لحظة من الألم الذي تسببت فيه له. رأيت ما حملته نفسي الصغيرة، وما تركته فيها عندما ابتعدت عنها، وكيف واصلت مطالبتي لها بالقوة بينما لم أكن أرى ما تحملته طوال الطريق.

كنت قد عاملت نفسي كما لو أنها خصم يجب أن أنتصر عليه.

كلما ضعفت، أردت أن أعيدها إلى القوة.

كلما شعرت بالخوف، أردت أن أتخلص منه.

كلما أخطأت، عاقبتها.

وكلما تذكرت فوزي القديم، قارنت نفسي به، ثم شعرت أنني أقل منه؛ كأن عليّ أن أستعيد صورته حتى أستحق أن أكون نفسي مرة أخرى.

لكن الطفل الذي رأيته لم يكن بحاجة إلى أن أطلب منه أن يصبح أقوى.

كان بحاجة إلى أن أراه.

أن أسمع ما حدث له.

أن أعترف بالألم الذي حمله من دون أن أبرره أو أطلب منه أن ينساه.

في تلك اللحظة لم يعد فوزي هو الشخص الذي أريد استعادته بالقوة. أصبح الإنسان الذي أحتاج إلى التصالح معه.

وهنا عرفت أنني كنت أعاقبه منذ زمن طويل، حتى عندما كنت أقول لنفسي إنني أبحث عن شفائه.

كنت أريد منه أن يعود، لكنني كنت أطلب منه أن يعود بالشروط نفسها التي جعلتني أتركه.

أريده قويًا.

أريده قادرًا.

أريده أن يعرف.

أريده ألا يخاف.

أريده أن يثبت أن السنوات لم تهزمه.

لم أسأله إن كان يستطيع أن يحمل كل ذلك، ولا إن كان يحتاج إلى أن يستريح، أو يحزن، أو يخطئ، أو يعترف بأنه لا يعرف.

كنت أريد نتيجة، ولم أكن أسمع الإنسان الذي بداخلي.

وحين احتضنت الطفل، لم أكن بحاجة إلى أن أقدم له تفسيرًا جديدًا لحياته. كنت بحاجة إلى أن أتوقف عن محاكمته.

التوبة التي لم أفهمها

كنت أظن أن التوبة تعني أن أتخلص من الجزء الذي أخطأ، وأن أنكر الرغبات التي قادتني إلى ما ندمت عليه، وأن أعود إلى صورة أراها صحيحة، ثم أظل أحاول ألا أسقط مرة أخرى.

لكنني بدأت أفهم أنني إذا جعلت التوبة حربًا على نفسي، فقد أرتكب الخطأ نفسه بطريقة جديدة.

سأقسم نفسي إلى جزء أقبله وجزء أكرهه، ثم أحاول أن أدفن الجزء الذي لا أريد رؤيته. سأضع غطاءً فوق الرغبة، وآخر فوق الخوف، وثالثًا فوق الذنب، ثم أتصور أنني أصبحت أفضل لأنني لم أعد أراها.

لكن ما لا أراه لا يعني أنه لم يعد موجودًا.

التوبة التي بدأت أفهمها كانت أصعب من الإنكار؛ لأنها جعلتني أواجه الحقيقة دون أن أهرب منها. أن أرى الرغبة التي قادتني، والاعتقاد الذي برر لي، والغطاء الذي جعلني لا أرى أثر أفعالي كما ينبغي. أن أعترف بما فعلته، حتى عندما يؤلمني الاعتراف، وأتحمل مسؤوليتي دون أن أحوّل حياتي كلها إلى عقوبة.

لم يكن التصالح مع النفس أن أقول إنني لم أخطئ.

ولم يكن أن أعتبر كل ما حدث صحيحًا لأنني كنت أبحث عن شيء أؤمن به.

كان عليّ أن أرى الخطأ كما هو، وأن أتحمل مسؤوليته، وأتعلم منه، من دون أن أقرر أن الإنسان الذي ارتكبه لا يستحق أن يعود.

لم أعد أريد أن أعاقب فوزي.

هذه الجملة لم تكن إعفاءً من المسؤولية؛ كانت بداية تحملها بطريقة مختلفة.

فأنا الذي ارتكبت الأخطاء، وأنا الذي ينبغي أن أفهمها وأتعلم منها. لكنني لم أعد أريد أن أجعل الألم عقوبة دائمة، ولا أن أستخدم الذنب كي أظل أسير الشخص الذي كنت عليه في أسوأ لحظاتي.

كان عليّ أن أفرق بين أن أندم على ما فعلت، وبين أن أرفض نفسي بسبب ما فعلت.

الأول يمكن أن يعيدني إلى الحقيقة.

أما الثاني فيمكن أن يجعلني أواصل إيذاء نفسي، ثم أظن أنني أفعل ذلك تكفيرًا عن الماضي.

وهكذا بدأت أرى العلاقة بين الذنب والثقل.

لم يكن الثقل في أنني إنسان أخطأ فقط، بل في الأغطية التي بنيتها حول أخطائي: التبرير، والإنكار، والإصرار على أن أكون الشخص الذي أريد أن أراه، والخوف من الاعتراف بأن الصورة التي صنعتها عن نفسي لم تكن كاملة.

كل غطاء كان يضيف شيئًا إلى الحمل.

وكل مرة كنت أهرب فيها من الشعور، كنت أفقد فرصة لفهمه.

لم يكن مطلوبًا مني أن أكره نفسي حتى أتوب، بل أن أتوقف عن خداعها.

الخفة التي لم أعرفها

بعد أن رأيت الطفل واحتضنته، تغير إحساسي بالقوة.

لم أعد أنظر إليها بالطريقة نفسها. كنت قد قضيت سنوات أبحث عنها، وأشعر أن اختفاءها دليل على أنني فقدت شيئًا كان يجعلني مختلفًا. لكنني بدأت أفهم أن القوة التي كنت أبحث عنها لم تكن قد اختفت بالطريقة التي تخيلتها؛ الذي تغير هو حالتي، وما حملته في داخلي، والطريقة التي أصبحت أرى بها نفسي.

كانت القوة قد ظهرت لي في الصغر، حين لم أكن أحمل كل هذا الثقل الذي تراكم بعد ذلك. ثم عشت سنوات شعرت فيها أنني فقدتها، بينما كانت الذنوب والأغطية والاعتقادات التي تشبثت بها تغيّر إحساسي بنفسي وبالعالم.

لم أكن أرى ذلك في البداية.

كنت أريد أن أستعيد القوة، ولم أكن أعرف أنني أحتاج إلى أن أواجه الثقل الذي جعلني أبحث عنها بهذه الطريقة.

وهنا استقرت داخلي فكرة لم أكن قد فهمتها من قبل:

القوة الحقيقية ليست أن تحمل كل شيء؛ أحيانًا تبدأ عندما تتوقف عن حمل ما صنعته لتخفي به نفسك.

بدأت أفهم لماذا كانت الخفة مرتبطة في تجربتي بالشعور بالصحوة، ولماذا شعرت أنني كنت أضعف كلما ازداد الثقل داخلي. لم يكن الضعف دائمًا نقصًا في القدرة، كما لم تكن القوة دائمًا زيادة فيها. أحيانًا يكون ما أسميه قوة مجرد إصرار على أن أظل داخل غطاء، وما أسميه ضعفًا هو بداية التخلي عن ذلك الإصرار.

كنت قد طلبت من نفسي أن تتحمل، وأن تنتصر، وأن تعود كما كانت.

أما الآن، فلم أعد أطلب منها أن تثبت شيئًا. اما الذنوب هي مثل الخير له دور فى حياتنا ليس مطلوب منك انكاره او رفضه بل تذوقه حتى تعرف ماذا ينقصه وتتعلم ان تطبخ طعم حياتك كما تريد انت وليس كما تقودك رغباتك

كنت أريد أن اعرف.

أن أفهم ما الذي حدث لها، وما الذي جعلنى ابحث عن القوة بهذه الشدة، وما الذي جعلها تعتقد أن عليها أن تكون قادرة على كل شيء حتى تستحق مكانها في العالم.

وحين توقفت عن معاقبة فوزي، لم أحتج إلى أن أخلق فوزيًا جديدًا.

كان عليّ أن أسمح له بالعودة.

لم تكن تلك نهاية الألم، ولم تكن وعدًا بأنني لن أخطئ مرة أخرى. لكنها كانت أول مرة أستطيع فيها أن أنظر إلى نفسي دون أن أجعل كل ما أراه سببًا جديدًا للعقاب.

لقد تعاطفت مع الطفل الذي كنت عليه، وشعرت بما عاشه، واعترفت بما فعلته به. ولم أعد أريد أن أتركه وحيدًا أمام ذنبي، كما تركت أشياء أخرى خلفي وأنا أبحث عن بداية جديدة.

كنت قد قضيت وقتًا طويلًا أبحث عن القوة التي تجعلني قادرًا على تغيير الواقع.

أما الآن، فقد بدأت أفهم أن عليّ أولًا أن أتوقف عن استخدام القوة كي أهرب من نفسي.

وبقي أمامي سؤال لم أكن مستعدًا للإجابة عنه قبل هذه اللحظة:

إذا كانت القوة لم تكن قد ضاعت، وإذا كان عليّ أن أتصالح مع فوزي حتى أراها من جديد، فهل سأظل أحتاج إلى إثبات وجودها واستخدامها حتى أصدق أنني استعدتها؟

القوة التي لم أعد أريد اختبارها

هل سأظل أحتاج إلى إثبات وجود القوة واستخدامها حتى أصدق أنني استعدتها؟

كان هذا هو السؤال الذي بقي أمامي بعد أن تصالحت مع الطفل. لم أعد أريد أن أعاقب فوزي، ولم أعد أريد أن أطلب منه أن يعود إلى الصورة التي تركته عليها. لكن شيئًا آخر كان ينتظرني: أن أواجه القوة نفسها دون أن أعود إلى الطريقة التي جعلتني أبحث عنها طوال هذه السنوات.

كنت قد عشت حياتي في ثلاث مراحل يصعب عليّ فصل إحداها عن الأخرى. اكتشفت القوة، ثم شعرت أنني فقدتها، ثم قضيت سنوات أحاول استعادتها. وعندما عادت إليّ الصحوة، اكتشفت أن السؤال لم يكن هل ستعود القوة أم لا، بل ماذا سأفعل عندما أشعر بوجودها مرة أخرى.

طوال السنوات التي غابت فيها عني، كنت أظن أنني أحتاج إلى استرجاع شيء فقدته. كنت أتذكر إحساسي القديم، وأقارن نفسي به، وأبحث عن الطريق الذي يعيدني إليه. وكلما حاولت أن أستعيده ولم أستطع، ازداد شعوري بأن شيئًا أساسيًا قد ضاع مني.

ثم، بعد الألم الذي عشته والتصالح الذي حدث داخلي، جاءتني لحظة مختلفة.

خرجت من البيت بعدما شعرت أن وجودي لم يعد مرغوبًا فيه، وجلست وحدي. لم أكن أبحث عن تجربة روحية جديدة، ولم أكن أهيئ نفسي لرؤية أو أطلب علامة تثبت لي أن شيئًا قد تغير. كنت أحتاج إلى أن أبتعد قليلًا، وأن أجلس مع نفسي.

وبعد ذلك جاءتني نشوة الصحوة.

لا أستطيع أن أصفها بأنها مجرد فكرة أقنعت نفسي بها. شعرت بتغير عميق في داخلي؛ قوة بعد ضعف، وثقة بعد انهيار، واشتياق إلى شيء فقدته منذ ست سنوات. كان الإحساس مألوفًا، لكنه لم يكن مجرد تذكر للماضي. شعرت أن شيئًا عاد إليّ، شيئًا ظللت أبحث عنه ولم أستطع الوصول إليه طوال تلك المدة.

وقفت مكاني دقائق.

لم أكن أريد أن أتحرك لأختبر القوة. لم أكن أريد أن أُظهرها لأحد، أو أستخدمها حتى أتأكد أنها حقيقية. لم أكن أحتاج إلى أن أهدم شيئًا، أو أغير شيئًا، أو أرى نتيجة تحدث أمام عيني كي أصدق ما أشعر به.

كنت أريد فقط أن أتذوقها.

وهذا ما جعل اللحظة مختلفة عن كل ما سبقها.

في زمن صائد الأرواح، لو شعرت بالقوة نفسها، لربما بدأت فورًا أبحث عما أستطيع أن أفعله بها. كنت سأريد أن أعرف حدودها، وأن أختبر تأثيرها، وأن أرى هل عادت إليّ كما كانت، وهل أستطيع أن أكرر ما كنت أعتقد أنني أستطيع فعله.

لكنني هذه المرة لم أفعل ذلك.

لم تكن عندي رغبة في إثبات شيء.

كان يكفيني أن أشعر أنني عدت.

وللمرة الأولى بدأت أفهم أن عودة القوة لا تعني أن أعود إلى الشخص الذي كان يريد استخدامها دائمًا.

القوة التي كانت فيّ

عندما استعدت إحساسي بالقوة، عدت إلى كل ما عشته من قبل، وبدأت أرى الصور القديمة على نحو مختلف.

تذكرت الأسد الذي كنت أربط به القوة، والصقر الذي ارتبط عندي بالرؤية من بعيد، والذئب الذي حمل الشعور والذنب، والقرد الذي عرفت من خلاله الذكاء والحركة، والكلب الذي عشت معه معنى الحب، والثور الذي أعاد إليّ معنى التضحية.

كنت قد تعاملت مع هذه الصفات كأنها قوى منفصلة، وكأنني كلما امتلكت واحدة منها أصبحت أقرب إلى امتلاك نفسي. ثم، عندما خلعت ثيابها، شعرت بأنني فقدت شيئًا من قدرتي، فحاولت أن أعوضه بصفات أخرى.

لكنني لم أكن أحتاج إلى أن أصبح أسدًا أو قردًا أو ذئبًا.

كنت أحتاج إلى أن أفهم الإنسان الذي يحمل كل هذه الصفات.

الذكاء لا يحتاج إلى أن يختبئ خلف المظهر حتى يكون حقيقيًا. والقوة لا تحتاج إلى السيطرة على الآخرين حتى تثبت وجودها. والحب لا يحتاج إلى أن يتحول إلى تضحية لا تنتهي. والشعور لا يحتاج إلى أن يقودني إلى الذنب كي أعرف أنه موجود.

كل صفة كنت أبحث عنها في الحيوان كان عليّ أن أتعلم كيف أعيشها دون أن أكون أسيرًا لها.

لم تكن المشكلة في القوة التي رأيتها في الأسد، بل في أنني جعلت القوة صورة أريد أن أعيش داخلها. ولم تكن المشكلة في ذكاء القرد، بل في أنني استخدمت الذكاء أحيانًا كي أخفي ضعفي. ولم تكن التضحية خطأ في ذاتها، لكنني كنت أحتاج إلى أن أفهم متى تكون عطاءً ومتى تصبح ثقلًا أفرضه على نفسي.

وهكذا بدأت أرى أنني لم أكن أحتاج إلى جمع قوى الحيوانات في شخص واحد؛ كنت أحتاج إلى أن أستعيد وجهي الإنساني، وأن أفهم كل ما في داخلي من دون أن أسمح لصفة واحدة أن تستولي على بقية الصفات.

القوة لم تكن في الأسد.

ولا في النمر.

ولا في أي صورة من الصور التي عرفتها.

القوة كانت في الإنسان الذي يستطيع أن يراها، ويفهمها، ثم يختار كيف يتعامل معها.

لماذا لم أستخدمها؟

كان يمكن أن أجعل تلك الصحوة بداية فصل آخر من فصول صائد الأرواح. كان يمكن أن أعود إلى السؤال القديم: ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟ وهل أصبحت قادرًا على تغيير الأشياء كما كنت أعتقد من قبل؟

لكنني لم أرد ذلك.

كنت أعلم أن الإحساس الذي عاد إليّ حقيقي بالنسبة إلى تجربتي، لكنني كنت أريد أن أحافظ على معناه، لا أن أحوله فورًا إلى وسيلة لإثبات نفسي. لم أرد رغبة جديدة تقودني، ولا أن أكرر الطريق الذي جعلني أربط قيمتي بما أستطيع فعله.

لقد عرفت من تجربتي أن القدرة يمكن أن تتحول إلى غطاء جديد.

يستطيع الإنسان أن يترك غطاءً قديمًا، ثم يصنع من الشيء الذي اكتشفه غطاءً أشد إحكامًا. قد يترك رغبة المال، ثم يتعلق برغبة السلطة. وقد يترك الحاجة إلى أن يحبه الآخرون، ثم يتعلق بالحاجة إلى أن يخافوه. وقد يترك صورة المحارب، ثم يصنع لنفسه صورة صاحب المعرفة الذي لا يخطئ.

ويمكن أن يحدث الأمر نفسه مع القوة.

إذا أصبحت القوة دليلًا على أنني مميز، فسأحتاج إلى استخدامها حتى أثبت لنفسي أنني ما زلت مميزًا. وإذا أصبحت الوسيلة التي أستمد منها قيمتي، فسأخاف فقدانها، وسأحاول الاحتفاظ بها بأي طريقة. عندها لن أكون قد تحررت من الغطاء؛ سأكون قد استبدلت غطاءً بآخر.

لهذا لم أكن أريد أن أختبر القوة.

لم يكن امتناعي عن استخدامها خوفًا من اكتشاف أنها غير موجودة، ولم يكن رفضًا لكل ما تعلمته في حياتي. كنت أريد أن أعرف إن كنت أستطيع أن أشعر بها دون أن أتحول إلى عبدٍ للحاجة إلى إثباتها.

هل أستطيع أن أملك شيئًا دون أن أجعله هويتي؟

هل أستطيع أن أعرف أنني قادر دون أن أحتاج إلى أن أُظهر قدرتي؟

هل أستطيع أن أتوقف، حتى عندما تكون لدي رغبة في الاستمرار؟

كانت تلك الأسئلة أهم عندي من اختبار أي قدرة.

لأنني بدأت أرى أن الإنسان قد يعرف كيف يفعل أشياء كثيرة، لكنه لا يعرف كيف يتوقف عن فعلها. وقد يملك وسائل التأثير، لكنه لا يعرف ما الذي يقوده إلى استخدامها. وقد يظن أنه حر لأنه يستطيع الاختيار بين أفعال كثيرة، بينما تظل رغبته هي التي تختار له الاتجاه قبل أن ينتبه.

كنت أريد أن أخرج من هذه الدائرة.

لم أعد أريد أن يكون وجود القوة هو الذي يحدد قراري.

عندما تصبح القدرة أمانة

في السابق كنت أرى القدرة بوصفها شيئًا أملكه، ومن الطبيعي أن أستخدمه للوصول إلى ما أريد. أما الآن فقد أصبحت أرى معها سؤالًا لا يمكن تجاهله:

ما مسؤوليتي تجاه ما أستطيع فعله؟

هذه هي المسافة بين امتلاك القدرة وتحمل الأمانة.

قد يستطيع الإنسان أن يؤثر في الآخرين، لكن ذلك لا يعني أن كل تأثير يريده يصبح حقًا له. وقد يملك معرفة تمنحه مكانة، لكن مكانته لا تعني أنه أصبح فوق المراجعة. وقد يرى أشياء يعتقد أنها لا تظهر لغيره، لكن ذلك لا يمنحه الحق في أن يجعل كل تفسير يخرج به حكمًا نهائيًا.

