الكهنوت والرحموت ورب الملكوت
محتوى المقال
كيانان يدخِلانك الماتريكس، ويجعلانك ترى الوهم حقيقة، حتى تكتشف لماذا كنت تعاني وأنت تظن أنك على صواب
هناك كيانان قد يدخلان حياتك دون أن تعرف اسميهما، يجعلانك تعيش واقعًا تراه حقيقيًا، وتدافع عنه، وتخسر من أجله أعز ما تملك، ثم تكتشف يومًا أن الحقيقة التي كنت تحارب من أجلها لم تكن الحقيقة كاملة، وأنك كنت تعيش داخل دائرة تتكرر مهما تغيّرت الوجوه والأسماء. أحدهما يجعلك تتكهن، فتحكم على الناس، وتدخل معهم في الحرب، وتعاقبهم باسم الحق، حتى لو كنت تحبهم. والآخر يجعلك تحب، وتسالم، وتضحي، وتوفي، وتخلص، حتى تجد نفسك تتألم من الحب، وتحارب من أجل السلام، وتُذبح بالتضحية، وتكتشف الخيانة في المكان الذي وضعت فيه وفاءك. الأول يجعلك ترى أنك صاحب الحق، والثاني يجعلك ترى أنك الضحية التي لا ذنب لها؛ وبين الاثنين قد تمضي سنوات من عمرك وأنت تنتقل من معاناة إلى معاناة، مقتنعًا في كل مرة أنك اقتربت من الخلاص. قد تظن في البداية أنهما كيانان شيطانيان جاءا لتدميرك، ثم تكتشف في الطريق وجهًا آخر لهما، فتظنهما ملائكة جاءتا لمساعدتك على النصر والصحوة. لكن القصة لا تنتهي عند هذا الاكتشاف؛ لأنك عندما ترى الصورة كاملة ستكتشف أن الكهنوت والرحموت ليسا ملائكة ولا شياطين، بل كيانان في يد رب الملكوت، وأن أخطر ما فيهما ليس ما يفعلانه بك وحده، وإنما ما يجعلانك تفعله بنفسك وأنت لا تدري.
الكهنوت: الكيان الذي يجعلك تتكهن، ثم تصدق ما تكهنت به
يدخل الكهنوت إلى حياتك من أبواب كثيرة؛ من باب الحرب والعقاب، ومن باب التربية والقسوة، ومن باب الشعور بأنك تملك الحق، وأنك تعرف ما يحدث، وأنك تستطيع تفسير أفعال الناس مهما كانت نياتهم. لا يشترط أن يأتيك في صورة إنسان يكرهك، فقد يأتيك من إنسان يحبك، بل قد يكون ذلك الإنسان مستعدًا أن يضحي بحياته من أجلك، لكنه لا يعرف كيف يعبّر عن حبه إلا بالطريقة التي تعلّمها من قبل.
تخيل أبًا يحب ابنه، لكنه يعامله بقسوة. حين يخاف عليه يعاقبه، وحين يريد أن يربيه يشدد عليه، وحين يريد أن يجعله قويًا يذيقه من القسوة ما يظن أنها ستصنع منه رجلًا. الأب لا يرى نفسه عدوًا لابنه؛ بل قد يكون مقتنعًا بأنه أكثر الناس حرصًا عليه، وأنه وحده يعرف مصلحته، وأن قسوته ضرورة لا يستطيع الاستغناء عنها. وإذا واجهه ابنه بألمه، ربما أجابه: أنا أفعل كل هذا من أجلك، وستفهم يومًا أنني كنت على حق.
انظر إلى ما يحدث هنا. الأب يحب ابنه، لكن الكهنوت يجعل الحب يخرج في صورة قسوة. والابن يتلقى القسوة من الشخص الذي ينتظر منه الأمان، فيتعلم أن الحب يؤلم، وأن من يحبك قد يخيفك، وأن القريب منك قد يكون أشد الناس قسوة عليك. ثم يكبر الابن، ويتزوج، وينجب، ويأتي اليوم الذي يجد فيه نفسه يعامل أبناءه بالطريقة التي عانى منها. يقسو لأنه يخاف عليهم، ويعاقب لأنه يريد تربيتهم، ويمنعهم لأنه يريد حمايتهم، ثم يقف أمام ألمه وألمهم مقتنعًا بأنه يفعل الصواب.
وهكذا تتربى أجيال ذاقت القسوة، ثم تعلّمت أن تعبّر عن الحب بالقسوة، وعن الخوف بالتشدد، وعن الغيرة بالسيطرة، وعن الغضب بالعقاب. لا يرى كل جيل أنه يكرر المعاناة التي عاشها الجيل السابق؛ لأن كل جيل يملك تفسيرًا لما يفعله، ووجهة نظر تجعله يراه صحيحًا. هنا لا تكون القسوة مجرد فعل، بل تصبح حقيقة يؤمن بها الإنسان، وتربية يدافع عنها، ومنطقًا يرفض أن يشك فيه.
وهذا هو الكهنوت: ليس أن ترى الخطأ فحسب، بل أن تتكهن، ثم تجعل ما تكهنت به حقيقة، وتعيش وتحكم وتتصرف على أساسها.
قد تشعر أن شخصًا لا يحبك، فتراقب تصرفاته بحثًا عن دليل يؤكد شعورك. وقد تعتقد أن إنسانًا يخونك، فتبدأ في تفسير كل حركة وكل كلمة وكل تأخير باعتباره دليلًا على الخيانة. وقد ترى اختلافًا في الرأي، فتتكهن أن الطرف الآخر يريد إهانتك، ثم تدخل معه في معركة للدفاع عن كرامتك. وقد تحكم على شخص من موقف واحد، ثم تجعل كل ما يفعله بعد ذلك شاهدًا على صحة حكمك، بينما لا تمنح نفسك فرصة لرؤية ما يمكن أن ينقضه.