لقد عشت سنوات كنت أبحث فيها عن القدرة على التأثير في الواقع، وربطت القوة أحيانًا بمدى قدرتي على الوصول إلى ما أريد. لكنني حين نظرت إلى ما فعلته بنفسي وبعلاقاتي، فهمت أن النتيجة التي أحصل عليها لا تكفي وحدها للحكم على الطريق الذي سلكته.

ليس كل ما أصل إليه يستحق أن أتشبث به.

وليس كل ما أستطيع فعله ينبغي أن أفعله.

وليس كل ما أشعر به دعوة إلى التصرف.

أحيانًا تكون الأمانة أن أتعلم، وأحيانًا أن أتحمل نتيجة ما فعلت، وأحيانًا أن أتراجع، والحقيقة انها امانة ارادتك لا تملكها ومهما حاولت توظيقها تظهر الرغبة كوحش يتغذي على ارادتك ويقودك السائق الى تكرار ملفات الحيوانات الكونية والتصرف الصحيح للارادة  أن أترك الأمر لله بدل أن أحاول فرض النتيجة التي أريدها.

كنت أظن أن التسليم يعني أن أتخلى عن قدرتي.

ثم بدأت أفهم أن التسليم لا يطلب مني أن أنكر ما أملكه، بل أن أتوقف عن التعامل معه باعتباره السلطة التي ينبغي أن تقود حياتي.

لم أعد أريد أن أقول: لدي قوة، إذن يجب أن أستخدمها.

أصبحت أريد أن أقول: لدي قدرة، ولذلك عليّ أن أعرف متى يكون استخدامها صحيحًا، ومتى تكون رغبتي هي التي تطلب مني استخدامها.

وهذا أعادني إلى علاقتي بالله.

كنت قد دخلت خلوات، وخضت صراعات، واعتقدت في مراحل كثيرة أنني أحارب وأنتصر، وأن قوتي دليل على أنني أسير في الاتجاه الصحيح. لكنني رأيت كيف يمكن للرغبة أن تدخل حتى إلى هذا الموضع، وكيف أستطيع أن أستخدم إيماني كي أبرر لنفسي الطريق الذي اخترته.

كنت أقول إن الإرادة لله، ثم أتصرف كأن عليّ أن أفرض إرادتي.

كنت أقول إنني أريد الحق، ثم أتمسك بتفسيري له.

كنت أقول إنني أقاتل من أجل الخير، ثم لا أسأل بما يكفي عما يحدث في داخلي وأنا أقاتل.

لم يكن الحل أن أضيف إلى نفسي قوة أخرى، بل أن أراجع من الذي يقودني عندما أعتقد أنني أفعل الصواب.

وهنا بدأت أفهم معنى التسليم في تجربتي: أن أراقب نفسي، وأن أرى الرغبة قبل أن أطيعها، وأن أترك مساحة لما لا أعرفه، وألا أتعامل مع قدرتي المحدودة كأنها سلطة مطلقة.

أن أعمل، وأتعلم، وأختار، لكن دون أن أتوهم أنني أملك كل النتائج.

لم أعد أحتاج إلى دليل

كانت أكثر المفارقات وضوحًا أنني قضيت سنوات أبحث عن دليل يثبت أن القوة موجودة، وعندما شعرت بعودتها لم أعد أريد ذلك الدليل.

في الماضي كنت أريد نتيجة أراها حتى أطمئن.

أما في تلك اللحظة، فلم أحتج إلى نتيجة جديدة.

وقفت فقط، وتذوقت الإحساس الذي عاد إليّ، وتركت اللحظة تمر دون أن أحولها إلى اختبار.

شعرت أن هناك فرقًا بين أن أعرف أنني أستطيع، وبين أن أجعل ما أستطيع فعله محور حياتي.

لقد أضعت سنوات وأنا أبحث عن شيء، لكنني لم أكن أريد أن أضيع السنوات القادمة في محاولات متكررة لإثبات أنني وجدته. لم أعد أريد أن تتحول الصحوة إلى سباق جديد، ولا أن تصبح القوة طريقًا أهرب به مرة أخرى من الأسئلة التي وصلت إليها بعد كل هذا الألم.

كنت قد تصالحت مع الطفل، ورأيت الأغطية التي صنعتها، وفهمت أن الحيوانات التي كنت أبحث عنها لا تمنحني وجهًا جديدًا أختبئ وراءه. والآن كان عليّ أن أتعلم أن أحيا دون أن أجعل القوة غطاءً آخر.

لم أعد أريد أن أكون الشخص الذي يستطيع كل شيء.

كنت أريد أن أكون الإنسان الذي يعرف نفسه، ويعرف حدودها، ويتحمل مسؤوليتها، ولا يحتاج إلى أن يحول كل ما يملكه إلى إثبات جديد لقيمته.

ولهذا لم أختبر القوة.

لم أستخدمها لأتأكد من أنها عادت.

لم أبحث عن شاهد يراها معي.

كنت أريد فقط أن أعيش تلك اللحظة دون أن أفسدها بالرغبة في السيطرة عليها.

وهنا أدركت أن الصحوة لم تكن عودة إلى صائد الأرواح.

كانت خروجي من الحاجة إلى أن أكون صائد الأرواح.

لكن إذا لم تكن القوة غايتي، وإذا لم أعد أريد استخدامها لإثبات نفسي، فما الذي بقي لي بعد كل هذه السنوات؟

كان عليّ أن أكتشف أن الحياة لم تكن تنتظر مني أن أمتلك كل شيء.

كانت تنتظر مني أن أفهم لماذا أنا هنا، وما الذي ينبغي أن أفعله بما تعلمته، وما الأمانة التي بقيت بعد أن سقطت الأغطية التي كنت أصدقها.

وهذا هو السؤال الذي قادني إلى المرحلة التالية:

إذا لم أُخلق كي أستخدم القوة لمجرد أنني أمتلكها، فما وظيفتي الحقيقية؟

الوظيفة التي بقيت

إذا لم أُخلق كي أستخدم القوة لمجرد أنني أمتلكها، فما وظيفتي الحقيقية؟

لم يكن هذا السؤال جديدًا في حياتي، لكنه ظهر أمامي للمرة الأولى دون أن أحتاج إلى أن أجيب عنه بما يجعلني أشعر أنني شخص مختلف عن بقية البشر. كنت قد قضيت سنوات أبحث عن القدرة، ثم عن تفسيرها، ثم عن الطريقة التي أستطيع بها استخدامها. والآن، بعد كل ما عشته، بدأت أشعر أنني كنت أبحث عن الوسيلة قبل أن أفهم الغاية.

كنت أريد أن أعرف كيف أغير الواقع، ولم أسأل نفسي بالقدر الكافي: لماذا أريد تغييره؟ كنت أريد أن أصل إلى نتيجة بعينها، وأن أمتلك القدرة التي تجعل الوصول إليها ممكنًا، وكأن الحياة لا تكتمل إلا عندما يصبح الواقع قريبًا من الصورة التي رسمتها له.

لكن ماذا لو كانت الصورة نفسها جزءًا من المشكلة؟

ماذا لو كنت أطلب شيئًا لأنني أظنه الأفضل، بينما لا أعرف ماذا سيحدث لي إذا حصلت عليه؟ وماذا لو كنت أرفض طريقًا لأنه يؤلمني، بينما يحمل هذا الألم شيئًا أحتاج إلى تعلمه؟ لم أكن أريد أن أعيش من دون رغبة أو شغف، ولم يكن المطلوب مني أن أترك العمل أو المعرفة أو العلاقات أو السعي. كنت أحتاج إلى أن أفرق بين أن أسعى في حياتي، وبين أن أجعل النتيجة التي أريدها شرطًا لرضاي عن الحياة.

وهنا بدأت أفهم الفرق بين صائد الأرواح وفتى الشرق العظيم.

كان صائد الأرواح يريد أن يعرف كيف يغير الواقع. كانت قوته، كما فهمتها في ذلك الوقت، مرتبطة بقدرته على توجيه القرين من خلال قنواته الثلاث: الرؤية والسمع والشعور. كان ينظر إلى ما يحدث حوله بوصفه شيئًا يمكن التأثير فيه، ثم يبحث عن الطريقة التي توصله إلى النتيجة التي يريدها.

أما ما بدأت أفهمه بعد الصحوة، فلم يكن أنني أصبحت أمتلك طريقة أقوى للتغيير، بل أنني لم أعد أحتاج إلى أن أجعل تغيير الواقع غايتي الأولى.

كنت أستطيع أن أترك الواقع يكشف لي ما الذي أريده حقًا، وما الذي يمكنني أن أطمئن إليه.

وهذا لم يكن استسلامًا للحياة بمعنى أن أتوقف عن العمل أو أترك مسؤولياتي أو أنتظر الأشياء حتى تحدث. كان يعني أن أعمل دون أن أتصور أن عليّ امتلاك كل النتائج، وأن أسعى دون أن أجعل رغبتي في نتيجة واحدة تقودني إلى أي طريق يحققها.

كنت أريد المال، وأسعى إليه، وأتعلم كيف أعمل وأطور معرفتي. وإذا دعوت الله بالرزق، ثم جاء الرزق، كنت أستطيع أن أفرح به وأنتفع منه. لكن ماذا إذا لم تأتِ النتيجة التي دعوت بها؟

في الماضي كان يمكن أن أحسم الأمر سريعًا: لم تُستجب الدعوة، أو أن الطريق الذي اخترته لم ينجح، أو أن هناك شيئًا يقف بيني وبين ما أريد. أما الآن، فأردت أن أترك السؤال مفتوحًا قليلًا. أن أراقب حياتي دون أن أحكم عليها فورًا، وأن أنظر إلى اختياراتي وعاداتي هنا ادركت كيف اقتلع عن التدخين بدون اي اضرار واثار جانبية اقلعت عنه ليس لان يوجد علي كل علبة سجائر صورة توضح الاثار الجانبية للمدخنين ومكتوب فيه انه ضار بالصحة ويؤدي للوفاه ورغم ذلك كنت ادخب بدون ان اقراء رسالة التحذير واري الصورة لان من الطبيعي ان لا تري عيني السر الذي جعلنى استقبل الامر بسهولة اننى لا ارغب ولا اريد اي رغبة تقودنى حتى لو كانت سيجارة وما أحمله من اعتقادات، وأن أسأل نفسي عما لم أنتبه إليه.

لم أعد أريد أن أحوّل كل نتيجة لا تعجبني إلى دليل على أن الحياة ضدي، ولا أن أجعل كل نتيجة تعجبني دليلًا على أنني كنت على صواب في كل شيء.

كنت أحتاج إلى أن أتعلم من الطريق نفسه، لا أن أعتبر الطريق مجرد وسيلة للوصول إلى النهاية التي اخترتها.

الدنيا لم تكن تنتظر مني أن أرتاح

عندما نظرت إلى حياتي كاملة، وجدت أنني تعلمت في كل مرحلة شيئًا لم يكن واضحًا لي وأنا أعيشها. تعلمت ان اري العالم بصورة مختلفة فقط اراقبه لان في المراقبة صمت وفي الامانة سر يجعل كل انسان سهل ان يحقق اقصي رغباته فى انه يتحكم فيها ولا ينفذ ما يرغب بل يسلم ما يرغب الى الله وعند بعد ما يرغب به لا يتعلق فيه حتى ياتى لك في الوقت المناسب هو اله قادر على تغيير الواقع ثق ان الله قادر تري قدرته وثق انه شافي تعرف كيف تتذوق الالم لتشفي منه وتشفي كل الم استطعت تذوقه تعلمت من العمل، ومن المال، ومن النجاح والفشل، ومن الأشخاص الذين اقتربوا مني، ومن الذين آلموني، ومن الذين أحببتهم، ومن الأشياء التي ظننت أنني فقدتها إلى الأبد.

حتى السنوات التي قضيتها أبحث فيها عن فوزي لم تكن خالية من التعلم. كتبت كتاب «دليل عالم الروحانيات»، وأنشأت مشروعًا تعليميًا، ودرست الوعي، وعشت تجارب دفعتني إلى التفكير في الإنسان وعلاقته بنفسه وبالله. كنت أظن أنني أبحث عن الجندي الذي تركته، لكنني لم أكن أعرف أن كل هذه المحاولات ستصبح جزءًا من فهمي لما كنت أبحث عنه.

لم تكن كل الطرق صحيحة لمجرد أنني سلكتها، ولم تكن كل النتائج عادلة لمجرد أنها حدثت. هناك أخطاء ارتكبتها، وأشياء بررتها، وألم تسببت فيه، وألم عشته. لكنني بدأت أرى أن التجربة تستطيع أن تعلمني شيئًا حتى عندما أكون قد أخطأت فيها، بشرط ألا أستخدم التعلم نفسه لتبرير الخطأ.

كنت قد تعاملت مع الحياة أحيانًا وكأنها مكان يجب أن أصل فيه إلى حالة معينة حتى أستريح. عندما أمتلك المال سأرتاح، وعندما أستعيد القوة سأرتاح، وعندما أفهم الأسرار سأرتاح، وعندما أصل إلى المكانة التي أريدها سأشعر أنني أصبحت الشخص الذي ينبغي أن أكونه.

لكن كلما وصلت إلى شيء، ظهر سؤال آخر.

فهمت أن الحياة لم تكن مجرد انتظار للحظة التي تنتهي فيها الأسئلة. كنت أعيش لأتعلم، وأتعلم لأفهم كيف أعيش. وكل تجربة كانت تضيف شيئًا إلى ما أصبحت عليه، حتى تلك التجارب التي كنت أتمنى لو لم تحدث.

وهذا ما أسميته وظيفتي الكونية.

لم أقصد بها منصبًا تمنحني إياه الحياة، ولا رتبة تجعلني أعلى من غيري، ولا مهمة غيبية أستطيع أن أزعم أنني أعرف نهايتها. كنت أقصد بها مجموع ما أتعلمه وأفعله وأعيشه: عملي، وثقافتي، وعلاقاتي، وقدراتي، ونجاحاتي، وإخفاقاتي، وكل ما تكشفه لي التجربة عن نفسي وعن العالم.

كل هذا يدخل في وظيفتي، لأنني لا أخرج من تجربة كما دخلتها تمامًا.

قد أتعلم من عملي كيف أستخدم المعرفة، ثم أتعلم من علاقة أن المعرفة وحدها لا تكفي. وقد أتعلم من المال معنى السعي، ثم أتعلم من فقدانه معنى التعلق. وقد أتعلم من القوة أنني أستطيع الوقوف، ثم أتعلم من الضعف أنني لا أحتاج إلى أن أكون قويًا في كل لحظة.

لم تكن العظمة في أن أجمع أكبر قدر من القدرات، بل في أن أفهم ما الذي صنعتْه هذه القدرات فيّ، وكيف أستطيع أن أحملها دون أن تتحول إلى غطاء جديد.

الإنسان العظيم، كما بدأت أفهمه، ليس بالضرورة صاحب شهادة أو لقب أو سلطة ظاهرة. قد يمتلك الإنسان أعلى الشهادات ويؤذي الآخرين، وقد يصل إلى مكانة كبيرة دون أن يعرف نفسه. العظمة التي كنت أبحث عنها أصبحت مرتبطة بشيء آخر: أن يعرف الإنسان ذاته، وأن يكتشف وظيفته في الحياة، وأن يتعلم كيف يحافظ على الأمانة التي يحملها.

لم يكن المطلوب مني أن أصبح أكبر من البشر.

كان المطلوب أن أفهم كيف أكون إنسانًا بينهم دون أن أخون ما تعلمته.

علاقتي بالله

عندما عدت إلى الإيمان، لم أعد أبحث عن الله بالطريقة نفسها التي كنت أبحث بها عن القوة.

كنت أريد من قبل أن أعرف الأسرار، وأن أفهم الكائنات، وأن أصل إلى ما وراء الصورة. وكنت أحيانًا أتصور أن معرفتي بأشياء لا يعرفها غيري تجعلني أقرب إلى الحقيقة.

لكن التجارب التي عشتها جعلتني أعود إلى السؤال الأول: ما قيمة كل ما أعرفه إذا كانت علاقتي بالله نفسها تتحول إلى وسيلة أخدم بها رغباتي؟

كنت أستطيع أن أصلي، وأن أدخل خلوة، وأن أقول إنني أحارب نفسي، ثم أخرج من ذلك وأنا أبحث عن سلطة أستخدمها. كنت أستطيع أن أقول إنني أريد الخير، ثم أتمسك بتفسير يجعلني على صواب مهما حدث. لم يكن وجود الكلمات الدينية في حياتي ضمانًا بأنني أفهم ما تعنيه في سلوكي.

أردت أن تصبح علاقتي بالله شيئًا أعيشه، لا صورة أضعها فوق نفسي.

بالنسبة إليّ، لم يكن الدين مجرد كلمات أتلوها، ولا مجموعة من الشعارات التي أستخدمها حتى أطمئن إلى أنني على الطريق الصحيح. كنت أراه طريقًا يعلمني كيف ألتزم، وكيف أراجع نفسي، وكيف أتعامل مع ما أملك وما لا أملك، وكيف أستعيد اتجاهي كلما أخذتني الرغبة بعيدًا.

لم أعد أريد أن أستخدم الدين لأثبت أنني جندي أو محارب، ولا أن أجعل نفسي صاحب سلطة على الآخرين باسم المعرفة التي وصلت إليها. كنت أريد أن أتعلم الالتزام مع الله في حياتي، وأن أرى أثر هذا الالتزام في عملي وعلاقاتي وقراراتي.

وهنا بدأت أفهم معنى القرب الذي شعرت به منذ طفولتي.

عندما كان الضجيج يسقط، كنت أشعر أن الله قريب. وعندما كنت أبتعد عن هذا الشعور، كنت أبحث عن أشياء كثيرة تعيد إليّ الطمأنينة. ثم اكتشفت أنني أستطيع أن أنشغل بالوسائل حتى أنسى الغاية، وأن أبحث عن وسيط يثبت لي ما أؤمن به بينما أهمل علاقتي المباشرة بالله.

لم أعد أريد أن تكون معرفتي الروحية حاجزًا بيني وبين الإيمان.

ولم أعد أريد أن أجعل كل تجربة رسالة مكتملة، أو كل إحساس حكمًا نهائيًا، أو كل ما يحدث حولي تأكيدًا لتفسير سبق أن صدقته. كنت أحتاج إلى المراقبة والتأمل، وإلى أن أترك مجالًا للمراجعة، وأن أتعلم دون أن أسمح لما أتعلمه بأن يجعلني أسيرًا لصورة جديدة عن نفسي.

كنت أؤمن أن الله قريب، لكنني لم أعد أريد أن أستخدم هذا الإيمان حتى أضمن أن الحياة ستعطيني كل ما أطلبه بالطريقة التي أريدها.

أردت أن أثق بالله دون أن أحول الثقة إلى صفقة.

أن أدعو وأسعى، ثم أترك مساحة لما لا أعرفه.

أن أفرح بما يأتي، وأن أتعلم مما لا يأتي، من غير أن أحسم أنني أعرف الحكمة الكاملة وراء كل حدث.