الأخطر أنك قد تكون صادقًا في شعورك، وتملك وقائع حقيقية، ويبدو تفسيرك منطقيًا، ومع ذلك لا ترى الحقيقة كاملة؛ لأنك ثبتَّ عند وجهة نظر واحدة. أنت لا ترى ما حدث فقط، بل ترى ما حدث من خلال الغطاء الذي أصبح يحكم إدراكك. ثم تظن أن ما وصلت إليه هو الحقيقة نفسها، لا إحدى الصور التي كوّنها عقلك عنها.
قد تكون اليوم مؤمنًا بأنك تعرف سبب معاناتك، وأنك فهمت حقيقة شخص ما، وأنك عرفت من يحبك ومن يخونك، ومن يستحق ومن لا يستحق. لكن ماذا لو جاء يوم تنضج فيه بصيرتك، فتكتشف أن ما كنت تعتبره حقيقة نهائية كان السبب في غفلتك؟ ماذا لو اكتشفت أن الكهنوت لم يحتج إلى أن يكذب عليك؛ بل احتاج فقط إلى أن يجعلك ترى جانبًا واحدًا، ثم يقنعك بأنه كل ما يوجد؟
قد تكتشف أنك حاربت شخصًا بسبب تكهّن لم يكن كاملًا، أو عاقبت إنسانًا لأنك أسأت فهمه، أو كررت قسوةً عانيت منها في طفولتك وأنت تظن أنك تفعل الشيء الصحيح. وقد تكتشف أن بعض ما كنت تسميه دفاعًا عن الحق كان دفاعًا عن وجهة نظرك، وأنك كلما ازددت اقتناعًا بها، ازددت غفلة عما لا تريد أن تراه.
الكهنوت لا يخبرك أنك غافل؛ بل يجعلك تعتقد أنك أكثر الناس يقظة. لا يقول لك إنك تتكهن؛ بل يجعلك تؤمن أنك فهمت الحقيقة قبل الآخرين. ولا يجعلك ترى نفسك مؤذيًا بالضرورة؛ بل قد يجعلك ترى أنك تعاقب المخطئ، أو تحمي من تحب، أو تنتصر للعدل. ولهذا يكون الخروج من غطائه صعبًا: كيف تشك في رؤيتك وأنت لا ترى فيها إلا المنطق والصواب؟
الرحموت: الكيان الذي يكشف لك بذرة الحب، ثم يريك كيف تتحول إلى معاناة
إذا كان الكهنوت يظهر لك في الحرب والعقاب والقسوة، فإن الرحموت يظهر في صورة كيان رحيم؛ تلمس معه بذرة الحب والسلام والتضحية والإخلاص والوفاء والطيبة والمشاركة. قد تراه في الإنسان الذي يهب نفسه لمن يحب، ويحاول أن يحفظ العهد، ويحتمل الألم حتى لا يخسر علاقته، ويمنح الناس من قلبه ما يتمنى لو وجده منهم.
الرحموت لا يظهر بالضرورة في صورة الإنسان الذي يفعل القسوة في الآخرين؛ فقد يظهر في صورة من يستقبل أفعال الآخرين ويتحمل نتائجها، ومن يبدو أنه يعاني من قسوتهم، بينما تأتي القسوة التي يعيشها من الجانب المقابل له. قد يحاول أن يحب، فيجد نفسه في علاقة تؤلمه. وقد يختار السلام، فيجد نفسه وسط حرب. وقد يضحي من أجل أقرب الناس إليه، ثم يكتشف أنهم أول من يضحون به. وقد يخلص لإنسان، ثم يرى الخيانة من الشخص الذي منحه وفاءه، وقد يفتح قلبه ويشارك حياته وأسراره، ثم يجد من تشاركه الحياة يفجّر أسراره ويكشفها أمام الآخرين.
وهنا قد تظن أن الرحموت هو الكيان الذي يريد تدميرك من خلال طيبتك، وأن الحب الذي حملته في قلبك لم يكن إلا طريقًا إلى الألم. لكن انتظر؛ لأن المسألة لا تتوقف عند أن الطيب يُؤذى، ولا عند أن المخلص قد يُخان. المسألة في الغطاء الذي يجعل الإنسان يرى الحب بطريقة واحدة، ثم يحوّل هذه الطريقة إلى قانون يحكم به نفسه وعلاقاته.
قد تبدأ علاقتك بإنسان وأنت تحبه بصدق. تريد أن تسعده، وتحافظ عليه، وتشاركه حياتك، وتكون وفيًا للعهد الذي بينكما. وحين يخطئ، تسامحه. وحين يكرر الخطأ، تمنحه فرصة أخرى. وحين يؤلمك، تبحث عن تفسير يبرر ما فعله، لأنك لا تريد أن تخسر الصورة الجميلة التي تؤمن بها عنه. وربما تقول لنفسك إن الحب الحقيقي يتحمل، وإن الوفاء لا يتراجع، وإن السلام أهم من الخصام، وإن الإنسان الذي يحب لا يتخلى عن حبيبه وقت الشدة.
تبدو هذه المعاني جميلة، وهي في أصلها قد تنبع من بذرة نقية داخل الإنسان. لكن ماذا يحدث عندما تثبت عند وجهة نظر واحدة عنها؟
يتحول الحب إلى تعلق، والتعلق إلى خوف من الفقد، والخوف إلى مراقبة واتهام، ثم يتحول الحب نفسه إلى كهنوت تعلق. تصبح محتاجًا إلى أن يتصرف الطرف الآخر بالطريقة التي تؤكد لك أنه يحبك، وإذا لم يفعل، لم تعد ترى اختلافه فقط؛ بل ترى رفضًا لك، أو خيانةً لما قدمته، أو دليلًا على أنه لا يستحق الحب. وقد تظل تقول إنك تحبه، لكنك تبدأ في محاسبته على أنه لم يحفظ قيمة الحب، ثم يتحول من إنسان تحبه إلى عدو يجب أن ينتقم منه قلبك.
تأمل هذا التحول: كنت تريد الحب، ثم أصبحت تريد إثبات أنك محبوب. كنت تريد أن تعطي، ثم أصبحت تنتظر أن يعترف الطرف الآخر بقيمة ما أعطيته. كنت تبحث عن القرب، ثم صار كل ابتعاد دليلًا على الرفض. وفي النهاية قد تقول إنك تحارب من أجل الحب، بينما أنت في الحقيقة تحارب لأن صورتك عن الحب قد جُرحت.
والسلام يمر بالتحول نفسه. قد تختار السلام مع من تعلن عليه الحرب، أو مع من يعلن عليك الحرب، وتظن أنك تحمي العلاقة من الانهيار. تسكت عن أذى، ثم تسكت عن أذى آخر، ثم يصبح السكوت أسلوب حياة، وتخشى المواجهة لأنك تربطها بفقد الشخص الذي تحبه. ومع الوقت قد تكتشف أنك تعيش في حرب مستمرة باسم السلام؛ حرب تخوضها داخل نفسك كي لا تخسر علاقتك، بينما العلاقة تستنزفك يومًا بعد يوم.
أما التضحية، فقد تبدأ من حب حقيقي، ثم تتحول إلى ذبح للنفس. تقدم وقتك، وراحتك، وحقوقك، وأحيانًا إرادتك، وتسمح لمن حولك بأن يقطعوا من حياتك ما يشاؤون، ويوزعوا تعبك وجهدك على كل من حولهم دون أن يسألوك عما بقي لك. تعطي بلا حدود، ثم تشعر بالذنب عندما تفكر في أن تحتفظ بشيء لنفسك. وقد تصبح التضحية عندك معيارًا للحب: كلما تحملت أكثر، شعرت أنك أكثر إخلاصًا؛ وكلما تألمت أكثر، صدقت أنك قدمت حبًا أكبر.
لكن التضحية التي تهدم الإنسان ليست هي التي تحفظ الحب؛ إنها التضحية التي أصبح فيها الإنسان غافلًا عن الأمانة التي يحملها تجاه نفسه. وحين تثبت وجهة نظرك بأن الحب هو أن تبذل كل شيء، فقد لا تلاحظ أنك تحوّل العطاء إلى استنزاف، والوفاء إلى قيد، والرحمة إلى سماح دائم بالأذى.
ثم تأتي الخيانة. قد ترى الغدر من أقرب الناس إليك، والخيانة ممن وفيت لهم، وقسوة القلب ممن ظننت أن طيبة قلبك ستحمي علاقتك به. وقد تكشف لك التجربة أن من منحته أسرارك لم يكن أهلًا لحملها، وأن من شاركته حياتك لم يكن يرى المشاركة بالطريقة نفسها التي تراها أنت. فتتألم، وربما تغضب، وربما تقرر ألا تثق بأحد بعد اليوم.
وهنا يفتح الرحموت أمامك بابًا آخر من المعاناة: قد تتحول الطيبة إلى غضب كعاصفة في صحراء، تغطي كل ملامح الحياة. وقد تتحول المشاركة إلى عزلة ووحدة، حتى لو ظهر في حياتك عشرات الأشخاص. وقد يصبح الخلاص عندك هو الهروب من كل من أخلصت لهم، لا لأن الجميع خانك، بل لأنك لم تعد ترى في الاقتراب إلا احتمال تكرار الألم. عندها يكون الغطاء قد انتقل بك من طرف إلى طرف: كنت تخشى أن تخسر الناس، فأهملت نفسك؛ ثم أصبحت تخشى أن يقترب منك الناس، فأغلقت الباب على نفسك.
الرحموت لا يكشف لك فقط أن القلب الطيب قد يتألم؛ بل يكشف كيف يمكن للمعاني النقية أن تتحول إلى أغطية عندما تثبتها عند وجهة نظر واحدة. الحب ليس خطأً، والوفاء ليس خطأً، والتضحية ليست خطأً، والطيبة ليست خطأً. لكنك قد تستخدم هذه المعاني استخدامًا يجعلك تؤذي نفسك، ثم تنسب كل ما يحدث إلى نقاء قلبك، ولا ترى الدور الذي لعبته رؤيتك الثابتة في استمرار المعاناة.
عندما يندمج الكهنوت والرحموت: تصبح صاحب الحق والضحية في الوقت نفسه
الحقيقة أن الكهنوت والرحموت يكمل أحدهما الآخر، وقد تراهما معًا في واقعك. أنت قد تكون رحموتًا مع شخص تحبه، وكهنوتًا مع شخص آخر تريد أن تثبت له أنك على حق. قد تكون وفيًا في علاقة، ثم تحكم على إنسان في علاقة أخرى من خلال وجهة نظر لا تسمح له أن يخرج منها. وقد تبدأ حياتك بطيبة ورحمة، ثم يتحول الألم داخلك إلى رغبة في العقاب؛ فتنتقل من الإنسان الذي يضحي من أجل الآخرين إلى الإنسان الذي يقرر أن يضحي بالآخرين، من دون أن ترى بوضوح متى تبدّل موقعك.