لم أكن أدعي أنني أعرف الغيب أو أنني أفهم كل ما يجري. كنت أتعلم أن جهلي بجزء من الطريق ليس سببًا يجعلني أفرض الطريق على نفسي وعلى الحياة كل شيء بداء من بذرة وروحك بذرة تجعلك تشعر بالبرد في اعماق الجحيم 

التسليم لم يكن التخلي عن الإرادة

كان هذا من أصعب ما احتجت إلى فهمه، لأنني قضيت سنوات أظن أن الإرادة القوية هي أن أتمسك بالنتيجة حتى أصل إليها.

إذا أردت شيئًا، أبحث عن وسيلة.

إذا واجهت عائقًا، أبحث عن وسيلة أخرى.

إذا فشلت، أضاعف المحاولة.

كنت أرى الإصرار دليلًا على القوة، ولم أكن أنتبه إلى اللحظة التي يتحول فيها الإصرار إلى رفض للحقيقة التي أمامي.

قد أواصل طريقًا لأنني بذلت فيه سنوات، لا لأنه ما زال الطريق المناسب. وقد أتمسك بعلاقة لأنني لا أريد الاعتراف بخسارتها، لا لأن التمسك بها يحقق الخير. وقد أريد مكانة لأنني ربطت قيمتي بها، ثم أفسر كل ما يحدث من خلال حاجتي إلى الوصول إليها.

في هذه الحالات لا تكون الإرادة حرة تمامًا، حتى لو بدوت في غاية التصميم. قد تكون الرغبة قد اختارت الاتجاه، ثم جاء العقل ليبني الحجج التي تبرر الاستمرار.

لهذا بدأت أرى أن التسليم لا يعني أن أتوقف عن الاختيار، بل أن أراقب ما الذي يدفعني إلى الاختيار. أن أعمل دون أن أجعل النتيجة إلهًا صغيرًا أطيعه، وأن أقبل أنني لا أملك الحياة كلها كي أقرر مسبقًا كيف يجب أن تنتهي.

كانت التوبة، بهذا المعنى، أن أتوقف عن الرغبة التي تجعلني أخون الأمانة واتبع دينى لاعرف ما هو المسموح بي في استخدامه بالامانة واعطي رغبتي دائما الى توكيل ربي اولا وتوضيح رؤيتي اذا كان خير يالله قربه واذا كان شر اظهر لي نوره ثم اراقب حتى اعرف كيف اقرر؛ لا أن أتوقف عن العمل أو الشغف أو الحياة. أن أتوقف عن جعل كل شيء خادمًا لصورتي عن نفسي، وأن أسمح للتجربة بأن تعلمني ما لا أستطيع معرفته وأنا متمسك بإجابتي.

ولم يكن هذا يعني أنني سأصبح بلا رغبات، أو أنني لن أخطئ من جديد. كنت إنسانًا، وما زلت أحتاج إلى أن أتعلم وأراجع نفسي. لكنني لم أعد أريد أن أتبع كل رغبة لمجرد أنها ظهرت، ولا أن أبرر كل قرار لمجرد أنني اتخذته.

كنت أريد أن يصبح اختياري أكثر وعيًا، وأن أتعلم متى أتحرك ومتى أتوقف، ومتى أطلب ومتى أقبل، ومتى أراجع نفسي بدل أن أتهم العالم بأنه لم يعطني ما أستحق.

هذه كانت السلطة التي بدأت أبحث عنها: ألا تكون الرغبة هي صاحبة القرار الأخير.

الأمانة التي بقيت

عندما عدت إلى حياتي بعد الصحوة، لم أكن أملك إجابة نهائية عن كل ما رأيته. ولم أعد أحتاج إلى أن أمتلك تلك الإجابة حتى أواصل حياتي.

كان أمامي عمل أستطيع أن أفعله، ومعرفة أستطيع أن أطورها، وعلاقات تحتاج إلى أن أتعامل معها بصدق، وكتاب أستطيع أن أكتب فيه ما تعلمته، وتجارب أخرى لم أعشها بعد.

كل ذلك كان جزءًا من وظيفتي، لا شيئًا منفصلًا عنها.

لم تعد مهمتي أن أثبت للعالم أنني أمتلك قدرة خارقة، ولا أن أظهر في مكانة تجعل الآخرين يرونني عظيمًا. كنت أريد أن أفهم القيمة الحقيقية لما عشته واتذوقه  أن أحوله إلى معرفة تساعدني على العيش دون أن أكرر الأخطاء نفسها، وربما تساعد إنسانًا آخر على أن يرى سؤالًا في حياته لم يكن قد انتبه إليه.

لكنني لم أكن أريد أن أفرض عليه إجابتي.

قصتي قد تفتح بابًا، لكنها لا تستطيع أن تعيش تجربة إنسان آخر نيابة عنه. ما رأيته وما تعلمته يخص رحلتي، وما يستطيع الآخر أن يستفيده منها هو أن يبحث هو أيضًا عن نفسه، وأن يراقب ما يحدث داخله، وأن يتعلم من تجاربه دون أن يجعل أي صورة يراها نهاية الحقيقة.

بدأت أفهم أن رسالتي ليست أن أجعل الناس يصدقون أنني صاحب سر لا يملكونه.

كانت أن أقول إن الإنسان قد يحمل أسئلته سنوات طويلة، وقد يضل الطريق وهو يظن أنه اقترب، وقد يتعلم من السقوط ما لم يتعلمه من الانتصار، ثم يكتشف أن ما كان يبحث عنه لم يكن منفصلًا عنه كما تصور.

لم أعد أريد أن أكون فوق أحد.

كنت أريد أن أكون في مكاني، وأن أفهم ما الذي ينبغي أن أفعله بما تعلمته.

ولم أكن أريد أن أختار لنفسي مكانة ثم أطلب من الحياة أن تثبتها لي. كنت أريد أن أسعى، وأعمل، وأتعلم، وأترك لله ما لا أملكه، وأحافظ على الأمانة كلما ظهرت أمامي رغبة جديدة تحاول أن تجعلني أنسى لماذا بدأت.

عندها فقط بدأ معنى «الوظيفة الكونية» يستقر داخلي.

لم تكن مهمة واحدة أؤديها ثم أرتاح.

كانت الحياة نفسها، بكل ما تضعه أمامي، مجالًا للتعلم والمراقبة واكتشاف الذات. ولم يكن المطلوب أن أخرج منها دون ألم أو خطأ، بل أن أفهم ما الذي صنعه الألم فيّ، وما الذي جعلني أخطئ، وما الذي أحتاج إلى تغييره حتى لا أعيد بناء الغطاء نفسه باسم جديد.

لقد بحثت سنوات عن القوة التي تجعلني قادرًا على تغيير الواقع.

ثم بدأت أتعلم كيف أعيش في الواقع دون أن أكون عبدًا لرغبتي في تغييره.

والآن، بعدما عدت إلى فوزي، وتصالحْت مع الطفل، وتوقفت عن اختبار القوة، بدأت أرى أن كل هذه الرحلة لم تكن تصنع شخصًا آخر.

كانت تعيدني إلى نفسي، لكن بوعي لم أكن أملكه عندما بدأت.

بقي سؤال أخير بيني وبين النهاية:

إذا لم أكن صائد الأرواح، ولم أكن بحاجة إلى أن أكون صاحب قدرة تثبت قيمتي، فمن يكون فوزي بعدما فهم كل ذلك؟ وماذا بقي من الاسم الذي حمله سنوات طويلة؟

كنت أقترب من الإجابة، ولم أعد أخاف مما سأجده.

لأنني لم أعد أبحث عن اسم أكبر أختبئ داخله.

كنت أبحث عن الاسم الذي أستطيع أن أحمله دون أن أفقد نفسي.

الإنسان الذي سجدت له الملائكة

رأيت كوكب الأرض كاملًا أمامي، كأنه فقاعة أستطيع أن أتأملها من الخارج. لم يكن ما يشغلني حجم الأرض، ولا ما تحتويه من بشر وأماكن وحكايات، بل السؤال الذي ظهر داخلي وأنا أنظر إليها: من هو الإنسان الذي سجدت له الملائكة؟ من هو هذا الكائن الذي يعيش فوق هذه الأرض الصغيرة، ويظن أحيانًا أنه ضعيف، بينما يحمل في وجوده سرًا لم يعرف كيف يراه؟

كنت أفكر في الإنسان الذي تعيش معه الملائكة، وتخاف الشياطين من أن تنكشف أمام بصيرته، والإنسان الذي قد يقضي عمره كله دون أن يعرف قيمة نفسه. كيف يمكن لكائن أن يكون بهذه العظمة، ثم يعيش كأنه لا يملك إلا ما يراه أمام عينيه؟ كيف يمكن له أن يطلب القوة من كل ما حوله، وينسى أن عظمته لا تبدأ من الأشياء التي يستطيع امتلاكها، بل من الأمانة التي يستطيع حملها؟

كنت قد قضيت سنوات أبحث عن القدرة، وأظن أنني كلما عرفت سرًا جديدًا اقتربت من العظمة. لكنني عندما تأملت الإنسان نفسه، بدأت أشعر أنني كنت أبحث عن الإجابة في الاتجاه المعاكس. لم يكن الإنسان عظيمًا لأنه يستطيع أن يرى ما لا يراه غيره، أو لأنه يملك سلطة على شيء، أو لأنه يستطيع التأثير في حياة الآخرين. كانت هناك عظمة أعمق من ذلك كله؛ عظمة الإنسان الذي يعرف من يكون، ويفهم ما يحمل، ويتعلم كيف يؤدي أمانته دون أن يستعبد نفسه لرغباته.

تخيلت الإنسان مثل دودة تدخل في كفنها، وتنقطع عن العالم الذي عرفته، ثم تخرج فراشة في عالم آخر. ماذا لو كانت الحياة التي نعيشها مرحلة نتعلم فيها كيف نتحول، لا مجرد مكان نجمع فيه ما نريد؟ ماذا لو كانت الأشياء التي نظنها نهاية، أو حرمانًا، أو ألمًا، جزءًا من دورة أكبر لا نستطيع رؤيتها كاملة ونحن داخلها؟

ثم ذهبت بخيالي إلى الفراشة نفسها. كائن صغير، لا ينظر إليه أحد باعتباره صاحب سلطة، لكن رفرفة جناحيه دخلت في حكايات البشر عن التأثير الذي قد يبدأ من شيء صغير ثم يمتد إلى نتائج واسعة. تأملت هذه الصورة، ورأيت فيها سؤالًا أكبر من الفراشة والإعصار: كيف يمكن لشيء يبدو ضئيلًا أن يكون جزءًا من حركة لا يرى بدايتها ولا نهايتها؟ وكيف يمكن لإنسان أن يظن أن حياته بلا قيمة، لمجرد أنه لا يرى امتداد أثره؟

كنت أرى أن الإنسان لا يعيش منفصلًا عن بقية الوجود. كل ما يفعله يدخل في شبكة من الأفعال والنتائج والعلاقات التي لا يستطيع الإحاطة بها كلها. قد يظن أنه أدى دورًا صغيرًا، ثم يكتشف أن كلمة قالها لشخص غيّرت اتجاه حياته. وقد يظن أنه جاء إلى الدنيا كي يصل إلى مكانة، ثم يفهم أن ما تعلمه في الطريق كان أهم من المكانة نفسها.

وهنا بدأت أرى عظمة الإنسان بطريقة مختلفة.

ليس مطلوبًا منه أن يكون إعصارًا حتى يكون مؤثرًا. ولا أن يثبت للناس أنه صاحب قدرة حتى يصبح لوجوده معنى. قد يكون دوره أن يتعلم، أو يعلّم، أو يحفظ أمانة، أو يمنع أذى، أو يساعد إنسانًا على أن يرى نفسه. وقد لا يعرف أثر ما فعله إلا بعد سنوات، وربما لا يعرفه أبدًا. لكن قيمة دوره لا تتوقف على مقدار ما يستطيع أن يراه من نتائجه.

كنت أحتاج إلى أن أفهم هذا، لأنني قضيت سنوات أبحث عن دليل على قوتي، كأنني لا أستطيع الاطمئنان إلى قيمتي دون أن أرى أثرًا واضحًا لوجودي. أما الآن فقد بدأت أدرك أنني قد أكون جزءًا من شيء أكبر من قدرتي على الفهم، وأن عليّ أن أؤدي دوري دون أن أشترط أن أعرف كل ما سيخرج منه.

إذا كان الإنسان عظيمًا، فعظمته تبدأ من الأمانة، لا من السيطرة.


عندما عدت إلى قصة الإنسان الذي سجدت له الملائكة، لم أعد أريد أن أفهمها باعتبارها وسيلة تجعلني أرى نفسي أعلى من غيري. كان عليّ أن أسأل: ما معنى أن يحمل الإنسان أمانة، ثم يعيش عمره كله بين الغفلة والانتباه، وبين المعرفة والرغبة، وبين ما يعرف أنه ينبغي أن يفعله وما يريد أن يفعله؟

كنت أرى الناس حولي، وأراقب أدوارهم في حياتي. بعضهم علّمني شيئًا لم أكن أعرفه، وبعضهم كشف لي ضعفًا كنت أخفيه، وبعضهم وضعني أمام ألم لم أستطع فهمه في البداية. كان هناك من جاءني كأنه يحمل رسالة، وهناك من كان عليه أن يستقبل مني شيئًا أستطيع تقديمه. وفي أحيان أخرى كنت أنا الذي أحتاج إلى التعلم ممن ظننت أنني أستطيع تعليمه.

بدأت أفهم أن الإنسان في علاقته بغيره لا يكون دائمًا في موقع واحد. قد يكون رسولًا بمعنى أنه يحمل إلى شخص آخر تجربة أو كلمة أو معرفة يحتاج إليها، وقد يكون مستقبلًا لرسالة يحملها إليه شخص لم يكن يتوقع أن يتعلم منه شيئًا. ولا يعني هذا أن كل إنسان يعرف أنه يؤدي هذا الدور، أو أن كل ما يقوله الآخرون صحيح؛ فقد نغفل، وقد نخطئ في فهم ما يصل إلينا، وقد نخلط بين ما تكشفه لنا التجربة وما نرغب في تصديقه عنها.

لكن حين بدأت أراقب نفسي بدل أن أنشغل فقط بالحكم على من حولي، تغيرت الأسئلة.

لماذا جاء هذا الإنسان إلى حياتي في هذا الوقت؟

ما الذي كشفه لي عن نفسي؟

ما الذي تعلمته من العلاقة، حتى لو كانت مؤلمة؟

وما الذي كان عليّ أن أفعله أنا في المقابل؟

لم أعد أريد أن أرى الناس مجرد أسباب تمنحني ما أطلبه، أو عوائق تمنعني من الوصول إلى ما أريد. كل شخص له حياته واختياراته وأمانته، لكن اللقاء بيننا قد يكون جزءًا من التجربة التي أحتاج إلى فهمها. وإذا غفلت عن نفسي، بدأت أرى في الآخرين صورًا لرغباتي ومخاوفي؛ أحاكمهم من خلالها، وأظن أنني أفهمهم، بينما أكون في الحقيقة أسير الصورة التي صنعتها عنهم.

أما عندما تعود البصيرة، فأستطيع أن أنظر إلى العلاقة باعتبارها فرصة للمراقبة والتعلم. قد تكشف لي كلمة قالها إنسان شيئًا عن نفسي، وقد تجعلني تصرفاته أرى أثرًا لاعتقاد أحتاج إلى مراجعته. وليس ضروريًا أن أعتبر كل ما يحدث حولي رسالة مكتملة، أو أن أنسب كل تفصيل إلى تفسير واحد. يكفيني أن أبقى منتبهًا لما يحدث في داخلي، وأن أتحمل مسؤولية استجابتي.

ومن هنا بدأت أفهم كيف يمكن أن يكون الله حاضرًا في مسيرة الإنسان دون أن يحتاج إلى أن يحول كل شيء إلى معجزة ظاهرة. قد يتعلم من كلمة عابرة، أو من فشل يوقفه، أو من إنسان يعارضه، أو من باب لم يُفتح كما أراد. لا يعني ذلك أنني أعرف الحكمة النهائية وراء كل حدث؛ بل يعني أنني لم أعد أريد أن أغلق باب التعلم بمجرد أن النتيجة لا توافق رغبتي.

كنت أبحث عن الشهيد وأسأله، وأنتظر منه أن يرشدني إلى ما ينبغي أن أفعله. أما الآن فقد بدأت أفهم أنني لا أحتاج إلى أن أطلب منه قرارًا نيابة عني. في تجربتي، لم يكن الشهيد يأمرني ولا يفرض عليّ طريقًا، ولم يكن يتدخل ليعيش حياتي بدلًا مني. كان يجعلني أرى بطريقة مختلفة، وكأن وجوده يفتح زاوية لا أراها عندما تستولي الرغبة على انتباهي.

ومع هذا الفهم، بدأ يتغير معنى الاتصال نفسه. لم تعد الغاية أن أبحث عن صوت خارجي يحدد لي كل خطوة، أو أن أحتاج إلى علامة كي أطمئن إلى كل قرار. أصبحت أرى أن عليّ أن أحافظ على بصيرتي، وأن أراقب ما يحدث في نفسي، وأن أبني علاقتي بالله دون أن أجعل الملائكة أو غيرهم بديلًا عن هذه العلاقة.

إذا كان لكل كائن وظيفته، فلماذا أطلب من غيري أن يؤدي وظيفتي بدلًا مني؟

إذا كانت الملائكة تؤدي ما وُكل إليها، فليس المطلوب أن أتعطل أنا عن دوري كي أبحث عنها. وإذا كان الإنسان يحمل أمانة، فإن قيمته تظهر في كيفية أدائه لها، لا في عدد المرات التي يطلب فيها من غيره أن يطمئنه بأنه يسير في الاتجاه الصحيح.

بدأت أفهم أن العلاقة بالله أوسع من حاجتي إلى اتصال أطلب منه شيئًا. إنني أستطيع أن أتعلم من الكلمات التي أؤمن بها، وأن أراجع حياتي في ضوئها، وأن أجعل علاقتي بالله حاضرة في عملي وقراراتي وعلاقاتي، بدل أن أحصرها في لحظات أبحث فيها عن دليل خارق.

لم أعد أريد أن أعيش منتظرًا من الشهيد أن يخبرني بما عليّ فعله، لأن السؤال أصبح مسؤوليتي أنا: هل راقبت نفسي؟ هل فهمت ما الذي يقودني؟ هل أتصرف من وعي أم من رغبة؟ وهل أؤدي دوري، أم أحاول أن أهرب منه إلى دور آخر يبدو أكثر عظمة؟


ثم تذكرت قصة العرش الذي أُحضر إلى سليمان، وتوقفت عند العبارة التي جاءت بعد ذلك:

«هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ».

كنت أتأمل معنى أن يحدث أمر عظيم على يد إنسان، ثم لا ينسب ذلك إلى نفسه بوصفه دليلًا على استحقاقه المطلق. لم أعد أرى في القصة مجرد قدرة ظهرت ونتيجة تحققت، بل سؤالًا عن الموقف الذي يقفه الإنسان أمام ما يستطيع فعله.