الأخطر أن يندمج الكهنوت والرحموت فيك أنت، وفي الشخص الذي يدخل حياتك، فيصبح كل منكما قادرًا على الحب والخصومة، والتضحية والاتهام، وطلب السلام وإعلان الحرب. تحب الشخص، لكنك ترى فيه عدوًا عندما لا يمنحك الحب الذي تتوقعه. تضحي من أجله، ثم تتهمه بأنه أول من ضحى بك. تختار السلام معه، ثم تحاربه عندما تشعر أنه لم يحفظ السلام. وقد يفعل هو الشيء نفسه: يحبك، لكنه يراك ظالمًا؛ يضحي من أجلك، لكنه يتهمك بأنك لم تقدّر تضحيته؛ يطلب قربك، ثم يعاقبك عندما تقترب بطريقة لا توافق صورته عن القرب.
هنا يحدث الرنين بينكما. ليس المقصود مجرد أن شخصين متشابهان قد ينجذبان إلى بعضهما، بل أن كل طرف قد يوقظ في الآخر الوجه الذي يكمل قصته. إذا رأى أحدكما نفسه ضحية، فقد يصبح كل دفاع من الآخر اعترافًا ضمنيًا بالإدانة في نظره. وإذا رأى أحدكما نفسه صاحب الحق، فقد يصبح ألم الآخر دليلًا على أنه يحاول التلاعب به. وإذا حاول الأول أن يثبت أنه يحب، فقد يقرأ الثاني محاولته باعتبارها ضغطًا؛ وإذا ابتعد الثاني، رأى الأول في ابتعاده رفضًا يؤكد مخاوفه القديمة. وهكذا يتحول كل فعل إلى دليل جديد، وكل دليل إلى سبب لجولة جديدة.
قد يعلن أحدكما الحرب باسم الحب، بينما يطلب الآخر السلام باسم الرحمة. ثم يتبادلان المواقع: من كان يطلب السلام يثور، ومن كان يطالب بالحق يتوسل القرب، ومن كان يضحي يقرر الانتقام، ومن كان يتهم يصبح خائفًا من الاتهام. وفي كل مرة يظن كل طرف أن لديه سببًا منطقيًا لما يفعله، بينما تتآكل العلاقة تحت وطأة الروايتين اللتين يصنعهما كل منهما عن نفسه وعن الآخر.
والخطر الحقيقي أن يصبح الطرفان كهنوتًا ورحموتًا في وقت واحد، وأن يجذب كل منهما إلى حياته الشخص نفسه الذي يوقظ فيه الازدواجية التي يحملها. هنا قد يكون الرنين انهيارًا وإنكارًا للطرفين؛ لأن كل واحد منهما يرى في الآخر ما يؤلمه في نفسه، لكنه لا يرى إلا الجزء الذي يؤكد وجهة نظره. وكلما حاول أحدهما الانتصار لإثبات أنه على حق، زادت الدائرة إحكامًا، حتى تصبح الورقة الخاسرة هي النتيجة مهما بدا أن أحدهما حقق انتصارًا. قد ينتصر أحدهما في الجدال، لكنه يخسر العلاقة. وقد يُجبر الآخر على الاعتذار، لكنه لا يقتنع. وقد يبتعدان، ثم يحمل كل منهما القصة نفسها إلى علاقة جديدة، فتتغير الوجوه وتبقى الماتريكس.
ماتريكس الكهنوت والرحموت: الحقيقة التي تراها قد تكون غطاءك
قد تظن أنك خرجت من علاقة مؤلمة لأنك عرفت أخيرًا حقيقة الطرف الآخر، ثم تدخل علاقة أخرى فتجد المعاناة تعود، لكن بملامح جديدة. وقد تظن أن كل من اقترب منك خانك، وأن كل تضحية قدمتها انتهت بالغدر، وأن كل محاولة للحب قادتك إلى الحرب. وقد يظن شخص آخر أنه يعيش القصة المعاكسة تمامًا: أنه لا يفعل إلا الصواب، وأن الناس دائمًا يسيئون فهمه، وأنه مضطر إلى القسوة لأن الآخرين لا يستجيبون إلا لها.
هنا يعمل غطاء الكهنوت والرحموت داخل الماتريكس. الكهنوت يفعل في الرحموت، والرحموت يتحول إلى كهنوت، والرحموت يفعل في الكهنوت، وقد يصبح الاثنان معًا في الشخص نفسه. أنت تتكهن بوجهة نظر، ثم تراها حقيقة؛ وتبني واقعًا على التكهن، ثم تحكم بأن الواقع نفسه يثبت صحة تكهنك. قد يكون هناك منطق في تفسيرك، لكن الغطاء يملأ ما لا تعرفه بالوهم، ويجعلك تخلط بين ما رأيته فعلًا وما استنتجته، وبين ما فعله الآخر وما توقعت أنه يقصده، وبين ألمك الحقيقي والتفسير الذي أعطيته لذلك الألم.
قد تؤمن بأنك ضحية تحمل ذنبًا دون أن تكون مذنبًا، وقد تكون مظلومًا فعلًا في موقف، لكنك تحول هذا الموقف إلى وجهة نظر تحكم بها كل علاقة بعدها. وقد ترى نفسك صاحب الحق دائمًا، فتغفل عن الأذى الذي تسببه وأنت تدافع عن حقك. وقد ترى في نفسك الإخلاص والخلاص أسلوب حياة، ثم يصبح الخلاص عندك هو الهروب من كل من أخلصت لهم. وقد ترى في نفسك الوفاء، ثم تتكهن بالغدر في كل شخص سلّمته وفاءك. وقد ترى العهد أساس العلاقة، ثم تجد الخيانة فيمن تعهدت له؛ أو قد تتمسك بتصورك عن العهد إلى درجة أنك لا ترى كيف تغيّرت العلاقة، ولا ما الذي أصبح مطلوبًا منك لحفظ الأمانة.
أنت في الماتريكس حين تظن أن ما تراه اليوم هو الحقيقة النهائية، وأن إحساسك باليقين دليل كافٍ على صحة تفسيرك. وقد لا يكون الوهم في الواقعة نفسها؛ فقد تكون الخيانة قد حدثت، وقد يكون الأذى حقيقيًا، وقد يكون من حقك أن تحمي نفسك. الوهم قد يكون في أن تجعل واقعة واحدة تعريفًا للحياة كلها، أو أن تجعل خطأ شخص واحد حكمًا على كل البشر، أو أن تجعل الألم دليلًا على أنك لا تخطئ، أو أن تجعل امتلاكك للحجة دليلًا على أنك رأيت كل شيء.
ولهذا لا يكفي أن تغيّر الأشخاص الذين يدخلون حياتك إذا ظل الغطاء الذي ترى من خلاله كما هو. قد تترك الشخص الذي كان يعاقبك، ثم تجد نفسك تعاقب من يقترب منك خوفًا من أن يكرر قصته. وقد تهرب من شخص كان يتحكم فيك، ثم تدخل علاقة تراقب فيها الطرف الآخر وتطالب بالسيطرة خوفًا من أن تفقد نفسك مرة أخرى. وقد تخرج من التضحية العمياء إلى القسوة العمياء، فتظن أنك تحررت، بينما أنت فقط انتقلت من وجه من الماتريكس إلى وجه آخر.
إذا أردت أن تفهم هذه الدائرة، فلا تسأل فقط: من الكهنوت ومن الرحموت في علاقتي؟ اسأل أيضًا: متى تكهنت؟ متى حوّلت شعوري إلى حكم، والحكم إلى حقيقة، والحقيقة إلى سلوك يعيد إنتاج ما أخشاه؟ متى سميت خوفي حبًا، أو سيطرتي حماية، أو سكوتي سلامًا، أو استنزافي تضحية؟ ومتى تمسكت بصفة جميلة في نفسي إلى درجة أنني لم أعد أرى ما تفعله بي؟
هذه الأسئلة لا تعني أنك مسؤول عن كل أذى تعرضت له، ولا أن كل خيانة انعكاس لخطئك، ولا أن عليك أن تبرر قسوة الناس. لكل إنسان مسؤولية أفعاله. لكنك مسؤول عن ألا تجعل ما حدث لك غطاءً يحكم كل ما سيحدث بعده، وعن ألا تسمح لمعاناتك أن تتحول إلى سجن تعيد بناءه كلما حاولت الخروج منه.
لماذا تراهما أحيانًا شياطين وأحيانًا ملائكة؟
عندما ترى القسوة والحرب والعقاب والتكرار الذي يستنزفك، قد تتصور أن الكهنوت والرحموت كيانان شيطانيان جاءا لتدمير الإنسان. وحين ترى ما يكشفانه لك من غفلتك، وما يدفعانك إليه من صحوة ومراجعة، قد تنظر إليهما باعتبارهما ملائكة تساعدك على النصر والجهاد والخلاص. لكن كلا الحكمين قد يعيدك إلى الغطاء نفسه إذا جعلت أحدهما شرًا مطلقًا أو خيرًا مطلقًا.
فقد يتخذ الإنسان من فكرة أنه يدافع عن الحق غطاءً يبرر به القتل باسم العقيدة، أو الأذى باسم الانتصار، أو الإقصاء باسم النور. وقد يتحول السلام في يده إلى شعار ينتشر تحته الموت، وقد ينتشر الضلال باسم النور، وقد يحمل النور في داخله ظلامًا لا يراه صاحبه. ليس كل من ظن نفسه محاربًا للشر قد رأى الشر كاملًا، وليس كل من رفع شعار الرحمة قد عرف كيف يرحم، وليس كل من تحدث عن الحق قد تحرر من حاجته إلى أن يكون هو صاحب الحق.
المشكلة ليست في أنك تتخذ موقفًا، ولا في أن تميز بين الصواب والخطأ، بل في أن تجعل رؤيتك لنفسك وللعالم فوق المراجعة، ثم تسمح لها أن تبرر أي فعل يصدر منك. عندها قد يحول الكهنوت دفاعك عن الحق إلى حرب لا تنتهي، وقد يجعل الرحموت رحمتك تبريرًا للتنازل عن كل ما يحفظ روحك وإرادتك. وقد تجد نفسك تحارب باسم النور، ثم تكتشف أن ما كنت تدافع عنه هو الغطاء الذي حجب عنك نورًا آخر.
لكن لماذا نرى الكهنوت والرحموت بهذه الطريقة؟ ولماذا لا يكفي أن نسميهما شيطانين فنحاربهما، أو ملائكة فنطيعهما؟ لأن القصة في نهايتها ليست صراعًا بين كيانين نختار أحدهما، بل درسًا يكشف لك حدود وجهة نظرك، ويعيدك إلى السؤال عن مصدر وجودك، وعن الأمانة التي تحملها، وعن الدور الذي جئت لتؤديه.