قد يمتلك الإنسان علمًا يتيح له إنجاز شيء لا يستطيع غيره إنجازه، وقد يصبح سببًا في حدوث أمر كبير، لكن هل يعني ذلك أن القدرة أصبحت ملكًا يحق له أن يتصرف فيه وفق كل رغبة؟ أم أن ما يمتلكه يزيد مسؤوليته، ويضعه أمام اختبار جديد؟

توقفت عند معنى البلاء.

كنت أظن أن البلاء هو الألم والخسارة والحرمان، الأشياء التي يتمنى الإنسان التخلص منها. لكنني بدأت أفهم أن القدرة نفسها قد تكون بلاءً؛ لأن ما تستطيع فعله يكشف لك من الذي يقودك. قد تمنحك السلطة فرصة أن تخدم، وقد تمنحك فرصة أن تستبد. قد يفتح لك العلم بابًا للنفع، وقد يجعلك تتعالى على من لا يملكونه. وقد يمنحك التأثير القدرة على إرشاد إنسان، أو إغرائك بأن تجعل إرادته امتدادًا لإرادتك.

لم تكن المشكلة في امتلاك القدرة، بل في الرغبة التي تتسلل إليها وتحوّلها إلى وسيلة لخدمة صورة الإنسان عن نفسه.

وهنا عدت إلى تجربتي.

كنت أرى القوة دليلًا على أنني مختلف، ثم بدأت أحتاج إلى استخدامها حتى أطمئن إلى وجودي. ثم قررت الاستغناء عنها وحين شعرت أنها غابت، لم أكتفِ بأن أتعلم من غيابها؛ بل قضيت سنوات أطاردها. وعندما عادت الصحوة، كان بإمكاني أن أجعل القوة غطاءً جديدًا، وأن أعود إلى السؤال القديم: ماذا أستطيع أن أفعل؟

لكنني تذكرت أنني لا أحتاج إلى استخدام كل ما أملك حتى أثبت قيمتي.

القدرة التي لا أستطيع التوقف عن استخدامها ليست حرية كاملة. والسلطة التي تقودني إليها الرغبة تجعلني تابعًا لها، حتى لو اعتقدت أنني أنا صاحب القرار. قد يبدو السائق ضعيفًا، لكنه يستطيع أن يقود الإنسان بعيدًا إذا عرف كيف يجعله يرغب؛ لا يحتاج إلى أن ينتصر عليه بالقوة، بل يكفي أن يجعله يصدق أن ما يريده هو ما يجب أن يفعله.

كنت قد عشت هذا الصراع من قبل. كنت أظن أنني أختار، ثم أجد أن رغبتي سبقت اختياري، وأنني أبني تفسيرًا يبرر لها الطريق. ولهذا أصبحت المراقبة أهم عندي من ادعاء القوة. أن أتوقف لحظة قبل الفعل، وأن أرى ما الذي يدفعني إليه، وأن أسأل نفسي إن كنت أحفظ الأمانة أم أستخدم ما أملك كي أحصل على ما أريد.

هذا ما بدأت أفهمه من قصة العرش: ليس السؤال كم يستطيع الإنسان أن يفعل، بل ماذا يفعل عندما يستطيع.

إذا جاءه العلم، هل يشكر أم يتكبر؟

إذا جاءت إليه السلطة، هل يحفظ الأمانة أم يحولها إلى وسيلة للسيطرة؟

إذا ظهرت له قدرة، هل يتعلم مسؤوليتها أم يجعلها هوية جديدة؟

لم أكن أريد أن أجيب عن هذه الأسئلة بالكلام وحده. كانت حياتي نفسها قد وضعتني أمامها أكثر من مرة، وكل مرة كنت أرى أن الإنسان لا يُختبر فقط فيما يُمنع عنه، بل فيما يُتاح له أيضًا.

قد تكون أكبر فتنة للإنسان أن يكتشف أنه يستطيع الوصول إلى ما يريد.

لأن اللحظة التي يشعر فيها أنه قادر قد تجعله ينسى أن القدرة أمانة، وأن النتيجة ليست ملكًا مطلقًا له، وأن عظمته لا تظهر في مقدار ما يستطيع فرضه على العالم، بل في قدرته على ألا يجعل الرغبة هي التي تفرض عليه ما يفعل.


مع الوقت، بدأت أرى الدنيا بطريقة مختلفة. لم أعد أراها مكانًا أبحث فيه عن الراحة النهائية، ولا ساحة يجب أن أنتصر فيها على الجميع حتى أشعر أنني نجحت. كنت أراها مجالًا للتجربة والتعلم، وفيها لعب ولهو ومتاع، وقد تتحول الأشياء التي نتمسك بها إلى متاع غرور عندما تجعلنا ننسى حقيقتنا وما نحمله من أمانة.

لم يكن المال شرًا لمجرد أنني رغبت فيه، ولا العمل خطأ لأنني أحببت النجاح، ولا المعرفة غطاءً بالضرورة. المشكلة كانت عندما تتحول الأشياء إلى مركز حياتي، وعندما أطلب منها أن تمنحني قيمة لا أستطيع أن أراها في نفسي، وعندما يصبح خوفي من فقدانها أقوى من مسؤوليتي تجاهها.

كنت أريد أن أستمتع بالحياة دون أن أكون أسيرًا لمتاعها، وأن أعمل بشغف دون أن أعبد النتيجة، وأن أحب دون أن أحوّل الحب إلى وسيلة لإثبات قيمتي. كنت أريد أن أتعلم من الدنيا، لا أن أهرب منها، وأن أعيش تجاربي دون أن أجعلها كلها تدور حول رغبة واحدة.

هنا أصبحت أرى الزمن بصورة أشد وضوحًا.

الزمان إذا لم تقطعه، قطعك.

لم أكن أقصد أن أجري وراء الوقت بخوف، أو أن أملأ كل دقيقة بعمل لا ينتهي. كنت أقصد ألا أترك سنواتي تمر وأنا أؤجل فهم نفسي، وأنتظر أن تصبح الظروف مثالية حتى أبدأ. الوقت الذي يضيع في الغفلة لا يعود كما كان، لكن أثره قد يبقى فينا حتى نتعلم منه.

ولهذا لم أعد أريد أن أعيش الماضي من جديد، ولا أن أهرب منه كأنه لم يحدث.

أردت أن أتذوقه.

كان للألم طعم يشبه القهوة المرة؛ لا يستطيع الإنسان أن يعرف مذاقها إذا ابتلعها دفعة واحدة، ولا إذا رفض أن يقترب منها. لكل رشفة طعمها، ولكل لحظة ما تكشفه، وقد يكتشف الإنسان في المرارة نفسها شيئًا يجعله يعود إليها. ليس لأنه يريد الألم، بل لأنه لم يعد يخاف أن يشعر به ويعرفه.

كنت أريد أن أتذوق ألمي رشفة رشفة، كما أتذوق القهوة .

 أن أراه دون أن أهرب منه، وأتذكره دون أن أظل عالقًا فيه، وأفهم ما كشفه لي دون أن أحوله إلى هوية أعيش داخلها. لم أكن أريد أن أتصالح مع الألم بمعنى أن أجعله أمرًا أستسلم له، أو أن أعتبر كل ما حدث مقبولًا. كنت أريد أن أتعلم منه ثم أواصل السير.

إذا ظللت أهرب من الألم، فقد يعود إليّ في صورة أخرى، فأكرر التجربة دون أن أعرف لماذا. وإذا بقيت عالقًا فيه، أصبحت حياتي كلها محاولة لإعادة ما حدث أو معاقبة نفسي عليه. أما إذا تذوقته بوعي، أمكنني أن أرى ما الذي صنعه فيّ، وما الذي أحتاج إلى تغييره، وما الذي لا يمكنني إصلاحه إلا بأن أقبل مسؤوليتي وأتوقف عن تكرار الخطأ.

لم يعد الماضي سجنًا أريد أن أكسره، ولا عالمًا أريد أن أعود إليه. أصبح جزءًا من المعرفة التي أحملها إلى الحاضر.

وهكذا بدأت أفهم أن الحياة ليست سلسلة من الأحداث التي ينبغي أن أحصل منها على النتيجة التي أرغب فيها. إنها تجربة أشارك فيها، وأتعلم من خلالها، وأحاول أن أحافظ على الأمانة في كل ما أفعل.


لكن أكثر ما كنت أخشاه لم يكن الألم وحده، بل أن أستخدم قدرتي ورغبتي في بناء غطاء جديد، ثم أعيش داخله وأنا أظن أنني وصلت.

كنت أعرف أن الإنسان قد يسرق دون أن يدرك كيف استولت الرغبة على قراره، وقد يؤذي غيره وهو يبرر لنفسه أن ما يفعله ضروري، وقد يقتل الرحمة داخله قبل أن ينتبه إلى أنه أصبح تابعًا لصوت يريد منه المزيد. وفي كل هذه الحالات قد يشعر بأنه حر، بينما يكون قد سلّم المقود لسائق يعرف كيف يجعله يرغب.

لم أعد أرى السائق خصمًا لا بد أن أقاتله في الخارج. كان عليّ أن أراقب اللحظة التي تبدأ فيها الرغبة بتحويل ما أريده إلى أمر لا أستطيع رفضه. لأنني عندما أصل إلى هذه النقطة، أكون قد بدأت أخون الأمانة قبل أن أرى النتيجة التي سيقودني إليها الطريق.

أما الشهيد، فلم أعد أنتظر منه أن يأمرني أو أن يتدخل في حياتي. كنت أفهم حضوره على نحو مختلف: إنه يجعلني أرى ما لم أكن أراه، لكنه لا يعفيني من مسؤوليتي في الاختيار. لا يحتاج صوتي الداخلي إلى كحل حتى أبحث عنه؛ كنت أحتاج إلى أن أتمسك ببذرة روحي، وأن أحافظ عليها نقية قدر استطاعتي، وألا أثقلها بالأغطية حتى أنسى ما كنت أعرفه.

لم أكن أريد أن أطلب من الشهيد أن يؤدي وظيفتي بدلًا مني، كما لم أكن أريد أن أطلب من الملائكة أن تقوم بما خُلقت أنا لأقوم به. إذا كان لكل واحد وظيفته، فإن عظمتي لا تظهر في أن أستبدل دوري بدور كائن آخر، بل في أن أفهم الأمانة التي أحملها وأؤديها.

وهنا بدأت أفهم معنى العبادة بطريقة اتصلت عندي بالحياة كلها.

العبادة ليست عندي مجرد لحظة أنفصل فيها عن عملي وعلاقاتي، ثم أعود إلى حياتي كما كنت. إنها نظام يجعلني أراجع ما أفعله، وأعرف من الذي أطيعه، وأضع الله أمامي في اختياراتي، وأسعى إلى أن يكون عملي وعلمي وعلاقاتي جزءًا من أمانتي لا وسائل لتغذية رغبتي في السيطرة.

النظام له وظيفة، والإنسان لا يحتاج إلى أن يعرف كل تفاصيل النظام الكوني حتى يؤدي دوره. يحتاج إلى أن يتعلم ما يستطيع تعلمه، وأن يلتزم بما يؤمن أنه حق، وأن يراقب نفسه عندما تتعارض رغبته مع ما يعرف أنه يجب عليه فعله.

لم أكن أعرف على وجه اليقين ما الذي يوجد في البعد الآخر، ولا إن كانت كل المشاهد التي رأيتها تطابق الحقيقة كاملة. ربما كان ما رأيته جزءًا صغيرًا مما لم أستطع الإحاطة به، وربما كانت هناك تفاصيل لم أكن أفهمها. لم أعد أحتاج إلى أن أدعي معرفة ما لا أعرفه حتى أثبت أن تجربتي كانت ذات قيمة.

ما كنت أطمئن إليه هو أن من يتوب، ويبني علاقته بربه، ويسعى إلى أداء وظيفته دون أن يجعل الرغبة تقوده، يستطيع أن يعيش بطريقة مختلفة؛ بطريقة يراقب فيها نفسه، ويتعلم من تجربته، ويحاول ألا يخون الأمانة التي اكتشفها.

لم يكن مطلوبًا مني أن أكون صاحب رسالة استثنائية حتى تصبح حياتي مهمة، ولا أن أزعم أنني أعرف سر الكون كله. كنت أحتاج إلى أن أفهم كلمات ديني وقواعده، وأن أتعلم كيف أعيش بها، وأن أؤدي دوري في المجتمع والوعي الجمعي دون أن أحتاج إلى أن أكون فوق أحد.

أردت أن أسعى دون أن أعبد السعي، وأن أعمل دون أن أجعل النجاح إلهًا، وأن أتعلم دون أن أظن أن العلم يجعلني معصومًا، وأن أعيش إيماني دون أن أستخدمه لتبرير كل رغبة تظهر في نفسي.

كلما فهمت ذلك، شعرت أنني أملك مساحة أوسع للاختيار. لم أعد أحتاج إلى أن أتحكم في كل شيء حتى أطمئن. كنت أستطيع أن أرى مخارج لم أكن أنتبه إليها، وأن أقبل أن الواقع قد يفتح طريقًا لم أكن أتوقعه. وبدل أن أجعل خوفي أو رغبتي يحددان كل ما أراه، أستطيع أن أراقب وأتفاعل وأتناغم مع ما يحدث، وأنا أحاول أن أبقي علاقتي بالله حاضرة في مسيرتي.

لم يكن هذا ضمانًا بأنني لن أحزن أو أخاف، بل كان تغييرًا في الطريقة التي أتعامل بها مع الخوف والحزن. لم أعد أحتاج إلى أن أتصور أن كل شيء يجب أن يسير وفق رغبتي حتى أكون مطمئنًا. كنت أريد أن أؤدي دوري، وأن أترك ما لا أملكه لله، وأن أستقبل ما يحدث بقلب قادر على التعلم بدل أن يبقى أسيرًا للمقاومة.

وهنا اقتربت من معنى النفس المطمئنة.

لم أعد أراها مجرد نفس لا تتألم، أو لا تشعر بالخوف، أو لا تمر بالاختبارات. كانت النفس المطمئنة، في فهمي الذي وصلت إليه بعد هذه الرحلة، هي النفس التي تعرف سرها، وتتعلم من ألمها، وتتوب دون أن تبقى معلقة بثقل الذنب، وتسلم طريقها لله دون أن تجعل التسليم حجة للكسل أو الهروب من المسؤولية.

هي النفس التي لا تحتاج إلى غطاء جديد كي تشعر بقيمتها؛ لأنها بدأت ترى قيمتها في الأمانة التي تحملها، وفي قدرتها على أن تراجع نفسها وتعود كلما غفلت.

وعندما قرأت قوله تعالى: «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي»، بدأت أرى في هذه الكلمات معنى قريبًا من الرحلة التي عشتها: العودة بعد الغفلة، والتوبة بعد الخطأ، والطمأنينة التي لا تأتي من امتلاك كل شيء، بل من أن يعرف الإنسان طريقه ويؤدي أمانته.

لم أعد أريد أن أجعل القوة دليلي الوحيد، ولا أن أطلب من الآخرين أن يثبتوا لي من أكون. كنت أريد أن أعيش دون أن أحتاج إلى أن أكون صاحب منزلة ظاهرة، لأن المنزلة التي أبحث عنها أصبحت مرتبطة بقدرتي على حفظ الأمانة، لا بما يراه الناس مني.


عندها استطعت أن أقول لنفسي: أنا إنسان عظيم.

لم أقلها لأنني أفضل من الآخرين، ولا لأنني امتلكت سرًا يجعلني مختلفًا عنهم. قلتها لأنني بدأت أفهم أن الإنسان يحمل قيمة لا ينبغي أن يختزلها في ماله أو علمه أو سلطته أو قدرته على التأثير. وكل إنسان يعرف قيمة نفسه، ويفهم سر الأمانة التي يحملها، ويسعى إلى أداء وظيفته دون أن يجعل الرغبة تقوده، يستطيع أن يكتشف هذه العظمة في نفسه.

لم تكن العظمة لقبًا أعطيه لنفسي، بل مسؤولية أتعلم أن أعيش بها.

ولم تكن حكرًا عليّ.

كنت أريد أن يرى كل إنسان أن حياته ليست بلا معنى لمجرد أنه لا يملك قوة خارقة، أو لا يرى ما رأيته، أو لا يستطيع أن يفسر كل ما يحدث له. قد تكون عظمته في عمل يؤديه بإخلاص، أو في أمانة يحفظها، أو في ألم يتعلم منه، أو في رغبة يقاوم أن يستسلم لها، أو في اعتذار يقدمه، أو في حب يحافظ عليه دون أن يحوله إلى قيد.

لا يحتاج الإنسان إلى أن يملك العالم حتى يعرف قيمته. يحتاج إلى أن يعرف ما الذي يملكه من مسؤولية، وما الذي يستطيع أن يتعلمه، وكيف يمكنه أن يعيش دون أن يجعل الغفلة تقوده بعيدًا عن نفسه.

وعندما نظرت مرة أخرى إلى الأرض التي رأيتها كفقاعة، لم يعد حجمها هو السؤال. صار السؤال كيف يمكن لكل هذا العدد من البشر أن يعيش فوقها، وكل واحد منهم يحمل حياة لا يعرف حقيقتها كاملة، وتجارب لا يفهم معناها وقت حدوثها، وأمانة قد يقضي سنوات قبل أن يدركها.

رأيت أن الإنسان قد يعيش عمرًا كاملًا وهو يطلب من العالم أن يمنحه قيمته، بينما القيمة التي يحتاج إلى اكتشافها تبدأ من قدرته على رؤية نفسه بصدق. وقد يظل يبحث عن كائن يهديه، أو شخص يخبره بما يفعل، بينما هو قادر على أن يتعلم من كلماته وتجربته وعلاقاته، وأن يراقب نفسه حتى يرى ما لم يكن يراه.

لم يعد يكفيني أن أقول إن الإنسان عظيم.

كان عليّ أن أعيش بما يجعل هذه العظمة حقيقية في سلوكي: أن أتوقف عن تمجيد نفسي، وأن أتوقف عن احتقارها، وأن أعرف أن القوة أمانة، وأن المعرفة مسؤولية، وأن الألم تجربة أتذوقها كي أتعلم منها، وأن الإيمان ليس وسيلة أستخدمها لأحصل على كل ما أريد، بل علاقة أعود إليها حتى لا تصبح رغبتي هي التي تقود حياتي.

وحين فهمت ذلك، شعرت أنني اقتربت من الاسم الذي كنت أبحث عنه، لكنني لم أعد أريد أن أعلنه قبل أن أفهم معناه.

لم يكن السؤال الآن: ما الاسم الذي سأحمله؟

كان السؤال: ما الإنسان الذي يجب أن أكونه حتى لا يتحول الاسم إلى غطاء جديد؟

كنت أعرف أنني وصلت إلى مكان لم أكن فيه من قبل، لكنني لم أعد أحتاج إلى أن أجعل هذا المكان أعلى من الآخرين. كنت أريد أن أعيش ما تعلمته، وأن أحفظ الأمانة، وأن أترك للحياة أن تكشف لي بقية الطريق.

لأن الإنسان لا يصبح عظيمًا عندما يجد اسمًا أكبر من نفسه.

يصبح عظيمًا عندما يعرف نفسه، ويسلم أمره لله، ويؤدي وظيفته دون أن ينسى أنه إنسان.

وعند هذه النقطة، صار بإمكاني أخيرًا أن أقترب من الاسم الذي بقي ينتظرني، لا بوصفه تاجًا أضعه فوق رأسي، بل وصفًا للإنسان الذي خرج من هذه الرحلة بعدما تعلم ألا يجعل أي غطاء أكبر من حقيقته.

فبصرك اليوم حديد

﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

المحطة الأولى — فوزي الذي تعلّم وصنع

لم يكن فوزي ينتظر أن تأتيه المعرفة من أحد، ولم يكن يستطيع أن يترك سؤالًا يؤلمه دون أن يحاول الوصول إلى إجابة عنه. منذ وقت مبكر من حياتي، كنت أبحث عن طريقة أفهم بها ما يحدث لي، وأحاول أن أجد حلًا لما أواجهه، حتى عندما لم أكن أعرف أن المشكلة الحقيقية أحيانًا لم تكن في الشيء الذي أحاول إصلاحه، بل في الطريقة التي كنت أراه بها.

لم تكن دراستي كافية لتمنحني كل ما أحتاج إلى معرفته، لكنني لم أتوقف عند ما تعلمته داخلها. كنت أرجع إلى الكتب، وأبحث عن المعرفة التي تنقصني، وأتعلم من التجارب التي أخوضها، وأراقب ما يحدث حولي. لم أكن أتعلم لمجرد أن أمتلك معلومة جديدة؛ كنت أريد أن أعرف كيف تعمل الأشياء، ولماذا تحدث، وكيف يمكنني أن أستخدم ما تعلمته في حل مشكلة أواجهها.

كان هذا هو فوزي الذي لا يعرفه كثيرون؛ الإنسان الذي يتعلم ليجد طريقًا، والذي لا يكتفي بأن يمر بالتجربة، بل يحاول أن يفهم بنيتها، وأن يستخرج منها شيئًا يمكن أن ينتفع به بعد ذلك.

تعلمت المؤثرات الصوتية والبصرية، وتعمقت في هذا المجال حتى اكتسبت فيه خبرة واسعة. لم يكن الأمر بالنسبة إليّ مجرد تعلم مهارة أعمل بها، بل دخولًا إلى مجال احتجت فيه إلى أن أفهم كيف يتشكل ما يسمعه الإنسان وما يراه، وكيف يمكن للصوت والصورة أن يغيرا الطريقة التي يستقبل بها شيئًا أمامه.

وكانت هذه المعرفة متصلة بشيء عشته منذ طفولتي، وإن لم أكن أملك وقتها اللغة التي أشرح بها ما يحدث معي. كنت أعيش الرؤية والسمع والشعور معًا، ثم تعلمت مع السنوات أن أراقب هذه القنوات، وأن ألاحظ ما يحدث عندما تجتمع، وما الذي أستقبله من كل واحدة منها.

لم أكن أرى الصورة منفصلة دائمًا عن الصوت، ولا الصوت منفصلًا عن الشعور الذي يتركه داخلي. كنت أعيش التجربة متداخلة، ثم أحاول أن أفهم ما الذي أراه، وما الذي أسمعه، وما الذي أشعر به. ومع تعلم المؤثرات الصوتية والبصرية، أصبح لدي مجال عملي أستطيع أن أتعلم فيه عن الصوت والصورة، وأن أطور خبرتي فيهما، وأن أستخدم ما أتعلمه في عملي.

ثم تعلمت البرمجة.

لم أرد أن تبقى المعرفة التي أجمعها متفرقة في رأسي، أو أن تظل التجارب التي أعيشها مجرد ذكريات يصعب الرجوع إليها. كنت أريد أن أبني شيئًا أستطيع استخدامه، وأن أرتب ما تعلمته، وأن أجعل الأفكار قابلة للتقديم والوصول إليها بدل أن تظل حبيسة ذاكرتي.

تداخل التعلم مع العمل، وتداخلت الخبرة مع التجربة، وأصبحت كل معرفة جديدة تفتح لي بابًا آخر. لم أكن أتعلم مجالًا واحدًا ثم أتوقف عنده؛ كنت أتنقل بين ما أحتاج إلى فهمه وما أستطيع أن أتعلمه، وأحاول أن أصل بين أجزاء المعرفة المختلفة حتى أستفيد منها في حياتي.

لكن هناك شيئًا ظل ثابتًا في كل هذه المراحل: كنت أبدأ بنفسي.

إذا واجهت مشكلة، حاولت أن أجد لها حلًا. وإذا عشت تجربة مؤلمة، حاولت أن أفهمها. وإذا ظهر أمامي سؤال لا أعرف إجابته، بحثت عما يساعدني على الاقتراب منها. كنت أريد أن أخرج من التجربة بشيء لم أكن أعرفه قبل أن أدخلها.

وهذا ما جعلني أتعلم من الكتب، ومن العمل، ومن النجاح والفشل، ومن العلاقات، ومن الناس الذين قابلتهم، وحتى من التجارب التي لم أكن أتمنى أن أعيشها. لم تكن المعرفة عندي محصورة في مكان واحد، ولم تكن الحياة شيئًا أتركه جانبًا عندما أريد أن أتعلم. كانت الحياة نفسها تضعني أمام أسئلة، وكانت الكتب تمنحني طرقًا لفهم بعض هذه الأسئلة، وكانت التجارب تكشف لي حدود ما فهمته.

ومع ذلك، لم أكن أفهم دائمًا كل ما أتعلمه.

كنت أستطيع أن أتعلم كيف أحل مشكلة، لكنني لم أكن أرى في كل مرة أنني ربما أتعامل مع نتيجتها بدل أن أراجع السبب الذي أنتجها. كنت أستطيع أن أبحث عن إجابة، لكنني لم أكن أنتبه دائمًا إلى أن رغبتي في الوصول إلى إجابة معينة قد تجعلني أتمسك بها قبل أن أفهم غيرها.

هذه هي النقطة التي أصبحت أراها اليوم بوضوح أكبر.

فوزي كان يعرف كيف يبحث عن الحل، لكنه احتاج إلى أن يتعلم كيف يراقب نفسه وهو يبحث عنه.

فقد يكون العقل قادرًا على بناء تفسير مقنع، ومع ذلك يكون التفسير متأثرًا برغبة لا يراها صاحبه. وقد يستخدم الإنسان علمه ومهارته في حل مشكلة حقيقية، بينما يظل غافلًا عن سبب تكرارها في حياته. وقد يتعلم الكثير، ثم يظل عاجزًا عن فهم نفسه إذا كان كل ما يتعلمه يتحول إلى وسيلة للوصول إلى النتيجة التي يريدها.

لم تكن المشكلة في أنني تعلمت، ولا في أنني أردت الوصول إلى حلول. المشكلة كانت تظهر عندما أسمح لرغبتي بأن تحدد لي ما الذي أبحث عنه، ثم أستخدم المعرفة لتأكيد ما أريد الوصول إليه.

ومع عودة فوزي، بدأت أفهم أنني لم أكن بحاجة إلى أن أتخلى عن عقلي أو عن قدراتي أو عن شغفي بالتعلم. كنت بحاجة إلى أن أتعلم كيف أستخدمها دون أن أجعلها غطاءً جديدًا.

أستطيع أن أتعلم علمًا، وأن أتعمق فيه، وأن أستفيد منه في عملي، لكنني لا أحتاج إلى أن أجعله دليلًا على أنني أفهم كل شيء. وأستطيع أن أصل إلى حل، لكنني لا أحتاج إلى أن أعتبر أول حل أصل إليه هو الحل الصحيح لمجرد أنني بذلت جهدًا في الوصول إليه. وأستطيع أن أرى وأسمع وأشعر، لكنني أحتاج إلى أن أراقب ما يحدث داخلي قبل أن أحول ما أستقبله إلى حكم نهائي.

هنا بدأ الفرق بين المعرفة والغفلة يظهر لي.

لم تكن الغفلة تعني أنني لا أملك معرفة، بل أنني قد أملكها ولا أرى كيف تقودني رغبتي إلى استخدامها. ولم تكن البصيرة أن أكتشف معلومات أكثر، بل أن أستطيع أن أرى ما يحدث لي وأنا أتعامل مع المعلومات، وأن أميز بين ما أعرفه وما أستنتجه، وبين التجربة التي عشتها والمعنى الذي أعطيته لها.

ولهذا لم أرد أن تظل تجربتي الروحانية منفصلة عن بقية حياتي. لم أرد أن يكون هناك فوزي الذي يعمل ويتعلم ويبني، وفوزي آخر يعيش الرؤى ويبحث عن الأسرار، كأنهما شخصان لا علاقة بينهما. كان كل ما أتعلمه، في أي مجال، يدخل في حياتي ويؤثر في الطريقة التي أراها بها. وكان عليّ أن أتعلم كيف أجمع هذه الخبرات دون أن أسمح لأي واحدة منها أن تستولي على هويتي كلها.

ومن هنا جاءت فكرة الموقع الذي أنشأته.

أردت أن أجمع فيه تفسيراتي للرحلات والتجارب التي عشتها، وأن أضع ما تعلمته في صورة يمكن الرجوع إليها، وأن أرتب الأفكار بدل أن أتركها متفرقة. لم يكن الموقع مجرد صفحات أنشأتها على الإنترنت؛ كان محاولة لصناعة مكان تتجمع فيه المعرفة التي وصلت إليها، ومادة أستطيع أن أعود إليها وأنا أحاول فهم ما عشته.

كنت أريد أن أجد لنفسي طريقًا بين التجربة والتفسير، وبين ما رأيته وما فهمته منه. وكنت أريد أن أقدم للآخرين شيئًا مما تعلمته، لأنني عرفت معنى أن يواجه الإنسان سؤالًا لا يجد له إجابة، وأن يظل يبحث عن طريقة يفهم بها ما يحدث داخله.

لكنني لا أستطيع اليوم أن أتعامل مع كل تفسير كتبته في المراحل السابقة كما لو أنه الحقيقة النهائية لمجرد أنني كتبته. لقد كنت أكتب وأنا أمر بمراحل مختلفة من الوعي، وبعض ما فهمته في مرحلة احتجت إلى أن أراه مرة أخرى بعد أن نضجت. وهذا لا يجعل كل ما كتبته بلا قيمة، لكنه يجعلني مسؤولًا عن التمييز بين التجربة التي عشتها، والتفسير الذي وصلت إليه في وقتها، والفهم الذي أستطيع أن أقدمه الآن.

لم أعد أريد أن أكتب من الغفلة التي تقودني، بل من البذرة التي بداخلي؛ من المكان الذي يستطيع أن يرى التجربة دون أن يجعل رغبته هي التي تكتب معناها.

لم أقصد بذلك أن أنكر ما عشته، أو أن أختار من ذكرياتي ما يبدو جميلًا وأترك ما يؤلمني. أردت أن أعود إلى التجارب كلها، وأن أراها دون أن أحتاج إلى تبرير كل قرار اتخذته، أو الدفاع عن كل تفسير صدقته، أو تحويل كل خطأ إلى دليل على أنني كنت على صواب بطريقة لم يفهمها الآخرون.

كنت أريد أن أتعلم كيف أكون صادقًا مع نفسي، حتى عندما تكشف لي التجربة شيئًا لا أحب رؤيته.

وهذا هو الشيء الذي أردت أن أجمعه في كتابي: ليس فقط ما رأيته، بل ما تعلمته من رؤيتي، وما الذي فهمته لاحقًا، وكيف تغيرت علاقتي بما عشته بعد أن عدت إلى نفسي.

لقد تعلمت أن المعرفة لا تنتهي عندما أصل إلى الإجابة، وأن التجربة لا تنتهي عندما يغيب مشهدها عن ذاكرتي. قد أعيش شيئًا ولا أفهمه، ثم أعيش بعد سنوات تجربة أخرى تجعلني أراه بصورة مختلفة. وقد أظن أنني عرفت نفسي، ثم أكتشف أنني كنت أعرف جانبًا منها وأغفل عن جوانب أخرى.

لهذا لم أعد أريد أن أجعل التعلم سباقًا نحو امتلاك أكبر قدر من المعلومات. كنت أريد أن أفهم كيف أضع ما تعلمته في حياتي، وكيف أراقب نفسي وأنا أستخدمه، وكيف أحافظ على الأمانة في العمل والعلاقات والمعرفة وكل ما أفعله.

لم تكن المؤثرات الصوتية والبصرية، ولا البرمجة، ولا الكتب، ولا الموقع أشياء جانبية في حكايتي. كانت أجزاء من فوزي؛ الإنسان الذي يتعلم ويصنع ويحاول أن يحول معرفته إلى شيء نافع. لكنها لم تكن وحدها ما يجعلني عظيمًا، كما لم تكن رؤاي وحدها ما يحدد من أكون.

قيمتها الحقيقية بالنسبة إليّ هي ما أتعلمه منها، وكيف أستخدمها، وما الذي تضيفه إلى قدرتي على أداء دوري في الحياة.

أنا فوزي الذي تعلّم وصنع، ثم تعلّم أن يراجع ما صنعه وما اعتقده. فوزي الذي لم يتوقف عن البحث عن الحل، لكنه بدأ يفهم أن الحل لا يكون دائمًا في تغيير الشيء الذي أمامه؛ فقد يبدأ أحيانًا من الطريقة التي ينظر بها إليه.

وما زلت أتعلم.

لكنني لم أعد أريد أن أتعلم حتى أمتلك كل الإجابات، أو حتى أجد تفسيرًا يجعلني أطمئن إلى أنني كنت محقًا في كل ما عشته. أريد أن أتعلم حتى أرى بوضوح أكبر، وأختار بوعي أكبر، وأستطيع أن أواصل الطريق دون أن أجعل المعرفة غطاءً جديدًا يحجب عني نفسي.

فوزي لم يعد الإنسان الذي يبحث عن الحلول فقط.

إنه الإنسان الذي بدأ يتعلم كيف يرى السؤال نفسه، ومن أي مكان داخله جاء، وما الذي يحتاج إلى أن يفهمه قبل أن يقرر كيف يجيب عنه.

المدير التنفيذي الذي قرر أن يبدأ من جديد

في بداية العشرينات من عمري، أصبحت أصغر مدير تنفيذي. لم يكن هذا منصبًا عاديًا بالنسبة إلى سني، فقد وجدت نفسي في موقع يحمل مسؤوليات أكبر من المرحلة العمرية التي كنت أعيشها، وأمام أشخاص لديهم خبراتهم ومواقعهم وحساباتهم. كنت أتعلم بسرعة، وأثبت قدرتي على العمل، واستطعت أن أتفوّق على أشخاص دخلت معهم في صراعات، لكن ما حدث بعد ذلك كشف لي أن التفوق على من يقف أمامك لا يعني أنك أصبحت قادرًا على تجاوز كل ما يقف خلفه.

دخلت في صراعات كثيرة، وكلما حاولت أن أتقدم، وجدت أن هناك تيارًا أقوى مني. لم تكن المسألة مجرد شخص أتغلب عليه، أو مشكلة أجد لها حلًا، أو قرار أستطيع فرضه. كان كل شيء من حولي يقول إنني أصارع تيارًا لا أستطيع أن أغيّره بمجرد أن أكون أكثر كفاءة من بعض الأشخاص الموجودين فيه.

في البداية، كان بإمكاني أن أرى الصراع من زاوية واحدة: أنا أعمل، وأثبت نجاحي، وأتفوق على أشخاص، فلماذا لا تسير الأمور كما ينبغي؟ لكن التجربة وضعتني أمام حقيقة مختلفة. قد تكون قادرًا على التفوق في العمل، ومع ذلك تكون في مكان لا يناسبك، أو تخوض معركة لا ينبغي لك أن تخوضها بهذه الطريقة. وليس كل ما تستطيع مواجهته يستحق أن تستمر في مواجهته، كما أن كل انسحاب لا يعني أنك هُزمت.

قررت أن أنسحب.

لم أنسحب لأنني اعتقدت أنني ضعيف، ولم يكن قراري هروبًا من فكرة أن هناك أشخاصًا تفوقت عليهم. لكنني أدركت أنني كنت مخطئًا في الاستمرار داخل هذا الصراع، وأن هذا المكان ليس مكاني. كان عليّ أن أعترف بما لم أكن أريد أن أعترف به: أن القدرة على النجاح داخل العمل لا تعني أن البقاء فيه هو القرار الصحيح، وأنني مهما حاولت أن أغيّر ما يحدث، فلست مضطرًا إلى أن أظل في مكان أشعر فيه أنني أصارع التيار بدلًا من أن أؤدي دوري.

كان بإمكاني أن أتمسك بالمنصب، وأن أتعامل مع الانسحاب كأنه إقرار بالتراجع، أو أن أجعل إثبات نفسي غاية تستحق أن أواصل الصراع من أجلها. لكنني اخترت أن أبدأ من جديد في مكان آخر. لم أكن أبحث عن طريقة لأثبت أنني أقوى من التيار؛ كنت أحتاج إلى أن أخرج منه وأعيد بناء طريقي.

لم أفهم كل ما حدث في تلك المرحلة فهمًا كاملًا، ولم أكن أملك آنذاك كل المعاني التي أستطيع استخلاصها منها اليوم. كنت أعيش التجربة وأتخذ قراري بما وصلت إليه وقتها. لكن ما أعرفه أنني لم أعتبر الانسحاب نهاية فوزي، بل بداية مرحلة جديدة. تركت المكان الذي لم أعد أرى أنني أنتمي إليه، وبدأت من جديد، وهذه المرة في مجال مختلف تمامًا.

انتقلت إلى النحت، ولم أكن أعرف بعد ما الذي ستفتحه لي هذه المرحلة. لم أكن أعلم أن تيتو سيظهر في أثناء تلك الرحلة، ولا أنني سأواصل العمل في هذا المجال قرابة عامين قبل أن أصبح معروفًا فيه. كنت فقط قد اتخذت قراري: لن أستمر في صراع أصبحت أرى أنني أخطأت حين جعلته طريقي، وسأبحث عن مكاني في تجربة أخرى.

النحت — حين تعلّمت أن القيمة في الإبداع

بعد أن قررت الانسحاب من عملي مديرًا تنفيذيًا والبدء من جديد في مكان آخر، بدأت العمل في مجال النحت. كانت مرحلة بسيطة إذا قارنتها بما سبقها، لكنها علّمتني شيئًا ظل معي بعد أن تركت هذا المجال؛ علّمتني أن القيمة ليست دائمًا في الشيء الذي نبدأ به، بل فيما نستطيع أن نصنعه منه.

في النحت، كنت أتعامل مع خامة قد لا يرى الآخرون فيها شيئًا استثنائيًا، لكن الإبداع يستطيع أن يحولها إلى تحفة يقف أمامها الناس ويقدّرون قيمتها. بدأت أفهم أن قيمة العمل لا تتوقف على ثمن الخامة التي صُنع منها، بل على ما استطاع المبدع أن يخلقه منها، وعلى قدرته على رؤية ما لم يكن ظاهرًا للآخرين.