من التقبل إلى التناغم، ومن التناغم إلى التسليم
الخروج من ماتريكس الكهنوت والرحموت لا يبدأ بأن تنتصر على الآخر، بل بأن تتوقف عن الاعتقاد أن الانتصار عليه هو الطريق الوحيد إلى الحقيقة. لا يعني ذلك أن تقبل الظلم، أو تتنازل عن حقك، أو تستمر في علاقة تؤذيك. يعني أن تتعلم التمييز بين الواقعة وتفسيرك لها، وبين الشعور والحكم الذي تبنيه عليه، وبين الحب والتعلق، وبين السلام والخضوع، وبين التضحية وإهدار النفس.
ابدأ بالتقبل: تقبل أن ما حدث قد حدث، وأنك قد لا تعرف كل أسبابه بعد، وأن مشاعرك مهما كانت حقيقية لا تمنحك وحدها معرفة كاملة بما يدور في داخل الآخرين. تقبل أنك قد تكون محقًا في جانب وغافلًا عن جانب، وأنك قد تحتاج إلى مراجعة نفسك دون أن تنكر ما تعرضت له من أذى. التقبل ليس أن تبرر للإنسان ما فعله، بل أن تتوقف عن إنكار الواقع أو اختزاله في الصورة التي تحمي اعتقادك.
ثم اخرج من التقبل إلى التناغم. أن ترى المشهد بعلاقات أجزائه، لا بعين واحدة. أن تعرف كيف تحب دون أن تجعل الحب سجنًا، وكيف تضع حدًا دون أن تحول الحد إلى حرب، وكيف تسامح دون أن تتخلى عن حقك في الحماية، وكيف تظل وفيًا لما تؤمن به دون أن تسلم إرادتك لكل من يطلب منك التضحية. التناغم ليس أن توافق الجميع؛ بل أن تعرف موقعك في الحياة، وتفهم ما تستطيع تغييره وما ينبغي أن تتعامل معه بوعي، دون أن تحوّل كل اختلاف إلى معركة لإثبات أنك على حق.
ثم اخرج من التناغم إلى التسليم. والتسليم هنا ليس استسلامًا لإنسان يؤذيك، ولا انسحابًا من مسؤولياتك، ولا إلغاءً لإرادتك. إنه أن تسلّم ادعاءك بأنك محيط بكل شيء، وأن تعترف بأن رؤيتك محدودة مهما اتسعت، وأن توجه نفسك إلى رب الملكوت بدلًا من أن تجعل وجهة نظرك هي الحاكم الأخير على كل ما يحدث. البصيرة ليست أن ترى الحقيقة بعين واحدة، ولا أن تتوقف عن التمييز بين الصواب والخطأ؛ البصيرة أن ترى ما تراه، وأن تنتبه في الوقت نفسه إلى ما يمكن أن يكون غائبًا عن رؤيتك.
عندها تتغير علاقتك بالحب. لن يصبح الحب مجرد القرب من الشخص الذي تحب، لأن القرب قد يكون بابًا للألم، والابتعاد قد يكون أحيانًا ضرورة لحفظ الأمانة. تبدأ في فهم أن الحب لا يكتمل بامتلاك الآخر ولا بإجباره على أن يمنحك الصورة التي تريدها، وأن حبك لمن حولك لا ينبغي أن يجعلك تغفل عن المصدر الذي تستمد منه غايتك وقيمتك ودورك.
ويتغير معنى السلام. لن يعود السلام مجرد بيت هادئ أو علاقة لا يوجد فيها خلاف. قد تكون في أجمل الأماكن بينما تحمل داخلك حربًا، وقد تخسر مكانًا كنت تراه مصدر طمأنينتك ثم تكتشف أن السلام لا يسكن الجدران وحدها. السلام الأعمق، في علاقتك بالله، يبدأ عندما تسقط عن الله الصورة التي صنعتها من مخاوفك وتكهناتك، وتتعلم أن تنظر إلى حياتك من خلال الإيمان به، لا من خلال إصرارك على أن تتحقق كل الأشياء وفق رؤيتك.
ويتغير معنى التضحية. لن تكون مطالَبًا أن تذبح نفسك يوميًا حتى تثبت أنك تحب، ولا أن تسمح لمن حولك بتقطيع حياتك وتوزيعها على الآخرين. ستتعلم أن التضحية لا تعني أن تفرط في بذرة روحك، ولا في الأمانة التي تحملها، ولا في إرادتك التي وُضعت بين يديك لتختار وتتحمل مسؤولية اختيارك. ستدرك أن المحافظة على نفسك ليست خيانة للآخرين، وأن وضع الحدود لا يلغي الرحمة، وأنك تستطيع أن تعطي من قلبك دون أن تتخلى عن حقك في أن تبقى إنسانًا.
ويتغير معنى الإخلاص والوفاء. ليس الإخلاص أن تظل أسيرًا لشخص مهما فعل، ولا أن تجعل العهد الذي قطعته للآخرين قيدًا يمنعك من رؤية الحقيقة. الإخلاص أن تستمر في فهم الأمانة وأداء دورك، وأن تحافظ على صدقك في عملك وحياتك وعلاقاتك، وأن تفي بما أنت مسؤول عنه دون أن تخون نفسك أو تجعل الآخرين آلهة صغيرة تطلب رضاهم ولو على حساب ما تؤمن أنه حق.
رب الملكوت: ما الذي يريدك أن تتعلمه من الكهنوت والرحموت؟
عندما تؤمن أن الله يرى كل شيء ومحيط بكل شيء، تتغير زاوية النظر. أنت لا تنظر إلى الحياة من موقع الإحاطة، ولا تعرف كل ما تخفيه الوقائع، ولا تستطيع أن تحكم على كل شيء من اللحظة التي تعيشها. لكنك تؤمن أن الله يعلم ما لا تعلم، ويرى ما لا ترى، ويعلم ما في نفسك وما تفعله، حتى عندما تعجز أنت عن فهم نفسك.