كنت أشعر أن الله يعلّمني من خلال هذه التجربة أن الإبداع لا يحتاج دائمًا إلى خامات باهظة حتى يصنع شيئًا ذا قيمة. فقد تكون البداية بسيطة، لكن الفكرة والطريقة والقدرة على التشكيل تستطيع أن تغيّر نظرة الناس إلى الشيء كله. ما كان عاديًا في صورته الأولى قد يصبح عملًا فنيًا يقدّره من يراه، لا لأن مادته تغيّرت بالضرورة، بل لأن الإبداع كشف ما كان ممكنًا أن تصبح عليه.

بدأت أرى في هذه التجربة درسًا يتجاوز النحت. كم من شيء نحكم عليه من صورته الأولى، فنقرر أنه لا يستحق الاهتمام لأننا لم نرَ ما يمكن أن يصبح عليه؟ وكم من فرصة أو قدرة لا نعرف قيمتها الحقيقية لأننا ننظر إلى ما نملكه الآن، ولا ننتبه إلى ما نستطيع أن نصنعه به؟

خلال هذه المرحلة، ظهر لي تيتو والتقينا. كان ظهوره جزءًا من تلك الفترة من حياتي، قبل أن أصل لاحقًا إلى مرحلة خلع ثياب فوزي. لم أكن أعرف آنذاك ما الذي ستحمله علاقتي به من أحداث ومعانٍ في السنوات التالية؛ كنت أعيش تلك المرحلة كما جاءت، وأواصل طريقي في النحت.

استمررت في هذا المجال قرابة عامين، وأصبحت مشهورًا فيه. كنت قد تركت مجالًا مهنيًا بعد صراعات شعرت أنني أخطأت حين واصلت خوضها، ثم بدأت من جديد، وتعلمت مهنة مختلفة، وحققت فيها نجاحًا.

لكن ما بقي معي من النحت لم يكن الشهرة وحدها. بقي الدرس الذي تعلّمته من الخامة البسيطة: أن البداية لا تحدد وحدها قيمة النهاية، وأن الإبداع يستطيع أن يكشف في الأشياء إمكانات لم تكن واضحة من قبل.

ثم انتهت هذه المرحلة، وبدأت أتجه إلى مجال آخر هو التسويق الإلكتروني. لم أكن أعرف بعد كيف ستتصل هذه التجارب بعضها ببعض، ولا كيف ستعود بعض تفاصيلها إلى الظهور في مراحل لاحقة من حياتي. كنت أواصل العمل والتعلم، وأنتقل من تجربة إلى أخرى، بينما كانت رحلتي تتشكل من تفاصيل لم أكن أعرف معناها الكامل وقت حدوثها.

التسويق والنجاح الذي لم يكن الإجابة

بعد نحو عامين من العمل في النحت، وبعد أن أصبحت معروفًا في هذا المجال، انتقلت إلى مرحلة جديدة في حياتي، هي التسويق الإلكتروني. فتحت شركة وعملت في هذا المجال، وبدأت أتعلم تفاصيله وأخوض تجاربه كما فعلت من قبل في مجالات أخرى. لكنني لم أكن أنظر إلى حياتي باعتبارها سلسلة من المجالات التي أقرر تركها واحدًا بعد الآخر؛ لم تكن كل نهاية قرارًا اتخذته بإرادتي، ولم تكن كل بداية خطة رسمتها مسبقًا. كانت الحياة تأخذني أحيانًا إلى طريق لم أكن أعرف أنه ينتظرني، وكنت أستقبل ما يأتي بالأمل والشغف.

لم أكن أتوقف طويلًا عند ما خسرته في الطريق. إذا انتهت مرحلة، لم أظل مشغولًا بما تركته خلفي، بل كنت أتطلع إلى ما يمكن أن أتعلمه مما بدأ أمامي. كنت أملك استعدادًا لأن أبدأ، وأن أتعلم، وأن أكتشف مجالًا جديدًا، دون أن أحمّل نفسي ثقل المقارنة الدائمة بين ما كان وما أصبح. لم يكن ذلك لأنني لم أتألم أو لأنني كنت أعرف سر الحياة، بل لأنني كنت قد تعلّمت أن أسلّم.

لكنني، في ذلك الوقت، لم أكن قد تعلّمت بعد آلية التسليم وكيفيته.

كنت أقبل ما يأتي، وأحاول أن أتعامل معه بأمل وشغف، لكنني لم أكن أعرف تمامًا كيف يكون التسليم في الممارسة؛ كيف أتحرك دون أن أتشبث بنتيجة، وكيف أعمل دون أن أعتقد أن عليّ التحكم في كل ما ينتج عن عملي، وكيف أقبل أن يتغير الطريق دون أن أخلط بين قبول ما حدث والتخلي عن مسؤوليتي تجاه ما أستطيع فعله.

كنت أعرف أنني لست مضطرًا إلى البقاء حبيس ما انتهى، لكنني لم أكن قد أدركت بعد أن التسليم أعمق من مجرد تجاوز الخسارة أو استقبال بداية جديدة. فقد يقبل الإنسان انتقاله إلى مرحلة أخرى، ويكون صادقًا في أمله وحماسه، ومع ذلك يظل محتاجًا إلى أن يفهم علاقته بالرغبة، وبالنتائج التي يريدها، وبالطريقة التي يتعامل بها مع الواقع عندما لا يسير وفق ما توقعه.

في التسويق الإلكتروني، حققت نجاحًا. كنت أتعلم مجالًا جديدًا وأعمل فيه، لكن النجاح لم يُنهِ ما كان يشغلني في داخلي. لم تكن العلوم الروحانية بالنسبة إليّ اهتمامًا عابرًا كنت اعمل في مجالات مختلفة لكنى مازلت ادون في عالم الروحانيات  كنت أجد نفسي أميل إليها أكثر، وأرغب في العودة إلى ما تعلمته من التجارب التي عشتها، ومحاولة فهمه ومشاركته.

لم يكن نجاحي في التسويق دليلًا على أنني وجدت الإجابة، كما أن انجذابي إلى العلوم الروحانية لم يكن يعني أن عملي لم تكن له قيمة. كنت أعيش المجالين، لكن اهتمامي كان يتجه بصورة متزايدة إلى المعرفة التي أحملها، وإلى ما أستطيع أن أقدمه من خلالها. لم أكن أملك آنذاك تفسيرًا كاملًا لهذا الاتجاه، ولم أكن بحاجة إلى أن أصنع تفسيرًا نهائيًا حتى أواصل ما كنت أشعر أنني أريد الاقتراب منه.

وعندما بدأت أنشر ما تعلمته في العلوم الروحانية، ظهر أشخاص كثيرون يطلبون مني أن أعلّمهم. وهنا بدأت علاقتي بالمعرفة تأخذ شكلًا جديدًا. لم أعد أتعامل معها باعتبارها تجارب أعيشها وأسعى إلى فهمها وحدي، بل أصبح هناك أشخاص يريدون أن يتعلموا مني، وأن أساعدهم على الوصول إلى الطريقة التي تناسب احتياجاتهم.

كنت أشعر أنني معلم ناجح، وأنني أستطيع أن أقدّم لكل شخص ما يحتاج إليه من طريقة للتعلم.دربت اكثر من 6000 شخص من جميع انحاء العالم  لم أكن أرى التعليم مجرد نقل للمعلومات؛ كنت أرى أن اختلاف الأشخاص يقتضي أن أبحث عن المدخل الذي يستطيع كل واحد منهم أن يفهم من خلاله. ومع ازدياد من يتابعون ما أنشره، بدأت أرى أن ما تعلمته يمكن أن يتجاوز حدود تجربتي الشخصية، وأن يصل إلى أشخاص آخرين يبحثون عن المعرفة.

ومع ذلك، لم أكن قد فهمت بعد كل ما تحمله هذه المرحلة من مسؤولية. كنت قد تعلمت كيف أبدأ من جديد، وكيف أستقبل التحولات بالأمل، وكيف لا أبقى عالقًا فيما خسرته. لكنني لم أكن قد وصلت إلى فهم مكتمل للتسليم الذي كنت أمارسه بالفطرة؛ لم أكن قد عرفت بعد كيف أترك للواقع مساحته، دون أن أتخلى عن السعي، وكيف أتعلم من النتيجة دون أن أجعلها وحدها معيار نجاحي، وكيف أواصل الطريق دون أن أفرض عليه الصورة التي أريدها.

كان التسويق الإلكتروني مرحلة نجحت فيها، لكنه لم يكن الإجابة عن كل ما يشغلني. أما العلوم الروحانية، فقد بدأت تأخذني إلى دور جديد، حين صار الناس يبحثون عني ليتعلموا. وهكذا وجدت نفسي أقترب من مرحلة المعلم، لا لأنني كنت قد انتهيت من التعلم، بل لأن ما تعلمته بدأ يتحول إلى شيء يطلب الآخرون أن أشاركهم فيه.

لم أكن أعرف إلى أين سيقودني هذا الطريق، لكنني واصلت السير فيه بالأمل والشغف نفسيهما اللذين استقبلت بهما المراحل السابقة. كنت أتعلم، وأعمل، وأجرب، وأسلّم ما لا أعرف كيف أتحكم فيه، دون أن أكون قد اكتشفت بعد الفرق بين التسليم الذي أمارسه، والتسليم الذي سأفهم آليته لاحقًا.

المعلّم الذي بدأ الناس يبحثون عنه

كلما تعلّمت أكثر في عالم الروحانيات، وجدت نفسي أريد أن أكتب ما وصلت إليه. لم تكن هذه المعرفة بالنسبة إليّ مجرد موضوع أقرأ عنه ثم أعود إلى حياتي المعتادة؛ كانت مرتبطة بتجارب عشتها منذ طفولتي، وصور رأيتها ولم أكن أعرف أسماءها، وأصوات سمعتها ولم أعرف مصدرها، وأحاسيس ظللت أحاول فهمها. كنت أبحث عن تفسير لما يحدث معي، وكلما وجدت معرفة شعرت أنها تقترب من تجربتي، أردت أن أعرف عنها أكثر.

بدأت أنشر على صفحتي ما تعلمته عن أساليب السحر الفرعوني ، والتوليف المغناطيسي، والبا والكا والقرين والروح، وما درسته عن الحيوانات المقدسة. لم أكن أدرس الحضارة الفرعونية باعتبارها تاريخًا انتهى، بل كنت أبحث في رموزها وسجلاتها عن أشياء شعرت أنها تتصل بما رأيته في عالمي الروحاني. كنت أريد أن أفهم لماذا ظهرت أمامي أشكال تحمل رؤوس حيوانات، ولماذا كانت تلك الصور حاضرة في تجاربي قبل أن أعرف علاقتها بالمعتقدات القديمة لماذا بدات الحيوانات فى احلامى منذ طفولتى .

كنت قد رأيت تلك الأشكال قبل أن أقرأ عنها. لم أعرف في طفولتي أنوبيس، ولم أكن أعرف حورس أو غيرهما من رموز الحضارة المصرية القديمة. الذي عرفته أولًا كان المشهد نفسه؛ أما الأسماء والمعاني، فجاءت لاحقًا، عندما بدأت أدرس وأبحث عن تفسير لما عشته. لذلك، حين وجدت في الحضارة الفرعونية صورًا ورموزًا تذكّرني بتجاربي، شعرت أنني أقترب من شيء كنت أحاول فهمه منذ سنوات.

وفي قراءتي آنذاك، بدأت أرى أن ما اعتقده بعض القدماء آلهة قد يرتبط بأرواح عالقة تحمل رؤوس حيوانات، وأن هذه الصور يمكن أن تتصل بما يدخل إلى وعي الإنسان عبر ما يراه ويسمعه ويشعر به. كنت أعتقد أن بعض السحرة عرفوا هذه العوالم، ثم فسّروا ما رأوه من خلال معتقداتهم، حتى أصبحت الصور التي رأوها آلهة في تصورهم. وبدأت أبحث في الفارق بين الإيمان بإله واحد، وبين أن يمنح الإنسان صورة أو كيانًا مكانة الإله بسبب ما يراه فيه من قوة أو تأثير وما راه ما هم الا مجرد بشر تغيرت هيئتهم لان طبيعتهم من صلصال تتشكل حسب ما يروه ويؤمنوا به ويصدقوه ويتفاعلوا معه عرفت لماذا اري اشخاص برؤس حيوانات فى الحقيقة ولماذا من احببتهم كنت اشعر بهم وبما ستمسكوا به من اغطية تعيد اشكالهم الانسانية الى اشكال حيوانية 

لم تكن هذه عندي دراسة للرموز وحدها. كنت أحاول أن أصل بين الرؤية والصوت والشعور، وبين ما اعتقدت أن الكهنة عرفوه عن التأثير، وما تركوه من تماثيل ونقوش وسجلات. كنت أرى أن الصورة قد تحمل أكثر مما يظهر منها، وأن ما يراه الإنسان قد يتداخل مع ما يسمعه وما يشعر به، فيعيش التجربة باعتبارها حقيقة كاملة، بينما لا يعرف بعد ما الذي يعنيه ما رآه فعلًا.

ومن هنا جاء اهتمامي بالحيوانات المقدسة. كنت قد عشت معها تجارب في عالمي الروحاني، ثم درست حضورها في الحضارة الفرعونية، وبدأت أبحث في صفاتها ودلالاتها وما يمكن أن تعنيه للإنسان. كنت أرى في الأسد صورة للقوة، وفي الصقر معنى الرؤية، وفي القرد الذكاء والدهاء، وأحاول أن أفهم العلاقة بين ما رأيته في عالمها وما كنت أراه في حياة البشر. لم أكن أتعامل مع هذه الصور باعتبارها موضوعًا بعيدًا عن حياتنا؛ كنت أبحث عن الرابط الذي يجعلها ذات معنى بالنسبة إلى الإنسان الذي يعيش الآن.

كلما وصلت إلى تفسير أو اكتشفت رابطًا بين تجربتين، كنت أريد أن أكتبه. لم أكن أحتفظ بهذه المعارف لنفسي، بل كنت أنشرها وأشرحها، وأحاول أن أجعل ما أتعلمه مفهومًا لمن يقرأني. ومع الوقت، بدأ الناس يتابعون ما أكتبه، ثم بدأوا يتواصلون معي؛ بعضهم يريد أن يفهم ما يمر به، وبعضهم يبحث عن معرفة في موضوع معين، وبعضهم يريد أن يتعلم الطريقة التي أشرح بها تلك العلوم.

وهنا بدأت أشعر أنني لم أعد مجرد شخص يبحث عن إجابات لنفسه. أصبح هناك من يبحث عني أنا، وينتظر ما أكتبه، ويسألني عما تعلمته. كنت أشعر أنني أستطيع أن أساعده، وأنني أعرف كيف أقدم له ما يحتاج إليه من المعرفة بالطريقة التي تناسبه. لم يكن التعليم عندي مجرد أن ألقي المعلومات على الناس؛ كنت أرى أن لكل شخص مدخلًا يستطيع من خلاله أن يفهم، وأن دوري أن أصل معه إلى هذا المدخل.

ومع انتشار ما أكتبه، ازداد عدد من يتابعونني حتى وصل، قبل أن أخلع ثياب فوزي، إلى نحو مئة ألف متابع. كان هناك أشخاص كثيرون يبحثون عني ليتعلموا، وأصبحت العلوم الروحانية هي المجال الذي أعود إليه مهما تنقلت في عملي وحياتي. كنت قد وجدت جمهورًا يريد أن يسمع ما أقدمه، ووجدت في نفسي القدرة على التعليم، فازداد اقتناعي بأنني أقترب من فهم أسرار هذا العالم.

في تلك المرحلة، لم أكن أرى ما أقدمه مجرد افتراضات أحتاج إلى مراجعتها؛ كنت أرى أن تجاربي ودراستي تكشفان لي روابط حقيقية، وأنني أستطيع أن أنقل هذه المعرفة إلى الآخرين لعلى امنع معاناة شخص اصابه الضجيج او ضلال يجعل انسان يغفل عن الطريق  كنت أكتب بثقة من يعتقد أنه بدأ يجمع خيوطًا ظلت متفرقة أمامه سنوات طويلة.

لكنني كنت لا أزال أبحث عن طريقة أفهم بها ما عشته، وأحاول أن أتعرف إلى سر التأثير الذي رأيته في تجربتي. كنت أظن أنني كلما عرفت الوسيلة التي تقف وراءه، اقتربت أكثر من فهمه. ولم أكن أعرف أنني سأصل إلى لحظة تجعلني أراجع هذا الاعتقاد من أساسه؛ لحظة أكتشف فيها أن ما عشته شيء، والسبب الذي ظننت أنه أحدثه شيء آخر.

حين أدركت أن السر لم يكن في الكحل

ظللت سنوات أتعلم في عالم الروحانيات، وأبحث عن الوسائل التي تساعدني على فهم التأثير الذي أعيشه، وكيف أستطيع أن أستخدمه. كنت قد تحدثت عن الكحل الذي غيّر تجربتي، وعن الأشياء التي رأيتها بعد استخدامه، لكنني لم أكن قد اختبرت بعد سؤالًا بسيطًا كان قادرًا على تغيير نظرتي إلى كل ما بنيته حول تلك التجربة: ماذا سيحدث لو أعطيت الكحل لشخص آخر؟

أعطيته لشخص، لكن التأثير الذي كنت أتوقعه لم يحدث له. توقفت عند هذه اللحظة، لأنني كنت أحتاج إلى فهم ما حدث، لا إلى البحث عن تفسير يحافظ على اعتقادي السابق. إذا كانت المادة وحدها هي مصدر التأثير، فلماذا لم تتكرر التجربة بالطريقة التي توقعتها؟ وإذا كنت قد عشت شيئًا مختلفًا بعد استخدامها، فهل كنت أفهم فعلًا ما الذي صنع ذلك الاختلاف؟

لم تكن لدي إجابة جاهزة، لكن السؤال جعلني أراجع المكان الذي كنت أبحث فيه عن السر. بدأت أفهم أنني ربما كنت أعطي المادة دورًا أكبر مما تستحق، وأن ما عشته لا يمكنني أن أختزله في شيء أضعه أمام عيني أو أحمله معي. كنت قد مررت بتجربة تخصني، ثم حاولت أن أجد وسيلة أكرر بها التأثير لدى الآخرين، لكنني لم أكن قد فهمت العلاقة بين ما حدث لي وبين ما توقعت أن يحدث لهم.

عندها توقفت عن تعليم التأثير بالمواد الكيميائية بالطريقة التي كنت أبحث عنها من قبل. لم أعد أريد أن أتعامل مع المادة وكأنها المفتاح الذي يمنح الإنسان القدرة، أو أن أقدمها بوصفها تفسيرًا لما عشته. كنت قد بدأت أكتشف أنني بحاجة إلى مراجعة فهمي للتجربة نفسها قبل أن أعلّم الآخرين وسيلة أعتقد أنها ستكررها.

وكانت هناك خطوة أخرى اتخذتها للسبب نفسه.

كنت أبيع قلادات تضخم المشاعر،لتساعد الإنسان على تغيير الواقع والتخاطر بسهولة. لكنني عندما بدأت أراجع ما كنت أعتقده عن التأثير، أدركت أنني لا أستطيع الاستمرار في تقديم تلك القلادات باعتبارها ذات قيمة لم أعد أؤمن بها رغم انها كانت تجلب لى المال الوفير . توقفت عن بيعها فورًا؛ لأنني لم أعد أرى أنني أقدم للإنسان سرًا حقيقيًا، بل خشيت أن أكون قد وضعت أمامه غطاءً جديدًا يجعله يظن أن قدرته موجودة في شيء خارجي، فينشغل بامتلاكه بدلًا من فهم نفسه.