في هذا المعنى، لا يكون الدرس أن الله يريد منك أن تنتصر في كل موقف، أو أن تكشف كل سر، أو أن تعرف من المخطئ في كل علاقة. الدرس أن تكتشف دورك في نفسك وفي حياتك، وأن تتعلم كيف ترى الناس دون أن تجعل وجهة نظرك عنهم بديلًا عن البصيرة، وكيف تؤدي مسؤوليتك في المجتمع والعمل والعلاقات دون أن تتخلى عن الأمانة التي تحملها.
قد تظن أن الله بعيد فوق سبع سماوات، بينما تغفل عن قربه الذي تؤمن به، وعن علمه بما تمر به وما تفعله بنفسك. قد تنشغل بطلب علامة تأتيك من بعيد، وتغفل عن درس يتكرر أمامك في كل علاقة، أو عن خطأ تكرره ثم تلوم الحياة على نتائجه، أو عن فرصة للتغيير تتطلب منك أن تراجع سلوكك بدلًا من أن تكتفي بتفسير سلوك الآخرين. وفي كل لحظة قد تجد ما يستدعي انتباهك، لكن الغطاء قد يجعلك مشغولًا بإثبات وجهة نظرك إلى درجة أنك لا ترى الرسالة التي يمكن أن تتعلم منها.
قد يؤلمك ما فعلته بنفسك، ويكون الألم سببًا في أن تنتبه إلى ما كنت تغفل عنه. وقد تظلم نفسك حين تفرط في إرادتك أو تسمح للذنب بأن يعميك عن المسؤولية الحقيقية، ثم تحتاج إلى أن تتعلم كيف تعود إلى الأمانة بدلًا من أن تظل تعاقب نفسك. وقد تعاني وتلوم الله على ما حدث، ثم يأتي يوم تدرك فيه أن بعض معاناتك ارتبط بالطريقة التي اخترت بها، أو بالغفلة التي أبقتك في دائرة تعرفها، أو بالغطاء الذي جعلك ترى ما تفعله باعتباره الصواب الوحيد.
ليس معنى ذلك أن كل معاناة عقاب، أو أن كل ظلم تعرضت له كان اختيارك، أو أن عليك أن تحمل ذنب ما فعله الآخرون. بل إن الفرق المهم هو أن تتعلم من التجربة دون أن تنسب كل أفعال الناس إليك، وأن تتحمل مسؤوليتك دون أن تحمل نفسك مسؤولية الكون كله. عندها يمكن للألم أن يصبح نقطة بداية للفهم، لا حكمًا نهائيًا على حياتك.
ويعلمك الكهنوت والرحموت، في هذه الرؤية، أن تشارك الله في المعنى لا أن تكتفي بالحديث عنه؛ أن تحافظ على إرادتك بوصفها أمانة، وأن تؤدي دورك الروحي والإنساني، وأن تكون مخلصًا في عملك وحياتك، وأن تتأمل ما تطلبه منك معتقداتك في واقعك، لا أن تكتفي بترديد كلماتها. اقرأ كتابك الذي تؤمن به، مهما كان دينك، وتأمل كيف يوجهك إلى أداء دورك، وإلى حفظ الأمانة، وإلى العدل والرحمة وتحمل المسؤولية. لا تجعل العقيدة غطاء يبرر لك إيذاء نفسك أو الآخرين، ولا تجعل البحث عن النور ذريعة لتغفل عن الظلام الذي يمكن أن يتسلل إلى أفعالك.
والوفاء الذي يستحق أن تحافظ عليه ليس قيدًا في رقبتك يفرض عليك أن تسلم حياتك لكل من وثقت به؛ إنه أمانتك أمام الله، وصدقك مع ما عرفت أنه حق، واستمرارك في أداء الدور الذي تحمله. لا تطارد كل رغبة لمجرد أنها ظهرت داخلك، ولا تجعل كل خوف يأمرك بالهروب، ولا تسمح للذنب أن يحولك إلى إنسان غافل عن حياته. تعلّم أن تميز بين الأمر الذي يستحق السعي، والوهم الذي يدفعك إلى مطاردة ما لا تعرف حقيقته، وبين ما ينبغي أن تحافظ عليه، وما ينبغي أن تتركه دون أن تخون الأمانة التي تحملها.
سر الكهنوت والرحموت: أن تعرف من أين تنظر، وإلى من تتجه
إذا رأيت الكهنوت والرحموت في شخص آخر، فلا تتعجل في وصفه بأنه شيطان أو ملاك، ولا تظن أنك بمجرد اكتشاف الغطاء فيه أصبحت خارجه. اسأل نفسك: ما الذي يوقظه هذا الشخص داخلي؟ هل يجعلني أرى الحب باعتباره تعلقًا؟ هل يجعلني أرى الاختلاف حربًا؟ هل أتمسك بوجهة نظري كي لا أشعر أنني مخطئ؟ هل أضحي من أجل إنسان لأنني أحبه، أم لأنني أخاف أن أفقد قيمتي في عينيه؟ هل أدافع عن حقي، أم أدافع عن الصورة التي صنعتها عن نفسي باعتباري صاحب الحق دائمًا؟
قد يكشف لك الآخر جانبًا من قصتك، لكن هذا لا يعني أن كل ما يفعله هو انعكاس لما تفعله أنت. الإنسان مسؤول عن أفعاله، وأنت مسؤول عن اختياراتك. وما تحتاج إلى رؤيته ليس أن تلوم نفسك على كل ما حدث، بل أن تعرف أين تنتهي مسؤولية الآخر وأين تبدأ مسؤوليتك، وأين يكون الحفاظ على العلاقة وفاءً، وأين يصبح التمسك بها غفلة، وأين يكون التسامح رحمة، وأين يتحول إلى باب يسمح بتكرار الأذى.