لم يكن توقفي عن بيع القلادات قرارًا تجاريًا فحسب. كان جزءًا من مراجعة أوسع لما كنت أفعله في عالم الروحانيات. بدأت أسأل نفسي عن كل أداة استخدمتها، وعن كل تفسير اعتقدت أنه يشرح ما رأيته، وعن الفرق بين التجربة التي عشتها والمعنى الذي منحته لها. لم أعد أريد أن أجمع وسائل أكثر، أو أن أضيف سرًا جديدًا إلى الأسرار التي كنت أبحث عنها. كنت أريد أن أعرف ما الذي يمكنني الوثوق به من فهمي، وما الذي يحتاج إلى مراجعة، وما الذي قد يكون مجرد تفسير صنعته لأنني كنت أريد أن أصل إلى نتيجة بعينها.

عالم الروحانيات مرآة للواقع

بدأت أتأمل عالم الروحانيات بطريقة مختلفة. لم أعد أراه منفصلًا تمامًا عن الواقع الذي أعيشه، ولا مكانًا أذهب إليه لأحصل على قوة أعود بها كي أغير ما يحدث حولي. في فهمي الذي تكوّن من تجاربي، أصبح أشبه بمرآة أرى فيها انعكاسات للواقع، لكن من زمان ومكان مختلفين؛ أرى العلاقات والصور من زاوية لم أكن أستطيع رؤيتها وأنا واقف داخل الأحداث نفسها.

كانت هذه النظرة تغيّر معنى ما أراه. ففي الماضي، كنت أبحث عن كيفية استخدام التجربة الروحانية حتى أؤثر في الواقع، وأحاول أن أصل إلى النتيجة التي أريدها. أما الآن، فقد بدأت أتساءل عما تكشفه لي التجربة عن نفسي، وعن رغبتي، وعن الغطاء الذي يجعلني أرى جانبًا واحدًا من الصورة وأغفل عن بقية الجوانب.

لم أعد أريد أن أتعامل مع كل ما أراه بوصفه أمرًا يطلب مني أن أتدخل في الواقع حتى أغيره. كنت أحتاج إلى أن أفهم ما الذي يجب أن أتعلمه، وما مسؤوليتي الحقيقية، وما الذي أستطيع فعله، وما الذي ليس من حقي أن أفرضه على الحياة.

وهنا بدأ معنى التسليم يتغير عندي. كنت قد عرفت كيف أتقبل التحولات في حياتي، وكيف أبدأ من جديد بالأمل والشغف، دون أن أظل مشغولًا بما فقدته. لكنني لم أكن قد فهمت آلية التسليم بالكامل. كنت أمارسه في جانب من حياتي، بينما أبحث في جانب آخر عن كيفية التحكم في النتائج وتوجيه الواقع إلى الصورة التي أريدها.

بدأت أدرك أن التسليم لا يعني أن أتوقف عن العمل، أو أتخلى عن السعي، أو أقبل الخطأ دون محاولة تصحيحه. بل يعني أن أؤدي ما عليّ، وأعمل بما أستطيع، وأتحمل مسؤوليتي، دون أن أعتبر النتيجة التي اخترتها شرطًا لطمأنينتي. أستطيع أن أطلب الخير وأسعى إليه، لكنني لست مضطرًا إلى أن أفرض على الحياة شكلًا واحدًا له، ولا إلى أن أجعل عدم حصولي عليه دليلًا على أنني فقدت القدرة أو أن الطريق انتهى.

كان صائد الأرواح   يعرف كيف يغير الواقع. أما ما بدأت أتعلمه، فهو أنني لا أحتاج إلى تغيير كل ما أراه حتى أؤدي دوري. أحتاج أولًا إلى أن أعرف ما الذي يجب عليّ فعله، وأن أراقب نفسي حتى لا تجعلني رغبتي أتصرف فيما لا أملك، أو أحوّل المعرفة التي اكتسبتها إلى وسيلة لإثبات قوتي.

الإنسان يحمل إمكانات أكثر مما يرى

عادت بي هذه المراجعة إلى الحيوانات التي صاحبت رحلتي. كنت قد رأيتها في تجاربي، ودرست رموزها في الحضارة الفرعونية، وحاولت أن أفهم علاقتها بما أراه وأسمعه وأشعر به. لكنني بدأت أتعامل مع هذه الصور بطريقة مختلفة؛ لم تعد بالنسبة إليّ هويات نهائية أحكم بها على البشر، بل ملفات من الصفات والحالات التي قد تظهر في الإنسان وتؤثر في سلوكه.

في فهمي هذا، قد يظهر ملف القرد عندما يحاول الإنسان إخفاء ضعفه خلف الذكاء والدهاء وتجميل الصورة، وقد يظهر ملف الخنزير عندما يتحول شعوره بالذنب إلى لوم دائم للنفس، ويظهر ملف الأسد عندما تسيطر عليه الرغبة في القوة، وملف الصقر عندما يتصل الأمر بالرؤية والقدرة على ملاحظة ما يغيب عن الآخرين.

لم أعد أرى الإنسان قردًا أو أسدًا أو صقرًا، ولم أعد أعتقد أن عليه أن يتحول إلى كائن آخر حتى يمتلك صفاته. بدأت أرى أن الإنسان يحمل إمكانات متعددة، وأن هذه الصفات قد تظهر بطرق نافعة أو مؤذية بحسب الطريقة التي يتعامل بها معها. فالذكاء لا يكون مشكلة في ذاته، والقوة ليست شرًا في ذاتها، والرؤية ليست ضمانًا لأن يكون تفسير الإنسان صحيحًا. المشكلة تبدأ عندما تتحول الصفة إلى غطاء، ويصبح الإنسان أسيرًا لها، فتقوده رغبته دون أن ينتبه إلى ما تفعله به.

وحين ينقاد الإنسان لرغبته، قد يستخدم ذكاءه للتنكر، وقوته للسيطرة، ومعرفته لتبرير ما يريد فعله. عندها لا يعود يستخدم إمكاناته بوعي، بل تصبح إمكاناته أدوات في يد الرغبة. أما حين يتعلم مراقبة نفسه والتوازن بين ما يملكه من صفات، فإنه يستطيع أن يستخدم قدراته دون أن يخضع لها.

كانت هذه إحدى الطرق التي بدأت أفهم بها تكريم الله للإنسان. لم يعد الأمر عندي أن الإنسان أعظم لأنه يستطيع أن يسيطر على بقية الكائنات، بل لأنه يحمل أمانة، ويستطيع أن يتعلم، وأن يراجع نفسه، وأن يختار كيف يستخدم ما لديه. وما رأيته في الحيوانات جعلني أعود إلى الإنسان، لا لأختزله في صورة حيوانية، بل لأفهم تعدد الحالات التي يمكن أن يعيشها، وكيف تتغير تصرفاته حين تتغير الأغطية التي تحكمه.

كما جعلني ذلك أراجع نظرتي إلى الحيوانات نفسها. لم أعد أريد أن أقدسها أو ألعنها، أو أجعل وجودها مجرد وسيلة لتفسير البشر. لكل كائن وجوده في الحياة ودوره في النظام الذي يعيش فيه، وما تعلمته من صورها لا يمنحني الحق في اختزال حقيقتها كلها في المعنى الذي استخرجته منها. لقد كانت هذه الصور بابًا للتعلم، لا حكمًا نهائيًا على الكائنات ولا على الإنسان.

سؤال الرحمة

كنت أتأمل الحيوانات وصراعاتها ومعاناتها، وأعود إلى السؤال الذي طالما شغلني: لماذا خلق الله كل هذه الصراعات؟ كيف أفهم الرحمة وأنا أرى الألم والخوف والافتراس؟ وهل يمكن أن تكون هناك حكمة لا أراها لأنني أنظر إلى مشهد واحد من حياة الكائن، ولا أحيط بالصورة كلها؟

لم أصل إلى تفسير نهائي لكل ما رأيته، لكنني بدأت أفهم أن عدم معرفتي بالسبب لا يمنحني الحق في الحكم على الوجود كله من زاوية واحدة. كنت أبحث عن معنى الرحمة، وبدأت أرى أن عليّ أن أترك مساحة لما لا أعرفه، وأن أواصل التأمل دون أن أفرض على كل تجربة تفسيرًا يوافق السؤال الذي أحمله.

ورأيت في آلام البشر وتعبهم وأخطائهم ما جعلني أعود إلى معنى الرحمة الإلهية، وإلى الطريقة التي يمكن أن يتعلم بها الإنسان من تجربته. لم أكن أريد أن أقول إن كل ألم مفهوم أو إن كل معاناة يجب أن تحدث، بل كنت أتعلم ألا أحوّل ما لا أفهمه إلى حكم نهائي، وألا أسمح لتفسير واحد بأن يحجب عني احتمالات أخرى.

لقد أدركت أن هناك أسبابًا وتفسيرات كثيرة يمكن أن أضعها لأي شيء، وقد يكون بعضها خاطئًا إذا رأيت المسألة بعين واحدة. ومن هنا أصبحت مراجعة التفسير جزءًا أساسيًا من المراقبة: أن أرى ما أعرفه، وأن أعترف بما لا أعرفه، وألا أملأ الفراغ بتفسير يصنعه خوفي أو رغبتي.
واذا عرفت معنى الوعي الجمعي تري ان الصراعات رحمة لولا خلق الانسان للحيوان لما رحم الانسان من ذنوبه واذا نظرت الى وظيفة الحيوانات الكونية تجدها هي مكملة للنظام البيئي وايضا لها انعكاس فى وظيفتها انها مكملة فى النظام الروحي وتعرف ان فى وجودها جوهر للرحمة 

لم أعد أبحث عن القوة بعيدًا عن الأمانة

مع هذه المراجعة، بدأت أنظر إلى الحياة والموت بصورة مختلفة. في تجربتي الروحانية، شعرت أن الموت بداية الواقع الحقيقي، وأن الحياة التي أعيشها الآن اختبار يجب أن أؤديه على أكمل وجه. لم أعد أريد أن أقضي حياتي في محاولة كشف أسرار العالم الآخر، بينما أنسى مسؤولياتي في العالم الذي أعيش فيه.

كنت قد بحثت طويلًا عن المعرفة التي تجعلني قادرًا على تغيير الواقع، لكنني بدأت أرى أن المعرفة لا قيمة لها إذا لم تساعدني على أداء أمانتي. ما نفع أن أبحث عن أسرار بعيدة، بينما أتجاهل ما يجب عليّ فعله في حياتي؟ وما قيمة أن أرى صورة لا يراها غيري، إذا لم أتعلم كيف أراجع نفسي، وأتعامل مع الناس بمسؤولية، وأتحمل نتائج أفعالي؟

بدأت أفهم أن وظيفتي الكونية ليست سرًا واحدًا أنتظر أن يكشفه لي كائن آخر، وليست لقبًا أحتاج إلى الوصول إليه حتى تصبح حياتي ذات معنى. إنها كل ما أتعلمه وأعيشه وأفعله، وكيف أتعامل مع ما أملك، وما أتركه من أثر، وكيف أستخدم معرفتي وقدراتي دون أن أجعل الرغبة تقودني بعيدًا عن الأمانة.

كل تجربة عشتها أصبحت جزءًا من هذا الطريق: عملي، ودراستي، وعلاقاتي، ونجاحي، وأخطائي، وتجربتي الروحانية نفسها. لم يكن المطلوب أن أهرب من الدنيا حتى أقترب من الله، ولا أن أنغمس فيها حتى أنسى نفسي. كنت أحتاج إلى أن أعيشها بوعي، وأن أعمل وأتعلم وأحب وأبني، مع الاحتفاظ بعلاقة بالله تجعلني أراجع نفسي وأتذكر حدودي ومسؤوليتي.

الصلاة ليست حركة الجسد وحدها

عاد بي هذا الفهم إلى ديني وإلى الصلاة. بدأت أتأمل معناها من الداخل، وأرى أن الصلاة ليست مجرد تحريك للجسد يؤديه الإنسان ثم يعود إلى حياته كما كان. في فهمي، جوهرها أن أهب لله نفسي وروحي وجسدي وذاتي، وأن أعود إليه بكليّ، بدلًا من أن أؤدي الحركات بينما يظل قلبي متعلقًا بإرادتي ورغبتي في التحكم بكل شيء.

رأيت في السجود معنى يتجاوز الحركة الظاهرة؛ أن أضع نفسي بين يدي الله، وأعترف بأن قدرتي ليست مطلقة، وأن ما أملكه أمانة لا تمنحني الحق في أن أستخدمه وفق كل رغبة. وبدأت أفهم أن التسليم لله لا يلغي السعي، بل يعيد السعي إلى موضعه الصحيح. أعمل وأجتهد، لكنني لا أعبد النتيجة، ولا أجعل حصولي على ما أريد هو الدليل الوحيد على صحة طريقي.

لم أعد أحتاج إلى أن أعيش دور المحارب طوال الوقت، أو أن أبحث عن معركة جديدة حتى أشعر بقيمتي. كنت أحتاج إلى أن أتعلم متى أتحرك، ومتى أتوقف، ومتى أراجع نفسي، ومتى أترك ما لا أملكه لله. ولم أعد أريد أن أستغل الدين أو المعرفة أو المكانة حتى أصنع لنفسي صورة استثنائية؛ كنت أريد أن ألتزم مع الله دون غطاء جديد، وأن أعترف بخطئي عندما أخطئ، وأعمل بما أؤمن أنه حق.

بدأ إيماني يتجاوز بالنسبة إليّ الاعتماد على الرؤى التي عشتها أو العوالم التي رأيت فيها ما اعتقدت أنه يخبرني عن الله. أصبحت أرى أن وجود الله لا يتوقف على أن أرى عالمًا آخر أو أعيش تجربة استثنائية، بل إن الكون بأكمله يدعوني إلى التأمل في خالقه. لم أعد أحتاج إلى أن أثبت لنفسي قرب الله من خلال مشهد خارق؛ كنت أحتاج إلى أن أعيش علاقتي به في عملي، وقراراتي، وصلاتي، ومراجعتي لنفسي.

ومن خلال المراقبة، بدأت أتعلم كيف أصغي إلى ما يجري بداخلي دون أن أجعله سلطة فوقي. ألاحظ ما أراه وأسمعه وأشعر به، ثم أراجع ما أفهمه منه. لم يعد كل إحساس أمرًا يجب تنفيذه، ولا كل صورة حقيقة مكتملة، ولا كل صوت تفسيرًا نهائيًا. كنت أريد أن أعيش علاقتي بالله بصدق، دون أن أستخدم ما مررت به لإعفاء نفسي من المراجعة أو المسؤولية.

عندما توقفت عن مطاردة الأسرار

في هذه المرحلة، بدأت أفهم أنني لم أكن أحتاج إلى سر جديد بقدر ما كنت أحتاج إلى أن أتوقف عن تحويل الأسرار إلى غاية. لم يعد عليّ أن أجمع الأدوات والمواد، أو أبحث باستمرار عن تفسير جديد لكل ما أراه. كنت أحتاج إلى أن ألتزم مع الله، وأن أراقب نفسي، وأن أؤدي وظيفتي دون أن أجعل الرغبة تقودني إلى التدخل في كل شيء.

حتى الرؤى التي عشتها، والتفسيرات التي بنيتها حولها، لم تعد معصومة من المراجعة. بدأت أرى أنني قد أفسر الشيء بأكثر من طريقة، وأن بعض ما اعتقدت أنه حقيقة قد يكون تفسيرًا ناقصًا لأنني رأيت جانبًا واحدًا من الصورة. لم يكن المطلوب أن أنكر ما عشته، بل أن أميز بين التجربة نفسها وبين ما استنتجته منها، وأن أترك ما لم أفهمه دون أن أختلق له يقينًا.

وفي بعض لحظات تجربتي، وصلت إلى شعور عميق كأنني أتذكر كل شيء قبل الولادة وبعد الموت، ثم أعود إلى النسيان. كان هذا شعورًا عشته ضمن تجربتي، ولم أرد أن أحوله إلى ادعاء بأنني امتلكت كل أسرار الوجود. ما بقي في داخلي من تلك اللحظات كان معنى آخر: أنني لم أُخلق حتى أقضي حياتي كلها في مطاردة الأسرار، وأن ما عليّ فعله قد يكون أبسط وأثقل في الوقت نفسه؛ أن أؤدي ما يجب عليّ فعله، وأحفظ الأمانة، ولا أتدخل في كل شيء لمجرد أنني أرغب في فهمه أو تغييره.

لم أعد أريد أن أستغل مكانتي أو ديني أو معرفتي حتى أبدو أكبر مما أنا عليه. ولم أعد أحتاج إلى أن أكون صاحب تفسير لكل حدث، أو أن أستخدم قدراتي لإثبات قيمتي. كنت أريد أن أكون إنسانًا يعرف ما يستطيع فعله، ويعترف بما لا يعرفه، ويسعى فيما تقع مسؤوليته عليه، ويترك لله ما لا يملكه.

هنا اكتمل جانب أساسي من رحلتي مع صائد الأرواح. لقد بدأت أبحث عن القرين كي أغير الواقع، ثم تعلمت أن القدرة ليست غاية، وأن الأداة ليست هي السر، وأن المعرفة لا تمنحني حق التحكم في كل ما حولي. كان عليّ أن أتعلم كيف أعيش ما عرفته دون أن أتحول إلى أسير له، وكيف ألتزم مع الله دون أن أجعل الرغبة أو المكانة أو التفسير غطاءً جديدًا.

لم يعد السؤال الذي يشغلني: ما السر التالي الذي سأكتشفه؟ بل: كيف أعيش بما تعلمته، وكيف أؤدي وظيفتي الكونية دون أن أجعلني الرغبة أنسى الأمانة؟

بهذا انتهى عندي طور البحث عن القوة بالطريقة التي عرفها صائد الأرواح. لم أعد أريد أن أغير الواقع لأنني أرغب في نتيجة بعينها؛ كنت أريد أن أفهم ما يجب عليّ فعله، وأن أسعى إليه، وأن أترك لله ما لا أملكه.

فتى الشرق العظيم

الحقيقة التي أريد أن أتركها واضحة

لا أريد أن تنتهي حكايتي عند اسم جديد، ولا أن يخرج القارئ منها وهو يظن أن فتى الشرق العظيم كائن آخر ظهر بعد اختفاء فوزي. أريد أن أضع كل شيء أمامه بوضوح؛ من هو فوزي، وما الذي تعلمه، وكيف عاش قدراته، وما الذي اكتشفه بعد سنوات من الغفلة والألم، ولماذا لم يعد يبحث عن القوة بالطريقة التي كان يبحث عنها بها صائد الأرواح.