الحياة في هذا التصور واحدة في أصل وجودها، والكهنوت والرحموت كيانان في يد رب الملكوت، وليسا الحقيقة النهائية التي ينبغي أن تخضع لها. كل شيء في الوجود، مهما بدا كبيرًا في عينيك، يظل محدودًا أمام خالق الوجود. فلا تتبع غطاءً يطلب منك أن ترى بعين واحدة، ولا تجعل نفسك حكمًا نهائيًا على كل ما لا تحيط به، ولا تجعل ما تؤمن به من حق وسيلة لإلغاء بصيرتك أو إهدار أمانتك.
في بداية القصة، قد ترى الكهنوت شيطانًا يجرّك إلى الحرب، والرحموت شيطانًا يجرّك إلى المعاناة. ثم ترى أن الكهنوت قد يكشف لك قسوة كنت تمارسها دون أن تعرف، وأن الرحموت قد يكشف لك بذرة حب كنت تهدرها دون وعي. فتظن أنهما ملائكة جاءت لتوقظك. لكنك عندما تبلغ نهاية الفهم، تكتشف أن الحكاية لم تكن أن تختار أي الكيانين تتبع، بل أن تتعلم كيف ترى الغطاء الذي يعمل من خلاله كل منهما، وكيف تتوقف عن تحويل وجهة نظرك إلى حقيقة مطلقة تحكم حياتك.
ليس المطلوب أن تتخلص من الحب، ولا من الرحمة، ولا من حقك في الدفاع عن نفسك. المطلوب أن تتخلص من الغطاء الذي يحوّل الحب إلى تعلق، والسلام إلى خضوع، والتضحية إلى ذبح للنفس، والوفاء إلى قيد، والطيبة إلى غضب، والمشاركة إلى عزلة، والبحث عن الحقيقة إلى حرب لا تنتهي. المطلوب أن تحب دون أن تتخذ الحب ذريعة لامتلاك الآخرين، وأن تسالم دون أن تسمح بتدمير نفسك، وأن تخلص دون أن تتخلى عن الأمانة، وأن تعرف أنك قد ترى حقيقة اليوم ثم تكتشف غدًا أن بصيرتك كانت تحتاج إلى النضج.
عندها تبدأ الصحوة. لا لأنك عرفت كل شيء، بل لأنك توقفت عن ادعاء أنك تعرف كل شيء. لا لأنك انتصرت على الناس، بل لأنك بدأت تخرج من الحرب التي كانت تدور داخل رؤيتك. لا لأنك أصبحت بلا ألم، بل لأن الألم لم يعد وحده هو الذي يفسر لك الحياة. ولا لأنك أصبحت ملاكًا أو تخلصت من كل ما يشبه الشيطان في أفعالك، بل لأنك صرت أكثر قدرة على رؤية ما تفعله، وتحمل مسؤوليتك عنه، والعودة إلى الأمانة كلما اكتشفت أنك ابتعدت عنها.
سر الكهنوت والرحموت أن تتعلم ألا تجعل أي وجهة نظر غطاءً يحجب عنك رب الملكوت. فالحقيقة ليست أن تثبت أنك كنت محقًا منذ البداية، ولا أن تقنع نفسك بأنك ضحية لا تخطئ؛ الحقيقة أن تنضج بصيرتك بما يكفي لترى ما لم تكن تراه، وأن تتعلم من التجربة بدلًا من أن تعيد إنتاجها، وأن تؤدي دورك دون أن تتخذ من دور الآخرين ذريعة للغفلة عن دورك.
وفي النهاية، قد تكتشف أن أكثر ما كنت تبحث عنه لم يكن الانتصار على شخص، ولا إثبات أن حبك كان صادقًا، ولا انتزاع اعتراف بأنك كنت مظلومًا. ربما كنت تبحث عن الخروج من دائرة لا تتوقف، عن سلام لا يتوقف على أن يتصرف الآخرون وفق ما تريد، وعن نور لا يحتاج إلى أن تطفئ نور غيرك كي تراه.
هناك تفهم أن الكهنوت والرحموت كيانان في يد رب الملكوت؛ وأن الدرس الذي يمكن أن تتعلمه منهما ليس أن تخافهما، ولا أن تعبدهما، ولا أن تمنح أيًّا منهما سلطة مطلقة على حياتك. بل أن ترى أثرهما في الأغطية التي تتكون داخلك، وأن تنتبه إلى اللحظة التي تتحول فيها وجهة النظر إلى حقيقة مغلقة، ثم تعود إلى بصيرتك وأمانتك وإيمانك.
فلا تجعل وجهة نظرك ربًا يحكم حياتك، ولا تجعل الغطاء حقيقةً تحجب عنك الحقيقة، ولا تجعل الطريق الذي تتعلم فيه درسًا يتحول إلى سجن تعيش داخله بقية عمرك. وجّه وجهك إلى رب الملكوت؛ فهناك يبدأ التسليم، وهناك تتعلم كيف ترى ما وراء الغطاء، لا لتنتصر على الحياة، بل لتعرف كيف تعيشها دون أن تفقد نفسك فيها.
استجابات