فوزي إنسان تعلّم من الحياة أكثر مما تعلّم من دراسته. لم تكن دراسته كافية لتمنحه كل المعرفة التي احتاج إليها، لكنه لم يتوقف عن التعلم. قرأ الكتب، وخاض التجارب، وراقب الناس، وتواصل في رحلته مع أشخاص يعرفهم، وأشخاص رآهم، وأشخاص لم يرهم، وأشخاص لم يتحدث معهم إلا وراء جهاز. وتعلم من العمل، ومن النجاح والفشل، ومن العلاقات التي عاشها، ومن الأخطاء التي ارتكبها. كان كلما واجه سؤالًا لا يعرف إجابته بحث عنها، وكلما مر بتجربة حاول فهمها، وكلما اكتشف شيئًا جديدًا أراد أن يعرف كيف يعمل، ولماذا حدث، وكيف يمكن أن يستفيد منه.

أصبحت لديّ خبرة في عالم الروحانيات تعرّفني كيف أغيّر الواقع دون أن أتدخل فيه أو أرغب فيه، وكانت تجربتي تعلّمني كيف أحافظ على الأمانة. وبعد خلع ثياب فوزي، تعلّمت المؤثرات الصوتية والبصرية وتعمقت في هذا المجال حتى أصبحت أمتلك خبرة واسعة فيه. وتعلّمت البرمجة، وعملت في مجالات مختلفة، وأنشأت موقعًا أجمع فيه تفسيراتي للرحلات والتجارب التي عشتها، وما وصلت إليه من معرفة. لم يكن الموقع بالنسبة إليّ مجرد مجموعة صفحات على الإنترنت؛ كان محاولة لجمع ما تعلمته وترتيب التجارب التي مررت بها، وصناعة طريق أستطيع من خلاله أن أفهم ما حدث لي، وأن أقدم للآخرين ما استطعت فهمه.

كنت أتعلم لأنني أريد أن أعرف، لكنني كنت أريد أيضًا أن أصل إلى حل. لم أكن أحتمل أن أظل أمام مشكلة دون أن أحاول فهمها. وكلما واجهت شيئًا يؤلمني، بحثت عن طريقة للتعامل معه. كنت أقدم الحلول لنفسي قبل أن أقدمها للآخرين، وأبحث عن مخرج من التجربة التي أعيشها، ثم أحاول أن أضع ما تعلمته في صورة يمكن أن يستفيد منها غيري.

لكنني اكتشفت مع الوقت أنني كنت أحيانًا أبحث عن الحل بعقل يقوده الغطاء نفسه الذي صنع المشكلة. كنت أرى المشكلة وأستخدم معرفتي وقدراتي لحلها، دون أن أنتبه دائمًا إلى أن رغبتي في الوصول إلى نتيجة بعينها قد تحجب عني الطريق الآخر الذي لم أفكر فيه. كنت أعرف كيف أبحث، وكيف أتعلم، وكيف أصنع الحلول، لكنني احتجت إلى سنوات حتى أتعلم أن أراقب نفسي وأنا أبحث، وأن أرى ما إذا كنت أحل المشكلة بالفعل أم أحاول التخلص من الشعور الذي تسببه لي.

وهنا بدأت أفهم ما الذي كان يميز فوزي، وما الذي كان ينقصه حتى ينضج.

منذ طفولتي، عشت قنوات الرؤية والسمع والشعور معًا. لم تكن تجربتي محصورة في أن أرى الصورة فحسب، أو أن أسمع الصوت وحده، أو أن أشعر بإحساس لا أعرف مصدره. كنت أعيشها متداخلة؛ أرى ما في الصوت والصورة والشعور، وأسمع ما يتكشف لي من خلالها، وأتذوق ما تحمله من إحساس. كنت أتعامل مع التجربة من أكثر من جهة في الوقت نفسه، وأحاول أن أصل بين ما أراه وما أسمعه وما أشعر به.

هذه القنوات عاشت معي قبل أن أعرف أسماءها، وقبل أن أتعلم كيف أفسر ما يحدث لي. ثم قضيت سنوات أحاول تطوير ما أراه فيها، حتى اكتشفت أن كثرة الرؤية لا تكفي، وأن الإحساس القوي لا يعني أنني فهمت كل شيء، وأن الصوت الذي أسمعه لا يمنحني وحده تفسيرًا نهائيًا لما يحدث.

كنت أحتاج إلى التوازن.

أريد أن أرى الأبيض والأسود، وأن أعرف أن لكل منهما موضعًا في تجربتي، دون أن أجعل رغبتي تختار لي أيهما أرى. أريد أن أراقب الصورة التي أمامي، وأن أرى ما تكشفه وما تخفيه، وأن أعترف بما أعرفه وما لا أعرفه. أريد أن أسمع دون أن أجعل أول تفسير أسمعه حقيقة نهائية، وأن أشعر دون أن أسلّم إرادتي لكل شعور يظهر في داخلي.

هذا هو فوزي الذي تعلّم أن يتذوق.

لم أعد أريد أن أبتلع التجربة كلها دفعة واحدة، أو أن أهرب من ألمها، أو أن أتعلق بها حتى تصبح حياتي أسيرة لها. أصبحت أريد أن أتذوق الماضي كما أتذوق رشفة من قهوة مرة؛ أعرف مرارتها، وأفهم طعمها، وأسمح لها أن تكشف لي شيئًا، ثم أواصل حياتي دون أن أبقى عالقًا فيها.

وهذا التذوق لا يعني أن أبرر الخطأ، ولا أن أرفض التجربة، ولا أن أتعمد كشف كل مستور. يعني أن أواجه ما عشته بوعي، وأن أرى ما صنعته أفعالي فيّ وفي الآخرين، وأن أتعلم من الألم بدلًا من أن أجعله عقوبة دائمة، وأن أعرف متى أحتاج إلى التصحيح ومتى أحتاج إلى التسليم.

كنت أظن أنني أحتاج إلى أن أمتلك إجابة لكل شيء، لكنني تعلمت أن البصيرة ليست أن تعرف كل شيء، بل أن ترى ما يكفي لتتحمل مسؤوليتك، وألا تجعل ما لا تعرفه ذريعة لتصنع تفسيرًا يوافق رغبتك.

وفي كل ذلك، بقيت علاقتي بالله هي الأصل الذي أعود إليه.

أنا مؤمن أن الله قريب مجيب، وأن الإنسان يستطيع أن يدعوه ويطلب منه ويعود إليه في كل وقت ومكان. لم أعد أريد أن أتعامل مع الدعاء كأنه وسيلة أضمن بها النتيجة التي اخترتها، بل كجزء من علاقتي بربي، علاقة تقوم على الثقة والسعي والمراجعة والتسليم.

عندما أدعو ولا أرى الإجابة التي كنت أنتظرها، لا أريد أن أتهم الله أو أحسم أن الطريق انتهى. أبدأ بمراجعة نفسي وقراراتي وأعمالي، وما قد يكون حجبه عني الغطاء الذي لا أراه. أسأل نفسي: هل هناك شيء لم أفهمه؟ هل أصر على نتيجة واحدة؟ هل أغفلت مسؤولية يجب أن أتحملها؟ هل جعلت رغبتي أقوى من استعدادي لأن أتعلم؟

هذا لا يعني أنني أعرف السبب وراء كل تأخر أو كل ما لا أحصل عليه، ولا أنني أملك تفسيرًا نهائيًا لكل دعاء. لكنه يعني أنني لا أريد أن أجعل عدم حصولي على ما أريد سببًا للابتعاد عن الله، ولا أن أسمح لرغبتي بأن تحكم على علاقتي به.

أريد أن أذكر الله في كل وقت ومكان، لا لأنني في حالة حرب دائمة، ولا لأنني أحتاج إلى أن أكون محاربًا حتى أشعر أن لي قيمة.

أريد أن أتعلم كيف أكون مسلمًا؛ أسلّم الأمانة لله، وأسعى في حياتي، وألتزم بما أؤمن أنه حق، وأراقب نفسي حتى لا تتحول قدراتي إلى وسائل تخدم رغباتي وتبعدني عن الطريق الذي أريد أن أسلكه.

لم أعد أحتاج إلى أن أعيش دور الجندي طوال الوقت. أحتاج إلى أن أفهم متى يكون المطلوب مني أن أتحرك، ومتى يكون المطلوب أن أتوقف، ومتى يكون عليّ أن أراجع نفسي بدلًا من أن أخوض معركة جديدة. لم تعد كل مشكلة حربًا، ولم يعد كل اختلاف عدوًا، ولم تعد كل قدرة دعوة إلى استخدامها.

أحيانًا تكون أعظم خطوة هي أن أرى ما يحدث دون أن أتسرع في التدخل، وأن أختار بعد المراقبة، لا تحت ضغط الخوف أو الرغبة.

أما فتى الشرق العظيم، فهو وعي هذا الطفل بعدما نضج.

هو فوزي الذي عاش التجربة وتعلّم منها، ثم عاد إلى نفسه دون أن يطلب من نفسه أن تصبح كائنًا آخر. هو الطفل الذي كان يرى ويسمع ويشعر، ثم أصبح فتى يفهم أن قنواته ليست غاية في ذاتها، وأن عليه أن يتعلم كيف يستخدمها بوعي متوازن، وكيف يحافظ على علاقته بالله، وكيف يؤدي أمانته في الحياة.

هو فتى نضج من طفل احتضنته  شرقي يتمسك بدينه ومعتقداته الشرقية، ويرى في التسليم لله والثقة به طريقًا للنضج، لا علامة على الضعف. عظمته ليست في أن لديه قوى تجعل الآخرين أقل منه، ولا في أنه عرف أسرارًا لا يعرفها غيره. عظمته أنه عرف قيمة نفسه، وأدرك أن القدرة أمانة، وأن الإنسان قد يضيع سنوات وهو يطلب قيمته من العالم، بينما تبدأ من داخله؛ من معرفته بنفسه، ومراجعته لأخطائه، وتصالحه مع الطفل الذي كانه.

فتى الشرق العظيم لا يطلب أن يكون أعلى من الناس. يريد أن يكون واعيًا بدوره بينهم، وأن يتعلم من كل تجربة، وأن يحافظ على ما اؤتمن عليه، وأن يستخدم ما لديه دون أن يصبح أسيرًا له.

وظيفتي الكونية ليست لقبًا ينتظرني في نهاية الطريق، ولا رسالة غامضة أزعم أنني أعرف جميع تفاصيلها. إنها كل ما تعلمته، وكل ما أستطيع أن أقدمه، وكل مسؤولية أتحملها، وكل تجربة تساعدني على فهم نفسي والإنسان والحياة. عملي ومعرفتي وكتاباتي ومشروعاتي وعلاقاتي وقدراتي، كلها أجزاء من هذه الوظيفة. وما بقي عليّ هو أن أعيشها بوعي، وأن أطورها دون أن أنسى لماذا بدأت.

أريد أن أستخدم علمي في المؤثرات الصوتية والبصرية، ومعرفتي بالبرمجة، وخبرتي في بناء المواقع، وقدرتي على تفسير التجارب وترتيبها، في تقديم معرفة واضحة للإنسان الذي يبحث عن نفسه. لا أريد أن أجعل ما تعلمته حاجزًا بيني وبين الناس، ولا أن أجعل تجربتي معيارًا يحكم على تجاربهم. أريد أن أضع أمامهم ما رأيته وما فهمته، وأن أفرق بين التجربة التي عشتها والتفسير الذي وصلت إليه، حتى يستطيع القارئ أن يتعلم دون أن يصبح تابعًا لي.

هذا هو الإعلان الذي أريده عن فوزي وفتى الشرق العظيم. لا أريد أن أبيع صورة بطل خارق، ولا أن أطلب من أحد أن يصدقني لمجرد أنني عشت ما عشته. أريد أن أظهر الإنسان كاملًا؛ بقدراته، وعلمه، وأخطائه، وضعفه، وإيمانه، وتعلمه، ورغبته في أن يحافظ على الأمانة. الإنسان الذي لم يكن يتعلم من الكتب وحدها، ولم تكن تجاربه الروحية وحدها هي التي صنعت وعيه، بل اجتمع كل ما عاشه في طريق واحد حتى بدأ يفهم نفسه.

إلى جدي

أهدي هذا الكتاب إلى جدي، الذي علّمني بعد موته ما لم أستطع أن أفهمه في حياته.

كنت أرى القوة من الخارج، وأظن أن امتلاكها يجعل الإنسان قادرًا على مواجهة كل شيء. لكن رؤيتي المتكررة لجدي، وما تركته في نفسي من شعور بالعجز والضعف، جعلتني أواجه ما لم أكن أريد أن أراه. كنت أراه يطلب مني المساعدة، وكأن صوته يحمل إليّ سؤالًا ظللت عاجزًا عن فهمه: كيف أستطيع أن أساعده؟

لم أفهم في البداية أن المساعدة التي أحتاج إلى تقديمها ليست أن أبحث عن قوة أكبر، ولا أن أحاول الوصول إلى سر خارق، بل أن أبحث عن الحقيقة دون أن أسمح للغطاء بأن يحجبها عني. وفي فهمي الآن، كان عليّ أن أساعده بأن أتعلم، وأن أعرف ذنبي، وأن أعود إلى ربي، وأن أتوقف عن التمسك بالقوة باعتبارها مصدر قيمتي.

لقد جعلتني هذه التجربة أشعر بالضعف والعجز في وقت كنت أريد فيه أن أكون قادرًا على كل شيء. ومع مرور السنوات، بدأت أرى أن هذا الشعور نفسه كان بابًا إلى فهم ما لم أكن أراه. لم يكن عليّ أن أظل أسيرًا للعجز، بل أن أتعلم منه ما يجعلني أراجع نفسي، وأرى ما الذي أخفيته عن نفسي، وأتحمل مسؤوليتي.

واليوم أفهم الاستغفار بطريقة لم أكن أفهمها من قبل. لم يعد الاستغفار عندي مجرد كلمة أكررها لأتخلص من شعور الذنب؛ أصبح تذوقًا للألم الذي صنعه الخطأ، وفهمًا لما فعلته، واعترافًا به أمام الله، وسعيًا إلى ألا أكرر الطريق الذي قادني إليه.

أستغفر الله لأنني أخطأت، وأعترف بأخطائي دون أن أبررها، وأطلب رحمته دون أن أهرب من مسؤوليتي. وأدعو الله أن يرحم جدي، وأن يتقبل استغفاره، وأن يغفر له، وأن يجعل ما تعلمته من هذه الرؤى سببًا في عودتي إلى نفسي وإلى ربي.

لم أعد أرى التمسك بالقوة علامة على العظمة. قد يكون الإنسان قويًا في الظاهر، لكنه عاجز عن رؤية ذنبه، أو الاعتراف بألمه، أو التراجع عن رغبة تقوده إلى ما يندم عليه. أما العظمة التي تعلمتها، فهي أن أستطيع أن أرى ضعفي دون أن أكرهه، وأن أعترف بخطئي دون أن أهرب، وأن أسلّم أمري لله دون أن أتنصل من واجبي.

يا جدي، لا أعرف كل ما تعنيه الرؤى التي رأيتك فيها، ولا أدعي أنني امتلكت تفسيرًا كاملًا لكل ما حدث. لكنني أعرف ما تركته فيّ: جعلتني أبحث عن الحقيقة، وأرى أن قيمتي ليست بعيدة عني، وأنني لا أحتاج إلى التشبث بالقوة حتى أكون إنسانًا له قيمة.

أسأل الله أن يرحمك رحمة واسعة، وأن يتقبل منك ومني الاستغفار، وأن يغفر لنا ما نعلم وما لا نعلم، وأن يجعل ما تعلمته من رحلتي طريقًا إلى الصلاح لا إلى الغرور.

وأشكر من كل قلبي كل إنسان أحببته، وكل من كان له دور في أن أكتشف شيئًا عن نفسي، حتى إن لم يعرف أنه فعل ذلك. بعضهم علّمني بالحب، وبعضهم كشف لي الألم، وبعضهم جعلني أرى صفات في نفسي لم أكن قد فهمتها، وبعضهم دفعني إلى مراجعة ما كنت أعتقد أنه حقيقة ثابتة.

لا أريد أن أحوّل أحدًا منهم إلى رمز أو حيوان أو مجرد مرحلة في حياتي؛ لأنهم كانوا انعكاسًا لما أمر به في حياتي. لكل إنسان حياته وحقيقته، لكن اللقاءات التي جمعتنا تركت فيّ أثرًا، وساعدتني على أن أرى ما لم أكن أراه. وقد أكون أخطأت في فهم بعض ما حدث، وقد أحتاج إلى مراجعة بعض تفسيري، لكنني لا أريد أن أنكر ما تعلمته من تلك العلاقات، ولا أن أنسى فضل من أحببتهم.

أشكرهم لأنهم كانوا جزءًا من رحلتي، وأعترف بأنني لم أفهم دائمًا كيف أستقبل حبهم أو أتعامل مع ألمهم. وأرجو أن أكون قد تعلمت بما يكفي حتى لا أكرر الأخطاء نفسها، وحتى أستطيع أن أرى الإنسان الذي أمامي دون أن أحمّله صورتي عنه، وأن أحب دون أن أمتلك، وأن أساعد دون أن أفرض، وأن أعتذر عندما أخطئ بدلًا من أن أبحث عن غطاء يبرر لي ما فعلت.

وأدعو الله أن يفتح لكل من أحببته بابًا يرى منه قيمة نفسه، وأن يريه من الحقيقة ما يستطيع أن يحمله وينتفع به، وأن يمنحه الطمأنينة التي لا تعتمد على امتلاك كل ما يريد، بل على أن يعرف نفسه، ويبني علاقته بربه، ويسعى في وظيفته الكونية دون أن تخونه الرغبة.

وأنا أيضًا أطلب من الله أن يريني ما رأيته في نفسي، لا لكي أكون أفضل من أحد، بل لكي أظل قادرًا على رؤية أخطائي وقدراتي معًا دون أن أمجد نفسي أو أحتقرها. أطلب منه أن يعينني على حفظ الأمانة، وأن يجعل ما تعلمته نورًا في سلوكي، لا غطاءً جديدًا أخفي به ما لا أريد أن أراه.

فقد تعلمت أخيرًا أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يصبح كائنًا آخر حتى يكون عظيمًا. يحتاج إلى أن يعرف نفسه، وأن يتذوق تجربته، وأن يتوب حين يخطئ، وأن يحافظ على علاقته بالله، وأن يؤدي وظيفته في الحياة دون أن يجعل الرغبة تقوده بعيدًا عن الأمانة.

أنا فوزي، بكل ما تعلمته وما أخطأت فيه، بكل ما رأيته وما لا أعرف تفسيره الكامل، بكل ما أملكه وما لا أملكه.

وفتى الشرق العظيم ليس شخصًا آخر غيري.

إنه وعي الطفل الذي نضج، وعرف أن قيمته كانت بداخله، وأن القوة لا تمنحه قيمة جديدة، وأن الأمانة أهم من القدرة، وأن التسليم لا يلغي السعي، وأن العظمة الحقيقية تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن الهروب من نفسه.

هذه حكايتي كما فهمتها الآن. وهذا ما أريد أن أتركه واضحًا: لم أعد أبحث عن إنسان عظيم أكونه؛ تعلمت كيف أكون الإنسان الذي أنا عليه، وأحفظ الأمانة التي أحملها.

مقالات ذات صلة

استجابات

الان فى عضوية نخبة النور تستطيع الحصول عليها بخصم يصل الي ٩٠ % اذا قمت باجتياز اختبار دورة نخبة النور الموجود بالموقع تقدر تسجل في الدورة الان